الشعب الفلسطيني يستحق قيادة أفضل

تؤكد المؤشرات المتعلقة بالانتخابات الفلسطينية، حتى الآن، على مسألة أساسية مفادها أن كل القوانين التشريعية وكل القرارات، التي أصدرها الرئيس محمود عباس، وهو رئيس المنظمة والسلطة و”فتح”، إنما الغرض منها هندسة تلك الانتخابات بحيث لا تخرج عن السيطرة، أي بحيث تؤدي إلى تعويم الواقع السياسي السائد، أو تجديد شرعيته فقط، بمعنى أنها مصممة من الأساس بحيث لا تفضي إلى تغيير سياسي حقيقي، ولا على أي مستوى، هذا في ما يخص السلطة، وهي بيت القصيد هنا، أما المنظمة فهي، على الأرجح، في علم الغيب.

ما يفاقم من تلك المشكلة أن كل القوى السياسية متواطئة مع ما يريده الرئيس محمود عباس، بحسب مخرجات اجتماعات القاهرة (قبل أيام)، هذا ينطبق على حركة “حماس”، التي بلعت أو تناست كل خطاباتها السابقة، المتعلقة بمناهضة أوسلو وخط المقاومة ومحاربة الفساد، إذ أضحت كل الاحتمالات أو التسريبات، تؤكد بأنها ذاهبة نحو قائمة موحدة مع قيادة “فتح”، في حقبة تقوم على الشراكة بين الطرفين.

لكن المشكلة الأكبر وربما الأخطر، تكمن في أفول مكانة الجبهات “اليسارية”، التي كان البعض يراهن على تكتلها، أو اشتغالها على بلورة قوة ثالثة معارضة، قاعدتها الأوسع من القطاعات الشعبية غير المنتمية إلى الفصائل، والقصد هنا الجبهتان الشعبية والديمقراطية وحزب الشعب وفدا، فإذا بها فاقدة للإرادة، بل وقابلة للاشتغال كديكور، أو كمن يلعب على الحبال بين فتح وحماس. وفي الواقع فإن تلك الفصائل باتت منذ زمن تعيش فقط على رصيدها التاريخي، فهي لم تعد تفعل شيئا، أو لم يعد لديها شيء تقدمه أو تضيفه، لا على صعيد إنتاج خطاب سياسي مقنع، ولا على صعيد تحشيد كتل شعبية وازنة، ولا حتى لجهة توحيد كياناتها، وهي حجر الأساس المفترض لتفعيل تلك القوى، وإثبات صدقيتها، لو توفر الوعي والإرادة لذلك حقا، بخاصة بعد أن انحسر تأثيرها سواء في مجتمعات الفلسطينيين في الداخل والخارج، وعلى صعيد الصراع ضد العدو.

وفي المجمل فإن ذلك ينطبق على الفصائل الـ14 التي عقدت اجتماعات لها في رام الله وبيروت، ثم في القاهرة مرتين، ثانيها منتصف هذا الشهر، لترسيخ التفاهمات حول الانتخابات، وأغلبها فصائل على ورق، وتلبي حاجات الاستقطاب بين الفصيلين الكبيرين (فتح وحماس) ناهيك أن بعضها يلبي حاجات الاستقطاب الإقليمي الخارجي، كمنظمتي الصاعقة والقيادة العامة، في حين أن تنظيمي جبهة التحرير العربية والجبهة الفلسطينية العربية (تنظيمان أصلهما واحد)، كانتا امتدادا فلسطينيا لنظام صدام.

على أي حال، فإن القصد من العرض السابق التأكيد على أن ثمة مشكلة في مجمل الكيانات السياسية الفلسطينية (المنظمة والسلطة والفصائل)، فثمة تهميش لمنظمة التحرير أو استبعاد لها لصالح السلطة، في حين أن تلك السلطة لا تشتغل على نحو صحيح في بناء كيانية للفلسطينيين في الأرض المحتلة، وتعزيز مشاركتهم في الحياة السياسية، وتنمية مواردهم البشرية والاقتصادية، والارتقاء بمستوى الثقافة والتعليم والحريات والحقوق والخدمات. وفي الواقع فنحن إزاء سلطة صادرت مكانة المنظمة، وتشتغل كسلطة على الفلسطينيين، الذين باتوا إزاء ثلاث سلطات فإلى جانب الفلسطينية، ثمة سلطة المستوطنين، وثمة السلطة الإسرائيلية، بحيث بات يمكن القول معه، بأن الفلسطينيين كانوا قبل إقامة تلك السلطة أكثر وحدة وتصميما وتحررا في مواجهتهم لإسرائيل، وبناء كياناتهم، مما أصبحوا عليه بعد إقامتها.

أما في ما يخص الفصائل، وإذا تجاوزنا قصة العدد (الـ14)، فنحن إزاء فصيلين مهيمنين، حيث فتح كسلطة في الضفة، وحماس كسلطة في غزة، أما الفصائل اليسارية (الشعبية والديمقراطية والشعب وفدا) فقد فقدت هويتها وقدرتها ودورها، إن كفصائل معارضة أو كفصائل يسارية، وكان الأحرى بها، منذ عقد أو اثنين على الأقل، ولتعزيز صدقيتها، أن تبحث بنفسها عن أسباب بقائها على هذه الحال من التشرذم والضعف، بأن تطرح السؤال الأساس، وهو: ما مبرر بقاء كل واحد من تلك الجبهات أو الكيانات؟ أو ما مبرر تشرذمها؟ ولماذا لا تجد صيغة مناسبة ومرنة لتوحيد ذاتها، لاسيما بعد أن لم يعد ثمة تباينات جوهرية في ما بينها؟

الآن، إذا جمعنا الفشل السياسي، أي فشل الخيار الفلسطيني المتمثل بدولة فلسطينية في الضفة والقطاع، مع وصول اتفاق أوسلو إلى طريق مسدود، بسبب التملصات الإسرائيلية واللامبالاة الأميركية، مع خارطة الكيانات السياسية الفلسطينية المتكلسة منذ عقود، فإننا سنكون إزاء فشل فلسطيني خالص، على كافة الأصعدة.

هذا يوضح حجم مسؤولية القيادة الفلسطينية السائدة عن هذا الفشل، لاسيما أن شعب فلسطين لديه نسبة عالية من المثقفين والأكاديميين، وأنه شعب يختزن خبرة سياسية وكفاحية طويلة وغنية، وأنه تبعا لكل ذلك، ولاسيما لبطولاته وتضحياته ومعاناته، يستحق قيادة أفضل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *