الطنطورة والبحر… الداء والدواء والزفزف والزلف (3/2)


اشترك معنا في قناة تلغرام: اضغط للاشتراك حمل تطبيق الملتقى الفلسطيني على آندرويد: اضغط للتحميل

هذه المقالة هي الثانية من أصل ثلاث مقالات حَوْل الطنطورة المهجّرة، إذ سبقتها مقالة ركّزت على الطنطورة وعلى برّها وبحرها وعلاقة أهلها بهما، وبجُزُرها، وبخاصة ببحرها الذي جمعته وأهل الطنطورة علاقة خاصّة شملت جوانب كثيرة.


في أواخر نيسان/ أبريل من كل عام، كان صوت الطنطوريات ينبعث من داخل البحر غناءً في ترويدة ساحلية يقول مطلعها:

والعجّال شمّل والعجّال شرّق

والسمّاك شيّل والبحر زرّق (1)

يروّدنَها ثم يردّدنها الطنطوريات، على إيقاع صوت خبط أقدامهن بماء البحر، ضمن طقس سنوي استمر في الطنطورة أحيانا لأسبوع. ذلك هو موسم غسل صوف الغنم في البحر. كانت نساء القرية تفرك الصوف دعكا بكعابهن إلى أن يرغوَ الصوف بالصابون أبيضَ، بلون زَبَد موج البحر ناصعا مثل الحليب.

يُسمى قطيع البقر “العجّال”، والذي كان يجري جمعه في أيام الربيع، ثم تسريحه إلى مراعي القرية في شمالها أو شرقها، كما تقول الترويدة. وتزامن هذا في الطنطورة مع موسم جَزِّ صوف الغنَم البيضاء، التي كثرت قُطعانها فيها (2). كان سرح عجّال البقر وجزّ صوف الغنم ثم غسله، يتزامنان كذلك مع موسم سمك السردين. ومن هنا قَوْل الترويدة: “والسّمّاك شيّل والبحر زرّق”، في إشارة لموسم السردين وصيده مع أواخر نيسان (3).

مبنى قريب جدا من البحر في الطنطورة

إن غسل صوف الغنم بماء البحر، تقليد تعارَف عليه وقتذاك بدو وفلّاحو قرى الساحل، دون أن يتسبب الصوف بأي أذى لماء البحر، على خلاف الأذى الذي كان يخلّفه الدبّاغة للبحر في المدن الساحلية مثل يافا وحيفا وعكا، فدبغ جلود المواشي في البحر، والتي كان يتطلب غسلها ودبغها، مياها ملوحتها عالية، قد حوّل شواطئ تلك المدن إلى أشبه بمناطق صناعية تخمّها رائحة الدم والعَفن، ما أبعد الناس عنها. وقد خاض أهالي يافا في عشرينيات القرن الماضي نضالا وصل إلى حد النزاع مع الدبّاغين من أجل حقهم في شواطئ نظيفة (4).

في البحر الداء والدواء

لم تقترب الطنطورة بالشكل الذي اقتربت عليه من البحر قبيل نكبتها، إلا في ثلاثينيات القرن العشرين، إذ صارت بيوتها في حينه “شَطّيّة” على حَرف البحر بتعبير أبناء الساحل. وقبل ذلك، أي في القرنين الثامن والتاسع عشر، كانت بيوت القرية أبعد عنه إلى الداخل بعشرات الأمتار. وفوق جبلة -بتسكين الجيم- أي هضبة مرتفعة ومُطِلّة عليه، مكونة من مجموعة تلال، أطلق عليها الطناطرة تعبير “دِبِّاب” مثل: دَبّة الباب، ودَبّة العجرة، وكذلك دَبّة العبدونية وغيرها(5).

التوطن “التِلالي” عن البحر في الساحل، كان تقليدا ينسحب على جميع قُرى ومدن فلسطين الساحلية طوال القرنين الثامن والتاسع عشر (6)، ومردّه هو سؤال “الأمن من البحر”! على أشكاله المختلفة. أهمه كان “الأمن الصحي”، وتحديدا من بصاص -جمع بَصة- الماء، أي “المستنقعات” التي كانت تُبرّكُ قُبالة البحر على شاطئه، متشكلةً بفعل ماء الشتاء، والسيول الجارية من جبال فلسطين الداخلية. مما كان يتسبب بانتشار الباعوض والأمراض مثل الحُمة والملاريا.

لم يترك أهالي الطنطورة شبرًا من أرضهم إلا وأعطوه اسمًا، بما في ذلك بِرك “المستنقعات”، فمنها أرض البصة السهلية الواقعة شرق البلد التي تفصلها عن قرية الفريديس، وأخرى مثل: الزور والحاوي وعيون حسن وحجر الشيخ والصفرا (7). هذه كلها أراضٍ، كانت “مستنقعات” في الشتاء والربيع، ومبعثا للباعوض والملاريا، إلى أن يحلّ الصيف وتجفّ. وفي المقابل، كانت بفعل تبرك الماء فيها، منبتا للحلفا والصُعيد والصمار، النبات الذي استفاد منه الطناطرة في فتل الحبال ونسج الحُصر(8).

نبتة الحلفا

ثابر الطناطرة على التخلص من هذه البِرك، عبر حفر واد بأيديهم في ثلاثينيات القرن الماضي، صار يُعرف بوادي المزرعة أو وادي البلد (9)، وذلك من أجل صرف المياه الراكدة في شرق البلد إلى غربها نحو البحر. وفي شمال الطنطورة كانت منطقة تُعرف بـ”الدوّاية”، أيضا بركة راكدٌ ماؤها على حافة البحر. أوجد الطناطرة لها مصرفا من تحت الرمل، ظلّ يَهدرُ منها صوت الماء إلى البحر مسموعا طوال الشتاء وحتى مطلع الربيع. ومن هنا كان اسمها الدوّاية (10). ومع ذلك، ظلّ ماء الشتاء يبرك في مناطق مختلفة من الطنطورة، مما كان يجبر أهلها إلى التوّقي منه بـ”الكوينين”، وأطلق عليه أهالي الطنطورة والساحل عموما، بالعامية اسم “دوا الكينا” (11)، استُخدم شربا كمضاد للطفيليات ولعلاج الملاريا في حينه.

كما لم يتردد الطناطرة حتى مطلع القرن العشرين، في غلي ماء البحر بملوحته مع بعض النباتات والأعشاب للتداوي به من وجع الأسنان، وأعراض الإمساك، وأمراض المعدة. والأهم كما يُقال إنه “لم يُذكر عن طنطوري أن أغمض عينيه تحت ماء البحر” (12)، في إشارة إلى أهمية ماء البحر في منع الإصابة بـ”رمد العيون”، أحد أكثر الأمراض انتشارا على ساحل فلسطين. فيما اعتبر الطناطرة الغطس في البحر بمثابة ممارسة وقائية من الرمد. حتى المصاب به، كان يؤخَذ للبحر مباشرة لقطر عينيهِ من مائه (13). ومن عادة الطنطوريات، قطر عيون مواليدهن الرُضّع من ماء البحر ضمن شَعيرة من طقوس المُيومة الساحلية (14).

الرمل المَلكيّ

نَمَت بيوت الطنطورة على الرمال، مُشيّدةً من رملها، الذي ظلت حكايته مَلكية منذ قيام القرية على قدميها في القرن الثامن عشر، فحجارة بيوت القرية كلها، كانت مقطوعة ومسقولة من دِبابها وسوافيها الرملية المشرئبّة على سيف البحر. عُرف عن الحجر الطنطوري أنه مُبّيض ونافر، وسُمي بالحجر “المَلكي”، نسبة للرمل المَلكي الذي كان يفترش شاطئ الطنطورة، ممتدا على طول ساحل فلسطين الشمالي. وقد ورد ذكره في كتب الرحلات باسم الرمل “المَكي” أحيانا.

نبتة الصمار

كانت بيوت الطنطورة حتى عشرينيات القرن العشرين مبنية بجدران حِجارها رملية، بينما سطوحها ظلّت مسقوفة بخشب شجر الطرفا، المقطوع من وادي الزرقا جنوب القرية (15)، قبل أن تتحول بعد ذلك إلى مُسطحة بالإسمنت. في شرقي الطنطورة منطقة تلّية عُرفت بالـ”مقاطيع”، والمِقطاع يعني بقاموس أهالي الطنطورة المَحجر، الذي تُقلع وتُقطع منه حِجارة البناء الرملية (16). كان يقول الطناطرة مستظرفين: “ولاد المقاطيع مقاطيع”، والمقصود هو حَجّارة المقاطيع، المنقطِعون عن الناس في التلال والجبال.

حين توسّعت قرية الطنطورة في أوائل الثلاثينيات، كان توسعها وتمددها غربا نحو البحر، لتصبح قرية أكثر شَطية وأقرب للبحر وحافته، ما دفع أهل تلك البيوت وأهليها إلى استخدام الحجر الصخري بدل الرملي في البناء. اقتَلع الطناطرة الحِجارة الصخرية البيضاء من جبل “أم الطوس” الواقع شرقي القرية، بمحاذاة جبال الكرمل (17). ومَرَدّ استبدال الرملي بالصخري يعود إلى البحر ومَدّ موجه المتمادي على جدران تلك البيوت، ما تطلب أن تكون بيوت حِجارها صخرية لمقاومة ماء البحر وملوحته.

كان الطناطرة، كلما صاروا أكثر توددا للبحر، ازدادوا حذرًا منه، فبعض الصور الفوتوغرافية المُلتقطة في الثلاثينيات لبيوت الطنطورة الشاطئية، تظهر أن أهالي الطنطورة قد اقتربوا من البحر متحفظين، ودون أن يعطوه واجهات بيوتهم، فمعظم عتبات البيوت وأبوابها، كانت مفتوحة على الناحية القِبلية وليس الغربية في مواجهة البحر.

الطنطورة في الثلاثينيات؛ لم يعطِ الأهالي واجهات بيوتهم لناحية البحر

الزفزف والزلف

ما الذي يحمله موج البحر في مده إلى الشاطئ غير الماء؟ الحصى والصدف والتراب وحتى الغبار مبلولا يحمله المدّ معه، ليتركها كلها على حافة البحر رملا خشنًا بحجم ما بين حَبّ السمسم والعدس. وهذا ما كان يسمّيهِ أهل الساحل “الزفزف”، بينما أطلق أهالي الطنطورة عليه اسم “الخَفّان”(18).

كان الزفزف أو الخَفّان موردًا يُستخدم لأغراض البناء والإعمار، وقد تُركت مهمه استخراجه من شاطئ بحر الطنطورة لنساء القرية، يعبئنه في قُفف ثم يملأنَها في أكياس، في انتظار أن تحملها جِمال دار عبد المُعطي والجمّال لنقلها إلى البيوت وأصحاب الطلب (19). في رحلتها الثانية إلى ساحليّ لبنان وفلسطين، في ثمانينيات القرن التاسع عشر، أشارت الرحالة الإنجليزية، ماري روجرز، عند مرورها بالطنطورة إلى هِمة الطنطوريات في جمع الزفزف وحجار الملح من على شاطئ بحرهن (20).

أما “الزَلف”، فهو الصدف البحري الذي كان يقذف به مد البحر إلى شاطئ الطنطورة. أطلق عليه الطناطرة تسمية الزَلف. هو ذاته “صدف الموركس” الذي استخدمه الكنعانيون قديمًا لاستخراج الأصباغ الأرجوانية منه. في الطنطورة، من شمال منطقة البُرج، تلٌ كان يتكوم فيه الصدف، فأطلق عليه أهالي الطنطورة اسم “تل الزَلف”(21).

استعان أهالي الطنطورة بزلف البحر لرصف أزقة قريتهم الداخلية ومداخل بيوتهم به، خصوصًا قبل حلول الشتاء في كل عام (22)، في تقليد تعارفوا عليه لمنع توحّل تربة طُرقاتهم الطينية. كما استُخدم زلف البحر في الطنطورة بعد طحنه علفا للدواجن! ويُقال إن طحن الزلف علفًا تقليد استدلّ إليه الطناطرة من يهود زمارين (“زخرون يعكوف”) الواقعة جنوب شرق الطنطورة، الذين استوطنوها منذ نهاية القرن التاسع عشر (23).


الهوامش:

1. سلّام، نايف طه، مقابلة شفوية، الطنطورة، موقع فلسطين في الذاكرة، ضمن مشروع تدوين التاريخ الشفوي للنكبة الفلسطينية، تاريخ 25/5/2010.

2. اليحيى، محمود يحيى، الطنطورة قرية دمرها الاحتلال الإسرائيلي، دار الشجرة للنشر والتوزيع، دمشق، 1998، ص 134.

3. كان موسم صيد السردين يستمر ثلاثة أشهر في الطنطورة منذ نيسان/ أبريل وحتى نهاية شهر حزيران/ يونيو. راجع سلام، نايف طه، المقابلة السابقة. وباقي المقابلات عن قرية الطنطورة على موقع فلسطين في الذاكرة.

4. من لقاء مع الباحث والنائب سامي أبو شحادة، ابن مدينة يافا، أجراه الكاتب في تاريخ 11/11/2020. كما أشار أبو شحادة إلى تناول صحيفة الدفاع الفلسطينية لهذه القضية في أحد أعدادها في عشرينيات القرن العشرين.

5. سلّام، نايف طه، المقابلة السابقة.

6. عن ذلك، راجع: حبيب الله، علي، فلسطين محفوفة ببحرها – ملامح من تاريخ التوتر مع البحر، مقالة منشورة في مجلة “رمان” الثقافية، تاريخ 2/12/2020.

7. سلّام، نايف طه، المقابلة السابقة.

8. المصري، محمد العائد، مقابلة شفوية، الطنطورة، موقع فلسطين في الذاكرة، ضمن مشروع تدوين التاريخ الشفوي للنكبة الفلسطينية، تاريخ 24/5/2010.

9. أبو شكر، عبد الجبار، مقابلة شفوية، الطنطورة، موقع فلسطين في الذاكرة، ضمن مشروع تدوين التاريخ الشفوي للنكبة الفلسطينية، تاريخ 16/3/2007.

10. سلّام، نايف طه، المقابلة السابقة.

11. أبو شكر، داوود، مقابلة شفوية، الطنطورة، موقع فلسطين في الذاكرة، ضمن مشروع تدوين التاريخ الشفوي للنكبة الفلسطينية، تاريخ 27/7/2008.

12. المصري، محمد العائد، المقابلة السابقة.

13. أبو شكر، داوود، المقابلة السابقة.

14. تعني طقوس “الميومة” تلك العادات والتقاليد الدينية والاجتماعية التي كان يمارسها سكان الساحل في ماء البحر. عن ذلك، راجع: تماري، سليم، الجبل ضد البحر، مؤسسة الدراسات الفلسطينية.

15. وادي الزرقا نسبة لنهر الزرقا، وكان يطلق عليه اسم نهر التمساح. تقوم عليه اليوم قرية جسر الزرقا الساحلية.

16. سلّام، نايف طه، المقابلة السابقة.

17. العموري، عادل محمد، مقابلة شفوية، الطنطورة، موقع فلسطين في الذاكرة، ضمن مشروع تدوين التاريخ الشفوي للنكبة الفلسطينية، تاريخ 26/10/2010.

18. سلّام، نايف طه، المقابلة السابقة.

19. أبو شكر، داوود، المقابلة السابقة.

20. ويلسون، سير شارلز، لوحات من القرن التاسع عشر – لبنان – فلسطين – سيناء، ترجمة: محمد شيا، شركة المطبوعات للتوزيع والنشر، بيروت، 1995. ص 110.

21. اليحيى، محمود يحيى، الطنطورة قرية دمرها الاحتلال الإسرائيلي، ص 15.

22. أبو شكر، داوود، المقابلة السابقة.

23. أبو شكر، داوود، المقابلة السابقة.

عن عرب 48

اشترك معنا في قناة تلغرام: اضغط للاشتراك

حمل تطبيق الملتقى الفلسطيني على آندرويد: اضغط للتحميل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *