الطبقة السياسية الفلسطينية هزمت في امتحان الفرصة الأخيرة


اشترك معنا في قناة تلغرام: اضغط للاشتراك حمل تطبيق الملتقى الفلسطيني على آندرويد: اضغط للتحميل

يتعذر تجاهل حجم الاحتقان غيرالمسبوق في حدته، الذي باتت تشعر به الغالبية الساحقة من أبناء الشعب الفلسطيني داخل الوطن المحتل وفي مناطق اللجوء. والذي أججته السجالات الأخيرة بين مختلف أطياف المولاة والمعارضة قبيل اجتماعات الدورة الواحدة والثلاثين للمجلس المركزي، بالدعوة لحضورها ولمقاطعتها. ثم احتدام الجدل بعيد انتهاء الاجتماعات وصدور البيان الختامي .فيما يبدوأنه إصرارمنهما على مواصلة نهج استغفال الشعب الفلسطيني وإقحامه قسرا في صراعات فصائلية وشخصية على المواقع والنفوذ. لا صلة لها بتطلعاته التحررية. ولا علاقة لها بهمومه الحياتية والمعيشية. في مرحلة تاريخية ربما الأخطر في تاريخه الحديث. حيث تشتد حروب الإبادة والتطهيرالعرقي، التي ما يزال يشنها جنود المستعمرة الصهيونية ومستوطنوها ورعاتهم الأمريكيون والغربيون وعملاؤهم ضد الشعب الفلسطيني للعقد الثامن على التوالي، على امتداد مساحة فلسطين الانتدابية وفي مناطق اللجوء. في ظل تواطؤ القوى العالمية المتنفذة ، وخنوع المجتمع الدولي وتقاعسه عن توفير الحماية الواجبة.

يتنامى الشعور لدى الغالبية العظمى من أبناء الشعب الفلسطيني بخذلان الطبقة السياسية الفلسطينية بكافة أطيافها، وتحولها إلى عبء ثقيل على نضالهم الوطني التحرري، بات يتعذرعليهم استمرار تحمل تبعاته. خصوصا بعد أن أضحت مكوناتها المختلفة  تحتمي بالأطراف الخارجية (إسرائيل ورعاتها الأمريكيين والأوروبيين وحلفائهم من الأنظمة العربية والإسلامية). وترى في التحالف معها – عوضا عن الاحتماء بشعبها – ضرورة لإدامة هيمنتها على الساحة الفلسطينية. خصوصا بعد أن باغتتها هبة القدس في أيار الماضي. والتي فجرتها إرهاصات وتراكمات أكثرمن قرن من المحاولات المتواصلة لإبادة الشعب الفلسطيني واجتثاثه من الجغرافيا والتاريخ والديموغرافيا. وشكلت تطورا نوعيا وبداية لمرحلة جديدة في النضال الوطني الفلسطيني، تختلف عن كل ما سبقها من هبات وانتفاضات وثورات. وتحمل بذورالتحول إلى ثورة واعدة بتغيير جوهري- عند استمرارها- لن تقتصرحدوده على الساحة الفلسطينية -الإسرائيلية. بل سيمتد إلى عموم المنطقة العربية – الإسلامية الممتدة، حيث أحلام شعوبها – المنكوبة بأنظمتها المتواطئة ونخبها العاجزة – في الحرية والعدالة الاجتماعية، ما تزال تلهم الأجيال الشابة التواقة لغد أفضل .

لقد فوجئت الطبقة السياسية الفلسطينية بقدرة الأجيال الشابة على تجاوزالتنظيمات والأحزاب والفصائل والتيارات، عندما تدافعت جموعها إلى الميادين والساحات لمواجهة الاعتداءات الإرهابية لجيش المستعمرة الصهيونية ومستوطنيها على ممتلكاتهم ومقدساتهم. وأقلقها الاحتضان الجماهيري الواسع للهبة داخل الوطن المحتل وفي المنافي. وشمول المواجهات كامل فلسطين الانتدابية. وفاقم قلقها فعالية تلاحم الأدوات الكفاحية السلمية والعسكرية، ورفض الشعب الفلسطيني الاستجابة لمحاولات استدراجه للاستقطاب الفصائلي بذريعة المفاضلة بين أشكال النضال. فهو يعي أن القانون الدولي يمنح الشعوب الواقعة تحت الاستعمار الحق باستخدام كافة أشكاله لبلوغ مساعيها التحررية. ويدرك أن المواءمة بين النضال الشعبي والمسلح، هو ما مكن الهبة من إعادة  إدراج القضية الفلسطينية العادلة على جدول أعمال المجتمع الدولي، كقضية شعب تعرض لظلم تاريخي يناضل من أجل نيل حقوقه الوطنية والإنسانية الأساسية في الحرية والعودة وتقرير المصير، التي تكفلها كافة الشرائع والقوانين الدولية. وهو ما جذب انتباه الرأي العام العالمي لضرورة مراجعة أخطاء النظام الدولي ومسؤوليته عن المظلومية التاريخية التي لحقت بالشعب الفلسطيني .

وأحرجها، أيضا، تنامي الإدراك الشعبي لمحورية النضال التحرري الفلسطيني ودوره الحيوي في إيقاظ شعوب العالم التي تدفقت إلى الساحات والميادين بعشرات الآلاف  لمناصرة العدالة ومناهضة العنصرية والفاشية ، والدفاع عن حقوق البشر المتساوية في العيش الآمن الحر الكريم في أوطانهم وتقرير مصيرهم فيها . وتأكيد رفضها لمواصلة استثناء الشعب الفلسطيني من التمتع بحقوقه.

فأدركت دنو أفول عصرها بوجود طاقة تغيير ثوري شبابية كبرى قادرة على هدم الثوابت في علاقة الشعب الفلسطيني بالنظام الفصائلي الفلسطيني، الذي تحكم بالمشهد السياسي الفلسطيني قرابة ستة عقود. وسارعت مكوناتها كافة لإظهارالتمايز بينها في الرؤى والمناهج رغم انعدامه في السياسات والسلوك . وتبادلت الاتهامات فيما بينها حول المسؤولية عن القصور والتقصير الذي يلمسه الشعب الفلسطيني، في محاولة للتشويش وتعطيل قدرة الأجيال الشابة على كسر احتكار الطبقة السياسية  العاجزة. وإعادة المقاومة لصفوف الشعب صاحب المصلحة في الانعتاق من القيود التي تكبل نضاله، للتمكن من استئناف مسيرته التحررية.

تدرك الأجيال الفلسطينية الشابة أهمية إيقاف العبث الجاري بالثوابت الوطنيه ، الذي بات يرفع كلفة البقاء والصمود الفلسطيني داخل الوطن المحتل وفي مناطق اللجوء ، ويضعف مناعة الشعب الفلسطيني ويرفع أعباء نضاله، ويؤخربلوغ أهدافه التحررية. وينظر بقلق كبير إلى خطورة تتابع مظاهره المدمرة  :

•       فالهجوم الإرهابي الأخير لجيش المستعمرة الصهيونية على سيارة مدنية في وضح النهار بمركز مدينة نابلس -المصنفة ا – التي تعج عادة بقوى الأمن الفلسطيني. وتصفية ركابها الثلاثة بدعوى الاشتباه بنواياهم. وخروج الإرهابيين الصهاينة سالمين رغم انتشار السلاح الذي رأينا كثافة نيرانه أثناء جنازات تشييعهم.

•       وتنكر منصور عباس رئيس الحركة الإسلامية الجنوبية للحقوق الوطنية لشعبه الفلسطيني، وتذرعه بإمكانية فصل المدني عن السياسي في العلاقة مع المستعمر الصهيوني. وانضمامه للائتلاف اليميني الذي يرأسه المستوطن الصهيوني نفتالي بنيت. وتأييده قانون منع لم شمل الأسر الفلسطينية. ومجاهرته بيهودية إسرائيل كاعتراف بالأمرالواقع ، ومعارضته توصيف النظام الإسرائيلي بالفصل العنصري رغم أنه أمر واقع وفقا لمنظومة القوانين الإسرائيلية (66 قانون عنصري ضد مواطنيها الفلسطينيين) ورغم  توصيفه بذلك من قبل المؤسسات الحقوقية الإسرائيلية والدولية وآخرها منظمة العفو الدولية . دون أن يسهم هذا السقوط الوطني والأخلاقي في وقف الاستهداف الصهيوني لقاعدته الانتخابية في قرى النقب،التي ما يزال النظام الصهيوني يرفض الاعتراف بها ، ويتعرض سكانها الفلسطينيون للعقد الثامن على التوالي لمحاولات اقتلاعهم مما تبقى من أراضيهم وممتلكاتهم .

•       وتجرؤ أنظمة عربية على الانقلاب على مبادرة السلام العربية والاعتراف بإسرائيل قبل تنفيذ قرارات الشرعية الدولية الخاصة بتسوية الصراع العربي – الصهيوني، وجوهره الفلسطيني – الإسرائيلي.  وتسابقها لإقامة تحالفات أمنية وعسكرية وسياسية واقتصادية مع الدولة الصهيونية.

يتزامن ذلك كله مع احتدام الصراعات بين مكونات الطبقة السياسية ما يؤشر للحضيض الذي أوصلتنا إليه. وشجع جيش المستعمرة الصهيونية وحلفاؤها على تصعيد إرهابهم ضد الشعب الفلسطيني في الجليل والنقب والقدس والخليل وجنين وبيت لحم والأغوار وقطاع غزة وسائرأنحاء فلسطين. ومسابقة الزمن لخلق وقائع جغرافية وديموغرافية جديدة تستكمل استبدال الحقائق التاريخية الراسخة. مطمئنين إلى إحكام الحصار على الشعب الفلسطيني والاستفراد بمكوناته. حيث العدو الصهيوني وحلفاؤه من الأمام ، والطبقة السياسية الفلسطينية المتكلسة الخانعة حد التواطؤ من الخلف .

ولأن المصداقية تبنى بالتراكم. فقد الشعب الفلسطيني ثقته بعموم الطبقة السياسية الفلسطينية القائمة. وبات يعي أن تكلسها وانغماس مكوناتها في صراعات بينية على المواقع والنفوذ. وإصرارها على مواصلة الاستهانة بعقول أبناء الشعب الفلسطيني حد الإذلال . يوجب وقف عبثها بالمصير الفلسطيني، والجهر بأعلى الصوت بأن زمن الاستغفال بالجمع بين الشيء ونقيضه قد ولى .

•       فما عاد بإمكان قوى المعارضة التنصل من مسؤولياتها التشاركية مع الموالاة عن تردي الوضع الفلسطيني :

•       من قاطع منهم اجتماعات دورة المجلس المركزي الأخيرة الواحدة والثلاثين وشارك في اجتماعات المجلس الوطني الأخير في دورته الثالثة والعشرين عام 2018، الملتبسة شرعيتها، لانعقادها في ظل انقسام سياسي عمودي يتواصل تكريسه بين الضفة الغربية وقطاع غزة. ولم تمنعهم،آنذاك، من حضورها ذات المبررات التي قاطعوا بسببها اجتماعات المجلس المركزي الذي شكلوه بأنفسهم، وتوفر النصاب القانوني لانعقاده. بل ولم ينتبهوا عند توجيه الاتهامات لخصومهم إلى مسؤوليتهم الرئيسية السياسية والقانونية والتنظيمية والأخلاقية عن الخلل البنيوي الذي أحدثوه عندما فوضوا المجلس المركزي بكامل صلاحيات المجلس الوطني. فلم يصارحوا الشعب ،حينذاك، بالمخاطر . ويدعون اليوم أنهم تفاجؤوا بإحلال المجلس المركزي (الإطار المختزل الوسيط محدود الصلاحيات بين دورات المجالس الوطنية) محل المجلس الوطني الفلسطيني الذي يمثل الإطارالمرجعي الإشرافي والرقابي الأعلى في منظمة التحرير الفلسطينية. وجميعهم يعي تماما خطورة محاكاة تجربة إحلال وسيطرة السلطة الفلسطينية / الذراع التنفيذي المكلف بإدارة شؤون الشعب الفلسطيني في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ العام 1967 (ثلث الشعب الفلسطيني/ 5.2 مليون)، محل م ت ف /المنظمة الأم /الإطار الوطني المؤسسي الجامع لعموم الشعب الفلسطيني البالغ تعداده في نهاية العام 2020 وفقا للجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني 13.7  مليون فلسطيني (نصفهم  داخل الوطن المحتل ونصفهم الآخر في المنافي ). مع فارق جوهري، أن سطوالسلطة /الفرع/ على صلاحيات المنظمة / الأم/ ،آنذاك ، تم خلسة في غياب المجلس الوطني، وجرى بالتدرج. وعندما تكشفت مخاطره في مفاوضات كامب ديفيد عام 2000 جرت محاولة تصويب الانحراف بإطلاق انتفاضة الأقصى.

 في حين أن إحلال المجلس المركزي محل المجلس الوطني تم جهرا، بتنازل أعضاء المجلس    الوطني ال 750 طوعا عن كامل صلاحياتهم الإشرافية والرقابية ومنحها لأعضاء المجلس المركزي المختارين بعناية /142عضوا/. والاكتفاء – حين تبدت أخطار ذلك مؤخرا- ببيانات الإدانة والتنديد والاتهام بالتواطؤ عبرالقنوات الفضائية، التي فتحت أبوابها لقادة أشاوس لا تعرفهم الغالبية الساحقة من أبناء الشعب الفلسطيني، ولم يرهم شباب فلسطين وفتيتها في أي من القرى والمخيمات والأحياء المستهدفة خلال معارك التصدي لجيش المستعمرة الصهيونية ومستوطنيها دفاعا عن الأرض والممتلكات والمقدسات داخل فلسطين المحتلة. ولا في مخيمات الشتات التي تعرضت، وما تزال، للتصفية وإعادة التهجير .

•       ومن قاطع دورة المجلس الوطني من الأعضاء ،آنذاك، قوى وفصائل ومستقلين. دون أن يربط مقاطعته بمراجعة نقدية جادة ومسؤولة للتجربة الفلسطينية، يبني على نتائجها رؤية نهضوية بديلة تقطع مع جميع الأوهام التي تم ترويجها خلال العقود الماضية وثبت فشلها الذريع، وتؤسس لانطلاقة جديدة تحمي المنجزات وتراكم عليها ، وتقضي على السلبيات وتمنع تكرارها .

•       ومن آثر الاحتفاظ بانتمائه التنظيمي العابر للقوميات. وأصرعلى البقاء خارج البيت المؤسسي الفلسطيني الجامع /منظمة التحرير الفلسطينية/ بدعوى التباين في الرؤى والمناهج .ولم يتورع – رغم ذلك – عن استئناف جولات التفاوض مع ذات القوى لتقاسم السلطة والنفوذ في المنظمة . تارة معها جميعا. وتارة ثانية للتوافق بين قطبيها الرئيسيين/ فتح وحماس/ على صيغ تكفل إبقاء هيمنتهما. وتارة ثالثة لاختبارفعالية توظيف التطورات الميدانية ونتائج الاستقواء بالخارج لترجيح صيغ القسمة داخل النظام السياسي الفلسطيني .

وتعزز دعوات بعض تيارات المعارضة الفلسطينية لتشكيل أطر موازية وبديلة لمنظمة التحرير الفلسطينية – بدعوى تعذر إصلاحها – مخاوف وشكوك الشعب الفلسطيني بنوايا أصحابها. خصوصا في ضوء ما تراكم لديه من تجارب وخبرات بمآلات الانشقاقات الفلسطينية السابقة. التي بادر لها بعض الغاضبين من استبداد القادة المتنفذين. ثم تكشف لهم – بعد فوات الأوان -دور الجهات الخارجية الداعمة والممولة الساعية إلى تجزئة الشعب الفلسطيني وخدمة أعدائه المتربصين بمشروعه الوطني التحرري. ولم يتعظوا من حقيقة أن أي انشقاق فلسطيني لن يصمد ما لم تلتقطه إحدى القوى الخارجية الفاعلة الساعية لاختراق الساحة الفلسطينية.

فالشعب الفلسطيني يعي تماما خطورة تقويض شرعية الإطارالوطني الفلسطيني الجامع، ويدرك ضرورة التمييز الصحيح بين :-

– منظمة التحرير الفلسطينية /الإنجاز الوطني المؤسسي الفلسطيني الأهم لحركته الوطنية المعاصرة. الذي تحقق بفضل تضحيات مئات الآلاف من الشهداء والجرحى والأسرى ومعاناة ملايين الفلسطينيين داخل الوطن المحتل وفي المنافي/ فحفظت الهويه الوطنية الفلسطينية الجامعة. وحافظت على وحدة الشعب الفلسطيني. وحمت تماسكه المجتمعي بعد اقتلاع غالبيته من أرض وطنه وتشتيتهم في المنافي. وأعادت إدراج قضيته العادلة على جداول أعمال المجتمع الدولي. ما حول المنظمة بعيون أبناء الشعب الفلسطيني إلى وطن معنوي وحام لمشروعه الوطني التحرري. وأكسبها اعترافا فلسطينيا وعربيا وإقليميا ودوليا كممثل شرعي وحيد لكافة مكونات الشعب الفلسطيني داخل الوطن المحتل وخارجه .ما يوجب حمايتها والحفاظ عليها ، ومنع المساس بها .

-والقوى المتنفذة التي تسيطرعلى مواقع صنع القرارفيً المنظمة وحرفت بوصلتها التحررية. ما يوجب تركيزالنضال الداخلي الفلسطيني لتصويب البوصلة، واستبدال القيادات العاجزة بأخرى وطنية مؤهلة ومؤتمنةعلى الحقوق الوطنية والتاريخية الثابتة غير القابلة للتصرف ومرتكزها الحرية والعودة وتقرير المصير.

فالأوطان موجودة منذ الأزل وباقية إلى الأبد. وحقوق الشعوب الأصيلة فيها ثابتة وغير قابلة للتصرف . فيما القوى التي تتعاقب على حكم الأوطان وإدارة شؤون الشعوب / استعمارية كانت أم محلية / تتغير وفقا لاعتبارات تتصل بموازين القوى المتغيرة على الدوام .

ومنظمة التحرير الفلسطينية التي تمثل الوطن المعنوي لعموم الشعب الفلسطيني داخل فلسطين وخارجها، يجب أن تبقى لحين تمكنه من استعادة وطنه المادي.

أما قيادة المنظمة، فبقاؤها أو تغييرها رهن بإرادة عموم أبناء الشعب الفلسطيني داخل الوطن وخارجه، فهوالوحيد الذي يمتلك حقا حصريا في تفويضها بقيادته لبلوغ أهدافه التحررية. وهوالوحيد الذي يمتلك ذات الحق في نزع الشرعية عن القيادة عندما تضل طريقها ،وتعجزعن قيادة نضاله التحرري حتى بلوغ أهدافه بالحرية والعودة وتقريرالمصيرعلى أرض وطنه.

•       ولم يعد ، أيضا، بإمكان قوى الموالاة المضي قدما في تكريس ذات النهج والسلوكيات التي أفضت إلى النتائج الكارثية التي تنذر بتقويض مجمل ما حققته الحركة الوطنية الفلسطينية المعاصرة من منجزات. وبات متعذرا عليها مواصلة توظيف التاريخ النضالي والخروج عن ثوابته في تسييرالحاضر، بالتواري خلف عناوين مضللة وشعارات براقة. لا يتم تحويلها إلى أهداف قابلة للتحقق، عبر سياسات واضحة واستراتيجيات وخطط تنفيذية ، وقرارات يجدول تنفيذها زمنيا، وتسند مسؤوليات تحقيقها إلى أطر مؤسسية فاعلة تمتلك الموارد والصلاحيات. وتوكل إدارتها إلى كفاءات وطنية مؤهلة ، يخضع أداؤها للمتابعة والرقابة العامة والمساءلة والمحاسبة، وفق معاييرموضوعية واضحة قابلة للقياس والتقييم .

وفي هذا الإطار يتوجب تسليط الضوء على ما تضمنه البيان الختامي للمجلس المركزي في دورته الواحدة والثلاثين من تناقضات صارخة بين الشعارات والوقائع، سعى جاهدا للجمع والتوفيق بينهما . ما يعزز الشكوك بافتقارالموالاة إلى الجدية وإرادة التغيير الواجبة. وإمعانها بالمضي في ذات المناهج والسلوكيات المسؤولة عن تدهورالوضع الفلسطيني. الأمر الذي يوجب الحذر والانتباه إلى المخاطر الجسيمة  لاستمرار سيطرتها على حاضر الشعب الفلسطيني ومستقبل أجياله لعقود قادمة .

وسيتم التركيزعلى أبرزالتناقضات التي تناولها البيان الختامي للمجلس المركزي في دورته الأخيرة الواحدة والثلاثين.

التناقض الأول يتعلق بالجانب التنظيمي

•       فتسمية الدورة ب” دورة تطوير وتفعيل م ت ف وحماية المشروع الوطني والمقاومة الشعبية” لا يجعلها فعلا كذلك. إذ كان يتوجب – لو خلصت النوايا – إرفاق الشعار برؤية واضحة وخطة عمل لإصلاح الخلل البنيوي، عبر قرارواضح بإعادة تشكيل المجلس الوطني الفلسطيني كإطار تمثيلي جامع بحيث لا يزيد عدد أعضائه  عن ثلاثمائة وخمسين عضو – كما سبق إقراره – نصفهم من داخل الوطن المحتل ونصفهم الآخر  من خارجه. على أن يتم انتخاب غالبية أعضائه( الثلثين كحد أدنى- 233 عضوا / وفقا للثقل الديموغرافي لمكونات الشعب الفلسطيني / مع مراعاة خصوصية وضع فلسطينيي العام 1948 وصيغ تمثيلهم ، إذ بلغ عددهم بنهاية العام 2020 وفقا لتقديرات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني 1.6 مليون).

 والتوافق على استكمال الباقي /الثلث كحد أقصى-117 عضوا / لتمثيل النقابات الطلابية    والنسائية والمهنية بعد استيفاء شرعياتها الانتخابية. وتمثيل الكفاءات الفكرية والعلمية والفئات الأخرى التي يحتمها التنوع البنيوي المجتمعي الفلسطيني وتقتضيها شمولية التمثيل الوطني الفلسطيني، وفق معاييرموضوعية واضحة ومتوافق عليها فلسطينيا. بحيث يتم إنجاز ذلك في موعد زمني لا يتجاوز منتصف العام القادم. وبحيث يصارإلى عقد اجتماع المجلس الوطني الفلسطيني الجديد بالجزائر في صيف العام 2023. إذ لا يعقل لإطار قيادي فلسطيني يجتمع علانية، ويناط به وضع استراتيجيات لمواجهة الاستعمار الصهيوني ، أن يعقد اجتماعاته في مناطق يتحكم  جنوده بأذون الدخول والحركة فيها.

وكان الأجدر بالبيان الختامي للمجلس المركزي -لو صدقت النوايا- أن يتضمن قرارا واضحا باعتبار إنجاز ما تقدم، المهمة الرئيسية والأخيرة المناطة بالمجلس المركزي الحالي، إلى حين انعقاد المجلس الوطني الجديد، وانتخاب مجلس مركزي مصغر جديد لا يتجاوز عدد أعضائه خمسون عضوا، وبصلاحيات إجرائية محدودة ومحددة بالطوارئ ما بين اجتماعات الدورات العادية  للمجلس الوطني التي يجب أن تعقد بانتظام .

•       كما أن تصويب العلاقة بين منظمة التحرير الفلسطينية كإطار مرجعي إشرافي ورقابي أعلى، وبين السلطة الفلسطينية  كذراع  تنفيذي في الاراضي الفلسطينية المحتلة منذ العام 1967، كان يستوجب تضمين البيان الختامي للمجلس قرارات تؤشر بوضوح إلى إعادة تثبيت الهرم المقلوب على قاعدته، على صعيد الهياكل والموارد . بإخضاع السلطة / الفرع/للمنظمة / الأم / ووضع خطة لتوفيرمستلزمات ذلك، بإنجاز ما يلي خلال مدى زمني لا يتجاوز منتصف العام القادم/ 2023 / :-

 أولا : الفصل بين السياسة وإناطتها بالمؤسسة الأم /منظمة التحرير الفلسطينية /الإطار الإشرافي والرقابي المسؤول عن رسم السياسات الفلسطينية والمسؤول عن وتخصيص الموارد الفلسطينية العامة/ الذاتية المتأتية من الجباية الضريبية وعوائد الاستثمارات التي يقوم بها صندوق الاستثمار الفلسطيني،ومؤسسات منظمة التحريرالفلسطينية ومؤسسات السلطة. وتلك المتأتية من الخارج كمنح  وتسهيلات وقروض/. وتخصيص الإنفاق وفقا للاحتياجات والأولويات الوطنية التي يقررها المجلس الوطني. ويديرها مجلس إدارة مؤهل للصندوق القومي الفلسطيني يرفع تقاريره المدققة للمجلس الوطني، الذي يراقب التنفيذ وفق معايير موضوعية ومهنية،وأدوات قياس واضحة ومعلومة. ويخضع المكلفين بالتنفيذ للمساءلة والمحاسبة من قبل المجلس الوطني .

وبين إدارة شؤون الشعب الفلسطيني داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967، التي تعترف بها الشرعية الدولية كأراض فلسطينية محتلة، وبحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره عليها . وإناطتها بالسلطة الفلسطينية، وفقا للسياسات والاستراتيجيات التي تقرها الأطر التشريعية للمنظمة كمرجعية عليا، والقوانين ونظم العمل التي تقرها أجهزة السلطة التشريعية والتنفيذية والقضائية كذراع تنفيذي للمنظمة في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ العام 1967.

ثانيا: إنهاء التداخل بين المنظمة وبين السلطة على صعيد الاختصاصات والمهام والصلاحيات والقيادات والموظفين. وإنهاء ازدواجية شغل المواقع التنفيذية بينهماعلى كافة المستويات.

ثالثا : تعديل المنظومة القانونية لتنظيم العلاقات بين المنظمة والسلطة.

 فالتناقض الذي ينطوي عليه البيان الختامي للمجلس شديد الوضوح بين الشعارات بتطوير وتفعيل منظمة التحرير الفلسطينية وتصويب العلاقة بينها وبين السلطة على أساس إخضاع السلطة للمنظمة.

وبين الوقائع العملية التي تمخضت عنها قرارات المجلس،  بدءا بتعزيزمواقع القيادات التي تضطلع بمهام تنفيذية في السلطة الفلسطينية، بالإبقاء على الأعضاء القدامى في اللجنة التنفيذية للمنظمة الذين يشغلون مواقع قيادية في السلطة ، وضم أعضاء جدد إليها لمسؤولين يتولون مهام قيادية وتنفيذية في السلطة.

ولو كان هناك جدية في تحويل الشعارات بالإصلاح، بإخضاع السلطة للمنظمة لتضمن البيان الختامي للمجلس المركزي قرارا صريحا بإعفاء أعضاء اللجنة التنفيذية القدامى والجدد ، من أية مهام قيادية وتنفيذية في السلطة الفلسطينية .

والتناقض الثاني بين الشعارات والوقائع في ذات الإطار، يكمن بتركيزالأطرالقيادية لمنظمة التحرير الفلسطينية داخل الأرض المحتلة حيث مقر السلطة.  في حين يفترض على الأقل أن يكون غالبية أعضاء اللجنة التنفيذية للمنظمة كإطارمعني برسم السياسات الفلسطينية والرقابة على تنفيذها من خارج فلسطين المحتلة، وكذلك رئاسة المجلس الوطني وأمانة السر. غيرأن المجلس المركزي ركزغالبية أعضاء اللجنة التنفيذية للمنظمة في الأراضي المحتلة ، وانتخب رئيس المجلس الوطني وأعضاء أمانة السرمن المقيمين في الداخل، أيضا .

والتناقض الثالث بين الشعار والوقائع يتصل بعدم تضمين بيان المجلس المركزي قرارا واضحا بإشراف منظمة التحرير الفلسطينية على كافة الموارد الفلسطينية العامة وسياسات وأوجه تخصيصها . فمنذ  تجفيف موارد المنظمة  في مطلع تسعينيات القرن الماضي. انفردت السلطة الفلسطينية فورإنشائها بالسيطرة على موارد الشعب الفلسطيني الداخلية والخارجية /ما يتأتى من عون خارجي عربي ودولي وقروض/ . وتنفرد السلطة ، أيضا، بإعداد الموازنات، وهي التي تحدد سياسات وأوجه الصرف وحجمه ومواعيد تدفق التحويلات لمنظمة التحرير الفلسطينية على أساس شهري ووفقا  لبنود الصرف الفعلي .

ما يطرح تساؤلا جديا حول الكيفية التي سيتم بها  تنفيذ قرار المجلس المركزي بإخضاع السلطة /الفرع/ المسؤولة عن 5.2 مليون والتي تنفرد بالقرار والموارد. للمنظمة الأم المسؤولة عن 13.7 مليون فلسطيني داخل الوطن وخارجه.

والتناقض الرابع يتعلق بالجانب الاقتصادي، فقد تضمن بيان المجلس المركزي تأييدا لحكومة السلطة في سياساتها الاقتصادية رغم أن المفترض بحكومة السلطة  تنفذ سياسات م ت ف. وأكد المجلس على وجه الخصوص دعمه لسياسة الحكومة بالانفكاك الاقتصادي عن إسرائيل، رغم أن المؤشرات الاقتصادية الرسمية للجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني تشير إلى تراجع  القدرة الذاتية للاقتصاد الفلسطيني وتعمق الارتهان الاقتصادى والمعيشي الفلسطيني لإسرائيل في الجوانب كافة : الدخل والانتاج والاستهلاك والعمل والطاقة والمياه والتجارة السلعية والخدمية والخدمات الصحية إلخ….

والملفت في هذا الإطارأن البيان الختامي للمجلس المركزي أكد على دعم حركة المقاطعة الدولية (B.D.S) ، ولم يتخذ قرارا بإلزام السلطة الفلسطينية بتطبيقها، لتعزيزالانفكاك الاقتصادي عن إسرائيل .

وهناك قضية أخرى تتعلق بتعزيز مناعة الاقتصاد والشعب الفلسطيني وتتصل بعدالة توزيع الموارد الفلسطينية العامة وفقا للأولويات والاحتياجات الوطنية الفلسطينية. وداخل مناطق السلطة التي تمثل ثلث الشعب الفلسطيني في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ العام 1967 ، والبالغ تعداده في نهاية العام 2020 وفقا لتقديرات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني نحو 5.2 مليون ( 3.1 مليون في الضفة الغربية منهم 465 ألفا من القدس الشرقيه  يقيم منهم 301 الفا فقط فيها. و2.1 مليون في قطاع غزة ). فنظرة الى الفجوات المتنامية -التي تتوافر إحصاءات رسمية حولها -بين الضفة الغربية وقطاع غزة ، وبين المناطق الجهوية (شمال ، وسط ، جنوب )، وداخلهما بين المدن والأرياف والمخيمات. على جميع الصعد وخاصة على صعيد الدخل والبطالة والفقر ، تدل بوضوح على انحياز سياسات السلطة الاقتصادية إلى مناطق تمركز القيادة، وتحابي المقتدرين على الفئات الأقل حظا في المجتمع الفلسطيني، وهم الغالبية الساحقة .

والواضح أن انعدام عدالة توزيع الموارد تشمل قطبي النظام السياسي الفلسطيني، اللذان ينفردان بالسيطرة على الموارد العامة في مناطق نفوذهما. ويتحكمان بأوجه إنفاقها بما يعزز سطوة ونفوذ كل منهما  .

يعزز الشكوك الشعبية المتنامية بجدية النظام السياسي الفلسطيني . إدراك الشعب الفلسطيني للفوارق الجوهرية بين الشعارات الفضفاضة التي لا تترجمها قرارات محددة  قابلة للتحقق عبر خطط تنفيذية مجدولة زمنيا. وبين الوقائع العملية والقرارات التي تكتسب قوة تنفيذية لحظة اتخاذها .

التناقض الثاني في بيان المجلس يتعلق بالمجال السياسي

يتكرر التناقض بصيغة  أكثر وضوحا في المجال السياسي. فقد حفل البيان الختامي للمجلس المركزي بعبارات التهديد والوعيد لإسرائيل والولايات المتحدة الامريكية. شديد الشبه ببلاغات أحمد سعيد في إذاعة صوت العرب قبيل هزيمة حزيران1967. ولم يتورع في الوقت ذاته عن إرفاق التهديدات بعبارات الشكوى والرجاء والتمني .

فعند تدقيق قرارات المجلس  المركزي الفلسطيني يتضح التناقض الصارخ بين الشعارات وبين الوقائع. فلم يتضمن بيان المجلس المركزي ما يؤشر الى نية القطع مع الأوهام التي تم ترويجها خلال العقود الثلاثة الماضية وأفضت إلى الواقع المأزوم الذي يسعى المجلس لتغييره.  وسأكتفي في هذا المجال بالتركيز على ثلاثة أوهام طرحها الصديق عبد المجيد سويلم في مقاله المهم “هل يوجد معيار لنجاح أو فشل «المركزي»؟ ونشره في صحيفة الأيام الفلسطينية بتاريخ  7/2/2022.  وحدد فيه معايير قياس النجاح أو الفشل في ضوء مدى إسهام القرارات الصادرة عن اجتماع المجلس المركزي وجديتها بالقطع مع ثلاثة أوهام تم ترويجها خلال العقود الثلاثة الماضية وثبت فشلها. يتعلق أولها بوهم الانتقال من مرحلة التحررالوطني إلى مرحلة البناء وتجسيد الاستقلال الوطني. وثانيها بوهم إمكانية التعايش مع التصدي للسياسات الاستيطانية الإسرائيلية ومع الاحتلال والتوسع الاستيطاني بذريعة الضغوط الاقتصادية والاحتياجات المعيشية. وثالثها بجدوى مواصلة استخدام المقاومة الشعبية كأداة للاستعراض السياسي وليس كمنهج لرفع كلفة الاحتلال للتأسيس لإنهائه بالسرعة القصوى والكلفة الدنيا.

•       وفيما يتعلق بالعلاقة بإسرائيل يمكن ملاحظة التناقض الواضح  في البيان الختامي بين الشعارات والوقائع بما يلي :

أولا : تضمن بيان المجلس المركزي قرارا مكررا  يتصل بتعليق الاعتراف الفلسطيني بدولة إسرائيل القائمة فعليا ، ريثما تعترف إسرائيل بدولة فلسطينية في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967( التي تقر الشرعية الدولية بها كأراض فلسطينية محتلة ). لكن قيامها فعليا يحتاج إلى تغيير جوهري في موازين القوى المحلية والعربية والإقليمية والدولية لإجبار إسرائيل عن انهاء احتلالها.

وكان يمكن أن يكون لقرار المجلس مدلول جدي لوتضمن بيان المجلس نصا سياسيا واضحا بسحب منظمة التحرير الفلسطينية اعترافها بشرعية وجود إسرائيل، واشتراطه بنيل الشعب الفلسطيني لحقوقه الوطنية الثابتة غير القابلة للتصرف بالحرية والعودة وتقرير مصيره على أرض وطنه.

والتأكيد على انفتاح منظمة التحرير الفلسطينية على صيغة استبدال الدولة القومية بالدولة الوطنية الكفيلة بحل المسألة الفلسطينية ومسألة يهود إسرائيل في إطاروطن واحد يعيش فيه  يهود إسرائيل والشعب الفلسطيني الأصيل/المقيم والعائد من مواطن اللجوء/ بتساو حقوقي تام سياسي ومدني تحت سيادة القانون.  في دولة ديموقراطية عصرية تتأسس على الحقوق المتساوية بعد تفكيك النظام الاستعماري الاستيطاني الصهيوني العنصري .

ودون استبعاد إمكانية التدرج في بلوغه بإنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية المحتلة منذ العام 1967، واقامة الدولة الفلسطينية عليها، تماشيا مع دعاة الواقعية السياسية ،رغم أن التاريخ الإنساني المدون قديمه وحديثه ، لم يسجل حالة نجاح واحدة لتقاسم الوطن بين المستعمرين وفقا للأقدمية الزمنية لاستعماره. وأخذا بالاعتبار أساسا، أن شرعية إنشاء دولة إسرائيل وقبولها في عضوية الجمعية العامة للأمم المتحدة مشروط  بنفاذ قراري التقسيم رقم 181 ، والقرار رقم 194 الخاص بعودة اللاجئيين الفلسطينيين وتعويضهم.                   

ثانيا : تضمن بيان المجلس المركزي  مواقف متناقضة تتعلق بانتهاء المرحلة الانتقالية باعتبارها لم تعد قائمة، لانقلاب إسرائيل على الاتفاقات الموقعة. والتوقف بالتالي عن الالتزام الأحادي الفلسطيني باتفاق أوسلو والاتفاقيات اللاحقة بسبب انسحاب إسرائيل وتحللها من التزاماتها التعاقدية. ما يعني رسميا قيام إسرائيل بإلغائها. ولم يتضمن البيان أي موقف جدي يؤشرإلى اتخاذ إجراءات عملية لكيفية  التعامل مع انتهاء المرحلة الانتقالية وصيغ تنفيذ  التحلل الفلسطيني من هذه الاتفاقيات .

لا على صعيد السياسة ووقف اتصال قيادة  المنظمة مع المسؤولين الإسرائيلين،وحصر الاتصالات بالسلطة الفلسطينية بالحدود الإجرائية الدنيا لإدارة علاقة الشعب الخاضع للاستعمار بالدولة القائمة بالاستعمار .

ولا على صعيد توقف المنظمة عن المطالبة بإحياء اللجنة الرباعية الراعية للاتفاق الذي انسحبت منه إسرائيل وتنوي المنظمة التحلل من التزاماتها الأحادية فيه .

ولا على صعيد كيفية التحلل الفلسطيني من الاتفاق ” للاستمرار في عملية الانتقال من مرحلة السلطة إلى مرحلة الدولة ذات السيادة “.

وبينما تضمن البيان الختامي نصا واضحا برفض مشروع السلام الاقتصادي في خطة تقليص الصراع وإجراءات بناء الثقة والتفاهمات الأمنية ، لم يتضمن أي اشارة إلى صيغ التعامل مع الوضع الجديد ، فيما يتعلق مثلا بتقسيمات المناطق إلى ا،ب،ج . وبالسجلات السكانية في الضفة الغربية وقطاع غزة .وأذون الحركة والتنقل بين المناطق الفلسطينية ومع الخارج . والتعاملات المالية / الشيكل الإسرائيلي عملة التداول الرئيسية في مناطق السلطة/. والضرائب/ تشكل ضريبة المقاصة نحو ثلثي الإيرادات الضريبية الفلسطينية/. والعمالة الفلسطينية في الاقتصاد الإسرائيلي/ بلغ عدد العاملين الفلسطينيين في اسرائيل والمستعمرات الاستيطانية المقامة في الضفة الغربية في العام 2021 حوالي 145 ألف عامل، 61% منهم يعملون بموجب تصاريح عمل ،ونحو 25% بدون تصاريح عمل ،و14% من حملة الهوية الاسرائيلية أو جواز سفر أجنبي ، ومنهم 21 ألفا يعملون في المستعمرات الصهيونية المقامة في الضفة الغربية/. والتجارة الخارجية حيث يتأتى نحو 56%من الواردات الفلسطينية من إسرائيل ، ويذهب إليها حوالي 84% من الصادرات الفلسطينية . ناهيك عن سيطرة إسرائيل على المعابر الحدودية، وتحكمها بحركة الأشخاص والتجارة بين مناطق السلطة وداخلها ومع العالم الخارجي . هذا فضلا عن الاعتماد الكبير على البنى التحتية الإسرائيلية.

ثالثا: تضمن بيان المجلس قرارا بوقف التنسيق الأمني مع إسرائيل في كافة المجالات. ما يعني اعترافا ضمنيا بأن التنسيق الأمني هو  قناة التواصل الوحيدة الباقية بين إسرائيل والمنظمة والسلطة الفلسطينية منذ وقف المفاوضات في العام 2014 .في كل المجالات المتعلقة بإدارة شؤون الشعب الفلسطيني داخل مناطق  الحكم الذاتي الفلسطيني /السياسية والاقتصادية والصحية والأمنية إلخ…

وكان يمكن لقرار المجلس المركزي بوقف التنسيق الأمني -لو توفرت الجدية- أن يكون  محددا وواضحا باشتراط التنسيق الأمني بالتبادلية ، بمعنى ربط أمن الشعب الفلسطيني بأمن يهود إسرائيل، فلا يشمل أمن جنودها ومستوطنيها الذين يعتدون على الشعب الفلسطيني ومقدساته وممتلكاته داخل حدود العام 1967.

وأن التنسيق وتبادل المعلومات الأمنية بين السلطة وإسرائيل يقتصر حصريا بما يهدد أمن المواطنين الفلسطينيين وأمن يهود إسرائيل وفقا لحدود الرابع من حزيران 1967. وأن المهمة الرئيسية للقوى الأمنية الفلسطينية الحفاظ على أمن المواطنين الفلسطينيين وحفظ الأمن والنظام والتصدي للاعتداءات للجيش والمستوطنين على المقدسات والأراضي والممتلكات الفلسطينية العامة والخاصة داخل المناطق الفلسطينية المحتلة منذ العام 1967.

وكان يمكن لقرار المجلس بوقف التنسيق الأمني أن يكتسب بعض المصداقية لو لم يتم انتخاب المسؤول عنه في السلطة لعضوية اللجنة التنفيذية دون إنهاء مهامه بالسلطة.

وعند الإشارة في البيان الختامي إلى مساءلة إسرائيل ومحاسبتها على جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التي ترتكبها في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ العام 1967، تضمن البيان الختامي  نصا ضبابيا بشأن التقدم بملفات حول الجرائم التي ترتكبها إسرائيل لمحكمة الجنايات الدولية ومحكمة العدل الدولية ومجلس حقوق الانسان .

•       يتكرر ذات التناقض بين الشعارات والوقائع  في بيان المجلس  بالعلاقة مع الولايات المتحدة الأمريكية. ولوحظ أن البيان الختامي للمجلس جمع العلاقة بها وبالمجتمع الدولي في بند واحد  كأن المجلس يماهي بينهما . وفي ذلك خلط خطير بين المرجعيات القانونية التي يحتكم اليها المجتمع الدولي وتتصل بالاتفاقيات الدولية الناظمة للعلاقات الدولية ، وبالقرارات الدولية الصادرة عن المؤسسات الدولية كالجمعية العامة للأمم المتحدة ومجلس الأمن ومنظمات ومؤسسات الأمم المتحدة ووكالاتها المتخصصة.

فيما مرجعية الولايات المتحدة تتصل بسياسات حكوماتها وقرارات إداراتها المتعاقبة الملزمة للولايات المتحدة الأمريكية وحدها .

 ويظهر التدقيق في نصوص الفقرة التي تتعلق بالعلاقة الفلسطينية مع الولايات المتحدة الأمريكية تناقضا صارخا بين النصوص الواردة في البيان الختامي :

-بين  القول بأن الولايات المتحدة الأمريكية فقدت أهليتها كراع لعملية التسوية السياسية للصراع الفلسطيني- الإسرائيلي،  بتبني إدارة  ترامب لصفقة القرن، وباعترافها بالقدس عاصمة موحدة لإسرائيل ونقل السفارة الأمريكية إليها، وباعترافها بسيادة إسرائيل على الكتل الاستيطانية، وبإغلاقها  للقنصلية الأمريكية في القدس الشرقية ، وبإغلاق ممثلية منظمة التحرير الفلسطينية في واشنطن.

والعودة في ذات البيان للتعويل عليها دون اشتراط ذلك بتراجع إدارة  بايدن عن كل ما أفقد الولايات المتحدة الأمريكية الأهلية كراع لعملية السلام . خصوصا وأن إدارته أعلنت التزامها  بعدم التراجع عن الاعتراف الأمريكي بالقدس عاصمة موحدة لإسرائيل ، وتمسكه بإبقاء السفارة الأمريكية فيها، كما

تتساوق مع الشق الاقتصادي في الصفقة ، وما تزال تتلكأ في تنفيذ وعودها لناخبيها بإعادة فتح القنصلية الأمريكية في القدس الشرقية ، وفي إعادة فتح ممثلية منظمة التحرير الفلسطينية في واشنطن.

وجل ما فعلته  إدارة بايدن بعد عام على توليها مسؤولية الحكم ، إعادة المخصصات لقوى الأمن الفلسطينية بناء على طلب إسرائيل ذاتها ، وإعادة مساهماتها في وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينين/ الأونروا/ لمنع تفجر الأوضاع في المخيمات الفلسطينية. ودعم موازنة السلطة الفلسطينية تحسبا لانهيارها، وهو ما اجتهدت الحكومة الإسرائيلية في مناشدة المانحين لإدامته للحفاظ على بقاء السلطة الفلسطينية ودعم إجراءات بناء الثقة من جهة. وفي الإبقاء على تدفق التمويل القطري لحكومة حماس من جهة أخرى لدعم التفاهمات على هدنة مشروطة طويلة المدى تبقي على واقع الانفصال بين الضفة الغربية وقطاع غزة.

-وبين مناشدة  البيان  للإدارة الامريكية  “لتنفيذ ما قاله بايدن حول التزام إدارته بحل الدولتين”. دون إغفال أن صفقة القرن تضمنت ، أيضا ، إشارة إلى حل الدولتين مع حسم استباقي لقضايا القدس الشرقية والحدود والمستوطنات واللاجئين .

وعوضا عن مطالبة إدارة بايدن بإنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية المحتلة منذ العام 1967 ، ركز البيان الختامي على مطالب تسلم عمليا ببقاء الاحتلال الإسرائيلي والعمل على تخفيف وطأته، فدعا إدارة بايدن للضغط على إسرائيل بوقف سياسة الطرد القسري للفلسطينيين من أحياء القدس الشرقية، والحفاظ على الوضع التاريخي في المسجد الأقصى وساحاته، ووقف انتهاكات إسرائيل للمقدسات الإسلامية والمسيحية، ووقف الأعمال الأحادية الجانب،  وعدم التلكؤ في إعادة فتح القنصلية الأمريكية في القدس الشرقية، وعدم ربطه بموافقة الدولة القائمة بالاحتلال، وإعادة فتح ممثلية م ت ف في واشنطن .

وعلى الصعيد الدولي  تضمن البيان الختامي للمجلس  صيغا ملتبسة ومتعارضة :

•       تارة بالدعوة لعقد مؤتمر دولي كامل الصلاحيات على أساس القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية برعاية مجلس الأمن. وصيغة غامضة ل “توسيع دائرة المشاركة لتضم اطرافا أخرى وفق ما يتفق عليه” لإنهاء الاحتلال القائم منذ العام 1967، وحل قضية اللاجئيين وفقا للقرار 194 ، واطلاق سراح الأسرى وفقا لسقف زمني محدد، وإدانة ومعاقبة سلطةالاحتلال التي تمارس العنصرية ضد الشعب الفلسطيني. ومطالبة دول العالم بالاعتراف بدولة فلسطين وإنشاء آلية حماية دولية للشعب الفلسطيني في الأراضي المحتلة منذ العام 1967.

•       وتارة أخرى بالدعوة لتحرك دولي يبدأ باجتماع الرباعية الدولية على المستوى الوزاري. ومطالبة الاجتماع بإصدار بيان يؤكد على حل الدولتين. وعلى عدم شرعية الاستيطان، ومطالبة إسرائيل بوقف تهويد وأسرلة القدس،  وإنهاء ممارساتها الاستيطانية، ووقف الاستيلاء على الموارد الطبيعة، والتوقف عن حجزالأموال، وإطلاق حرية التنقل، وإنهاء الحصار على قطاع غزة، وعدم وضع العراقيل امام إعادة الإعمار، ورفض جميع الممارسات أحادية الجانب.

•       وعلى صعيد العلاقة مع العالم العربي

 قصر البيان الختامي للمجلس المركزي علاقة فلسطين بالنظام العربي الرسمي، وغالبية دوله انقلبت على مبادرة السلام العربية، وتسابقت للاعتراف بإسرائيل وإقامة علاقات سياسية وديبلوماسية وتحالفات عسكرية وأمنية واقتصادية معها، قبل وفائها باستحقاقات عملية التسوية السياسية  للصراع العربي – الصهيوني وجوهره الفلسطيني – الإسرائيلي. ولم يتضمن بيان المجلس إعلانا صريحا برفض منظمة التحرير الفلسطينية لمشاريع توطين اللاجئيين الفلسطينيين . ولم يعرب عن غضبه بتعرض المخيمات الفلسطينية للتصفية، وباقتلاع سكانها الفلسطينيين وتهجيرهم ، ولم يطالب الدول العربية المضيفة للاجئين الفلسطينين برعايتهم وتمكينهم ريثما تتم عودتهم إلى بلادهم .

وجل ما تضمنه البيان الختامي للمجلس تأكيدا على الحاجة لاسترداد آليات العمل العربي المشترك، وتفعيل قرارات القمم العربية بشأن القضية الفلسطينية ، وإحياء المبادرة العربية للسلام، ودعم موازنة السلطة الفلسطينية وتوفير شبكة الأمان لها. وربما قصد من مطالباته السياسية الخجولة التي يدرك  تماما  تعذر تنفيذها، التلميح الى إمكانية مقايضتها بدعم الموازنة وتوفير شبكة أمان عندما تحتجز إسرائيل أموال المقاصة .

وأغفل بيان المجلس المركزي كليا علاقة الشعب الفلسطيني بالشعوب العربية التي تشكل العمق الاستراتيجي والظهير والسند للشعب الفلسطيني . فلم يلتفت لدعمها  المهم  بمناهضة التطبيع مع العدو الصهيوني ، ولتقديم  الشكر والعرفان لتضحياتها، ولوقوفها الدائم مع الشعب الفلسطيني في نضاله التحرري لبلوغ حقوقه الوطنية الثابتة غير القابلة للتصرف ومرتكزها الحرية والعودة وتقريرالمصير.

اشترك معنا في قناة تلغرام: اضغط للاشتراك

حمل تطبيق الملتقى الفلسطيني على آندرويد: اضغط للتحميل

1 thought on “الطبقة السياسية الفلسطينية هزمت في امتحان الفرصة الأخيرة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *