“الصعود الى الناصرة”


اشترك معنا في قناة تلغرام: اضغط للاشتراك حمل تطبيق الملتقى الفلسطيني على آندرويد: اضغط للتحميل

بين الكتابة والقراءة خيط رفيع قد يتماسك ويقوى مع مرور الوقت وقد يهترئ، يضعف وينقطع. وكلما كانت الكتابة صادقة، أمينة، متقنة وغير مبتذلة كلما جذبت القارئ وجعلته يواصل تمتين الرابط الوثيق مع النص المكتوب. هذا ما أحسسته وشعرت به عندما قرأت كتاب الصحافي والكاتب الفلسطيني خالد عيسى “الصعود إلى الناصرة” الذي حررة وقدم له الروائي ربعي المدهون والصادر عن مكتبة كل شيء الحيفاوية، فكلما تقدمتُ في القراءة شعرت بأن عرى الوثاق تتوثق ولا تنفصم.

الكاتب الفلسطيني خالد عيسى هو ابن لعائلة ُهجرت إبان النكبة من قرية الشجرة قضاء طبرية وسكنت في مخيمات اللاجئين في سوريا وهو من مواليد عام ١٩٥٦ في حمص، سوريا. بعد تنقله في عدة دول استقر في السويد إحدى الدول الإسكندنافية (الشقراء بحسب وصفه) وأصبح مواطناً بها وحصل على جواز سفرها الشيء الذي سمح وأتاح له وهو في عقده السابع بزيارة مسقط رأس والده وزيارة العديد من المواقع في الجليل والمثلث والناصرة وعكا وحيفا ويافا وطبريا والقدس ورام الله ومشارف غزة المحاصرة ومواقع أخرى من ربوع الوطن والالتقاء بالعديد من الشخصيات. وقد وثق الكاتب انطباعاته ومشاهداته وتأملاته وأفكاره ومشاعره وأفراحه وأحزانه وكوميدياته السوداء في مجموعة من النصوص التي نشرت مؤخرا في هذا الكتاب الجميل والمدهش.

يشتمل الكتاب الذي صدر مؤخرا (٢٠٢٢) على ١٤٠ صفحة. ويحتوي على إهداء وتقديم وسبعة أقسام (هوية وانتماء، نصراويات، مقدسيات، حيفاويات، رام الله، تجوال، وعائد من العودة) وبعض الصور التي التُقِطت للكاتب في بعض المواقع.

يربط الكاتب بين الماضي والحاضر والمستقبل، ويربط بين الافتراضي والملموس وبين الباقي في الوطن واللاجئ وبين المحتل وأصحاب الأرض الأصليين وبين التاريخ والجغرافيا وبين السياسة والثقافة وبين الأجداد والأبناء والأحفاد وبين الوطن وأصحابه وبين الأحياء والأموات وبين الأرواح والأجساد وبين من هناك ومن هنا ومن هنا ومن هناك وبين المعاناة وتحديها وبين الذات والآخر بلغة شاعرية تنم عن معرفة واسعة ورؤية شاملة. يوظف الكاتب مجمل حواسه لعيش التجربة والتواصل المادي والروحي مع الوطن وأهله على مدار شهر يصغي ويستمع ويشاهد ويتذوق ويَشتَّم ويلمس ويوثق كل ما يشعر ويحس ويفكر به. فالحنين قوي وشغف وتوق “الرحالة” المتلهف يحفزه على تصوير ورسم المشاهد والحقائق والتفاعل معها مؤطرا إياها بمقولة صارمة وحازمة أو خلاصة قاطعة أو تساؤل عميق أو حيرة دائمة أو مفهمة واضحة.

هنالك العديد من المواقف المدهشة واللافتة في الكتاب من بينها على سبيل المثال لا الحصر: أعجبني حين قال: “نمارس بساطة الراحل حسين البرغوثي في حقنا في وطن. بعيدا عن الزعبرة النضالية، والتغني بدماء غيرنا، التي انغمس بها ريشة خطاب فصيح. لا يفصح إلا عن دبلجة رديئة لبطولة يقوم بها الآخرون بالنيابة عنا”.

وأعجبني التمييز بين الوطن ومسقط الرأس حين قال لحفيده: “إن الوطن لا يعني دائما مسقط الرأس، أنا لم أولد في الشجرة ولا في طبريا…” وفي موقع آخر يقول” تآمر التاريخ على الجغرافيا” أو ” الحارة التي أصبحت دولة” وعشرات المواقف والمشاهد واللحظات الأخرى من قبل مغادرته السويد وحتى رجوعه إليها.

من المهم والضروري التأكيد على أهمية التواصل بين أبناء الشعب الفلسطيني الواحد وخصوصا بين فلسطيني الداخل واللاجئين وضرورة توثيق ذاكرة وحياة كل فلسطيني فأضعف حبر أقوى من أقوى ذاكرة. ومن المفيد استخدام التقنية ووسائل التواصل الاجتماعي (فالكاتب نفسه متابع لما يحدث في الداخل عن طريق الفيسبوك ومثابر على تدوين أفكاره) لتعزيز الارتباط بين أبناء الشعب الفلسطيني.

مثير جدا هذا الانتماء والهوية الفلسطينية القوية للأجيال الشابة الفلسطينية التي تعيش في المنفى سواء في العالم العربي أو في العالم الغربي، وهذا ما يبشر بخير وأمل كبير.

هنالك أهمية للحالات الإنسانية والفردية وللتراث والذاكرة الشعبية ولكن بالإضافة إلى ذلك هنالك حاجة ماسة إلى مشروع سياسي جماعي، الشيء الذي يؤكد الدور الهام والمناط بالأقلية الباقية في الوطن والتي صمدت وتحدت وواجهت وحفظت الذاكرة والتاريخ والوطن ما استطاعت إلى ذلك سبيلا رغم الإمكانات المحدودة.

شكرا للكاتب خالد عيسى على هذه المساهمة المهمة وعلى أمل أن يعود إلى الوطن.

اشترك معنا في قناة تلغرام: اضغط للاشتراك

حمل تطبيق الملتقى الفلسطيني على آندرويد: اضغط للتحميل

Author: علي أحمد حيدر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *