الشراكة العربية – اليهودية والمصالحة في زمن الإبادة


من السهل أن تبدو “الشراكة اليهودية–العربية” فكرة راديكالية في إسرائيل اليوم. ففي مجتمع انزاح بعيدًا نحو اليمين، وباتت فيه الحقوق السياسية للفلسطينيين موضع مساءلة، يمكن لمجرد اجتماع إسرائيليين وفلسطينيين في حركة سياسية واحدة أن يظهر بوصفه تحديًا للسائد. وهذه، إلى حد بعيد، هي الرواية التي بنت عليها حركة “نقف معًا” حضورها خلال السنوات الأخيرة، وهي أيضًا الرواية التي يحملها اليوم إلى الساحة الانتخابية حزب “مكان للجميع”، الذي أسسه في حزيران/يونيو 2026 عدد من أبرز قيادات الحركة.
وبما أن الشراكة، بوصفها علاقة سياسية، لا تبدأ من لحظة الوقوف معًا، ولا يمكن تقييمها بمجرد وجود اليهود والفلسطينيين داخل الإطار نفسه، فهي تتشكل داخل علاقات قوة قائمة قبلها وتستمر من خلالها. ولذلك لا يكفي أن نسأل من “يقف معًا”، بل إلى أين يريد هذا “المشترك” أن يذهب، وعلى أي مشروع سياسي يقوم، ومن يملك القدرة على تحديد وجهته وشروطه. من هنا أقترح قراءة تجربة “نقف معًا”، ولاحقًا حزب “مكان للجميع”، بشكل مختلف جذريًا عن الرواية التي يقدمها، والنظر إلى ما تفعله هذه الشراكة داخل الحيز السياسي الذي تعمل فيه، وتحديدًا: ماذا يحدث حين تتسع قدرة المؤسسة المشتركة على حساب إضعاف المؤسسات الفلسطينية المستقلة أو تصبح مطالبها السياسية ثانوية؟ ولماذا يصبح المجتمع الفلسطيني الساحة المركزية لبناء الشراكة وتوسيعها، في الوقت الذي تتركز فيه القوة، وكذلك الممانعة الأساسيّة للشراكة، داخل المجتمع الإسرائيلي؟ ثم ماذا تعني الشراكة نفسها في زمن الإبادة، حين يصبح الحديث عن شراكة ومصالحة ممكنًا أيضًا كطريق لتجاوز سؤال المسؤولية والمحاسبة.
“الحملة الشعبية ضد التجويع في غزة”
قد تكون حملة جمع المساعدات لغزة في صيف 2024 المثال الأوضح على هذه المسألة. ففي الرابع من آب/أغسطس أعلنت حركة “نقف معًا” انطلاق “الحملة الشعبية ضد التجويع في غزة”. بدأت الحملة في سخنين، ثم انتقلت خلال فترة قصيرة من الجليل إلى المثلث فالنقب. بدأت الفكرة بشاحنة واحدة تنتقل بين البلدات، لكن الاستجابة تجاوزت سريعًا توقعات المنظمين؛ فبعد نحو ثلاثة أسابيع تحدثت تقارير عن قرابة 300 شاحنة وعن مشاركة نحو 30 ألف شخص. وقدمت الحركة الحملة باعتبارها أكبر حملة قام بها المجتمع الفلسطيني داخل إسرائيل ضد الحرب والتجويع منذ السابع من أكتوبر. وإن دل حجم الاستجابة على شيء، فهو يدل قبل أي شيء آخر على استعداد واسع داخل المجتمع الفلسطيني في مناطق الـ48 للتحرك تجاه أبناء وبنات شعبهم في غزة حين تتوافر إمكانية عملية لذلك.
لكن هذه الإمكانية نفسها هي ما ينبغي التوقف عنده. فبينما كانت الحملة تتوسع داخل البلدات الفلسطينية، نشر “عرب 48” تحقيقًا حول التضييق الذي تعرضت له جمعيات إغاثة فلسطينية في مناطق الـ48. وثّق التحقيق حالات لمؤسسات فلسطينية مُنع أو قُيّد عملها في جمع التبرعات، كما جُمّدت حسابات مصرفية لجمعيات بعد أيام من بداية الحرب، وقُدّر أن أكثر من 70 جمعية عربية تعرضت لتجميد حساباتها، إلى جانب ملاحقة أعضاء في جمعيات واعتقال بعضهم وتفتيش منازلهم.
وإذا أخذنا مفهوم “الشراكة” بمعناه السياسي، يصبح السؤال الأكثر إلحاحًا ليس لماذا استخدمت “نقف معًا” الإمكانية التي كانت متاحة لها لإدخال الطعام إلى غزة، وإنما لماذا لم يصبح منع المؤسسات الفلسطينية من جمع التبرعات هو القضية السياسية المركزية؟ لماذا لم تقف “نقف معًا” ضد إضعاف المؤسسات الفلسطينية؟
لا يتعلق هذا الحكم بالنوايا، فمن الأكيد أن لـ”نقف معًا” نية أخلاقية جيدة، وأنها سعت من خلال هذه الحملة إلى تقديم خدمة ضرورية، بل وفيها أيضًا معارضة للنظام الحاكم ولمعظم المجتمع الإسرائيلي الذي حاول بعض من أفراده منع وصول هذه المساعدات إلى غزة. ولكن لا يفيد كثيرًا تحويل النقاش إلى سؤال عن أخلاق الناشطين في “نقف معًا” أو حسن نواياهم، لأن السؤال السياسي أدق من ذلك: هل يوسع نموذج الشراكة استقلالية الفلسطيني وقدرته على التنظيم والفعل، أم أن اتساع قدرة المؤسسة المشتركة يحدث داخل المساحة التي فقدتها مؤسسات فلسطينية مستقلة وعلى حسابها، وبالتالي يساهم في تهميشها؟
حزب “مكان للجميع”
بعد عامين تقريبًا، انتقل بعض أبرز قيادات “نقف معًا” إلى بناء حزب “مكان للجميع”، الذي يقدم نفسه بوصفه محاولة لتأسيس شراكة يهودية-عربية “متساوية حقًا”. وعند إطلاق الحزب، قال ألون-لي غرين إن الشراكة لا تعني “ممثلًا عربيًا في حزب يهودي أو ممثلًا يهوديًا في حزب عربي”، وإنما أن تبدأ الشراكة داخل الحزب نفسه. لكن هذه الفرضية تحتاج إلى قراءة تاريخية أكثر دقة، لأن العمل السياسي اليهودي-العربي لم يبدأ مع “مكان للجميع”، ولم تكن الأطر السياسية الفلسطينية تاريخيًا مغلقة أمام اليهود الرافضين للصهيونية. تأسست الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة بوصفها إطارًا يهوديًا-عربيًا يستند أساسًا إلى الحزب الشيوعي، وضمت قوائمها وقاعدتها أعضاء يهودًا وعربًا، وتولى يهود فيها مواقع برلمانية وقيادية بارزة، كما ضمت قوائم التجمع في مراحل مختلفة مرشحين يهودًا إسرائيليين.
المشكلة الأعمق كانت، ولا تزال، أن قطاعات واسعة من الإسرائيليين لم تكن مستعدة للعمل داخل مشروع سياسي يكون الفلسطيني فيه مبادرًا وشريكًا سياسيًا في تعريف طبيعة الدولة والمجتمع. وبالتالي، فإذا كانت العقبة الأساسية هي محدودية الاستعداد داخل المجتمع الإسرائيلي لقبول المساواة السياسية وشرعية التمثيل السياسي الفلسطيني، فلماذا يصب المجهود المركزي لـ”مكان للجميع” في الساحة السياسية الفلسطينية وفي المطالبة بأن يكونوا جزءًا من القائمة المشتركة؟ بكلمات أخرى، إذا كان الادعاء المركزي لحزب “مكان للجميع” هو أنه يقدم حلًا لمشكلة الشراكة اليهودية-العربية، وإذا كان الرفض الأكبر للمساواة وللشراكة السياسية مع الفلسطيني قائمًا داخل المجتمع اليهودي، فلماذا يصبح المجتمع الفلسطيني، وليس المجتمع الإسرائيلي، أحد الميادين الأساسية التي تُستثمر فيها الجهود لإنجاح النموذج الجديد؟ ولماذا يُستثمر جهد في إقناع الفلسطيني لتوسيع قاعدة الشراكة بدلًا من أن تكون مواجهة الرفض اليهودي للشرعية السياسية الفلسطينية هي المهمة التنظيمية الأساسيّة؟ وهي المهمة الأصعب والأكثر مركزية! ومن هنا أيضًا، لماذا يقدم “مكان للجميع” نفسه كقيادة بديلة للقيادة الفلسطينية أكثر مما يطرح نفسه كقيادة بديلة للقيادة الإسرائيلية؟ لماذا يعرّفون المشكلة في القيادة الفلسطينية المحاصرة والخاضعة للترهيب، بدل أن تُطرح الإشكالية في الأحزاب الإسرائيلية فيعملوا على استبدالها؟
معًا – نتصالح بعيدًا عن المحاسبة
ضمن حالة الإبادة على شعبنا في غزة، تكتسب هذه الأسئلة معنى أكثر إلحاحًا. لأن استخدام كلمة إبادة ليس مجرد اختيار لوصف شدة العنف، بل يترتب عليه أسئلة سياسية تتعلق بالمسؤولية، وبالمؤسسات والمجتمع والشروط التي جعلت هذا العنف ممكنًا. لا يمكن التعامل مع الإبادة بوصفها أقصى توصيف أخلاقي لما حدث، ثم الانتقال مباشرة منها إلى لغة المصالحة والعيش معًا. فبين الإبادة وأي حديث جدي عن المصالحة مسألة لا يمكن تجاوزها، وهي المحاسبة.
والمحاسبة هنا لا تعني توزيع الذنب بصورة جماعية، ولا تحويل الانتماء القومي إلى إدانة أخلاقية للأفراد، وإنما طرح سؤال سياسي ومؤسسي عن المسؤولية: ما المؤسسات التي نفذت؟ من قرر؟ من برر؟ من منح الشرعية؟ ما الدور الذي لعبه الإعلام؟ كيف تعاملت المؤسسات الأكاديمية والقانونية والثقافية مع الحرب؟ وكيف أُنتج القبول الاجتماعي بهذا المستوى من الدمار والقتل والتجويع؟ كما تطرح المحاسبة سؤالًا على المعارضة نفسها: كيف عارضت، وما هو الثمن الذي كانت مستعدة لدفعه، وماذا استطاعت أن تفعل، وما الذي عجزت عنه، وماذا تقول حدود المعارضة عن البنية السياسية والاجتماعية التي واجهتها؟ وكيف تسعى إلى مواجهة هذه البنية؟
المحاسبة، بهذا المعنى، ليست محاكمة أخلاقية للأفراد بقدر ما هي عملية سياسية يواجه من خلالها مجتمع ما ما ارتكبته مؤسساته باسمه ومن خلال موارده وبنيته القانونية والعسكرية والثقافية. ولذلك فهي تقتضي أسئلة تتجاوز إدانة الحرب: كيف جرى إنتاج القبول بهذا المستوى من الدمار؟ أي خطاب جعل قتل الفلسطيني وتجويعه قابلًا للتبرير أو التجاهل؟ أي مؤسسات حولت الاستثناء إلى ممارسة يومية؟ وما الذي ينبغي تغييره كي لا يصبح تكرار ذلك ممكنًا؟
ضمن هذا الإطار تكتسب المعارضة اليهودية للحرب أهميتها السياسية. فمن تظاهر ضد الحرب ليس في الموقع نفسه الذي دعا إلى توسيع القصف أو محو غزة، وتجاهل هذا الفرق يلغي السياسة ويحول المجتمع كله إلى كتلة أخلاقية واحدة. لكن الاعتراف بهذا الفرق لا يعني أن المعارضة تنهي سؤال المسؤولية، بل يحدد موقعها داخله. فالمعارض داخل المجتمع الإسرائيلي يملك وظيفة سياسية تختلف عن مجرد إعلان موقف أخلاقي، وهي نقل المواجهة إلى داخل ذلك المجتمع، إلى بنيته السياسية ومؤسساته واللغة التي جعلت ما حدث ممكنًا ومقبولًا.
وهنا تظهر إحدى مشكلات الانتقال السريع من غزة إلى خطاب الشراكة. ففي غياب المحاسبة، يمكن لـ”المشترك” أن يسمح بالانتقال من لحظة العنف إلى الحديث عن المستقبل من دون المرور بمواجهة البنية المجتمعية والسياسية التي جعلت هذا ممكنًا. تصبح صورة الإسرائيلي والفلسطيني اللذين يرفضان الكراهية ويتحدثان عن مستقبل مشترك أكثر سهولة من الأسئلة الأصعب: ماذا حدث، ومن جعله ممكنًا، وكيف جرى شرعنته، وما الذي ينبغي تغييره في المؤسسات وفي البنية السياسية والمجتمعية؟ لن أخوض في معنى وإشكاليات المصالحة هنا، وأكتفي بالفكرة القائلة إنه في زمن الإبادة لا يمكن أن تكون المصالحة بديلًا من الحقيقة والمحاسبة، ولا أن تصبح وسيلة لتجاوز العملية السياسية التي تغير الشروط التي أنتجت العنف.
وبهذا المعنى، إذا كان للشركاء اليهود في إسرائيل وفي الخارج دور خاص، فهو العمل داخل مجتمعاتهم ومؤسساتهم. فالاستحقاق السياسي لاستخدام لغة الإبادة ليس إقناع الفلسطيني بأن هناك يهودًا يمكن بناء مستقبل معهم، لأن هذه ليست المعضلة الأساسية أصلًا، وتاريخ السياسة الفلسطينية يتضمن يهودًا خرجوا عن الإجماع الصهيوني وعملوا إلى جانب الفلسطينيين. المهمة الأصعب هي بناء قوة داخل المجتمع الإسرائيلي تدفعه إلى مواجهة غزة باعتبارها حدثًا يفرض مراجعة ومحاسبة للبنية السياسية المؤسسة للدولة، وللمؤسسات والخطاب السياسي والإعلام والثقافة وأنماط نزع الإنسانية عن الفلسطيني، وعلاقة المجتمع بالقوة التي تُمارس باسمه.
أعتقد أن المهمة الأصعب هي عدم إنكار الحقيقة التي كشفتها الإبادة: لا مكان لتسوية مع مشروع يقوم على رفض السيادة الفلسطينية وعلى التفوّق والسيادة والامتياز اليهودي، وأن رفض الصهيونية يتصل بجوهر “الشراكة” نفسها، وليس تفصيلًا أيديولوجيًا يمكن تأجيله. وهذا يتطلب إدراك ضرورة العمل نحو أفق يتخيل مستقبلًا دون صهيونية، يقوم على الاعتراف بسيادة الفلسطينيين وحقهم في تقرير مصيرهم السياسي، لا على إعادة ترتيب علاقتهم داخل شروط السيادة اليهودية، بوصف ذلك شرطًا لأن تكون أي مصالحة مستقبلية مختلفة عن مجرد تجاوز منظم لما حدث. دون ذلك، يمكن للشراكة أن تصبح انتقالًا من نكبة مستمرة لم تجر مواجهتها، عبر إبادة لا تجري المحاسبة عليها، إلى مستقبل يُطلب منا أن نتخيله “معًا”.
عن الشراكة ودور الفلسطيني فيها
لكن مساءلة الشراكة لا تكتمل إذا جرى توجيهها إلى الطرف اليهودي وحده، لأن دعوة الفلسطيني إلى الشراكة ليست فعلًا محايدًا سياسيًا. فالمظاهرة ضد الجريمة والعنف في تل أبيب في 31 كانون الثاني/يناير 2026، على سبيل المثال، جاءت بدعوة فلسطينية بادرت إليها لجنة المتابعة والتف حولها ناشطون وأكاديميون فلسطينيون. إن نقل الاحتجاج إلى تل أبيب خطوة مفهومة من حيث محاولة إخراج قضية الجريمة من حدود البلدات الفلسطينية ووضعها أمام المجتمع الإسرائيلي، لكن السؤال لا ينتهي عند موقع المظاهرة، بل يبدأ منه: ما الذي نطلبه من الإسرائيلي اليهودي حين ندعوه إلى المشاركة؟ أو حين ندعوه إلى بلداتنا الفلسطينية ليحمينا من الجريمة المنظمة؟
إن المجتمع الإسرائيلي لا يحتاج إلى مظاهرة فلسطينية في تل أبيب لكي يعرف بوجود الجريمة المنظمة في البلدات الفلسطينية، كما أن الفلسطينيين لا يحتاجون إلى حضور يهودي لكي يثبتوا أن الدولة ومؤسساتها تتحمل مسؤولية سياسية عن انتشار الجريمة وعن التعامل معها. ما يحتاجه الفلسطيني من الشريك اليهودي ليس أن يقف إلى جانبه ليكرر المطلب نفسه، بل أن يستخدم موقعه داخل المجتمع الإسرائيلي في مواجهة المؤسسات والسياسات التي تنتج هذه الظروف وتسمح باستمرارها.
هنا يصبح الفرق بين التضامن والشراكة مهمًا. فالمسألة ليست رسم حدود تمنع التضامن، وإنما تحديد الوظيفة السياسية للشراكة، لأن دور الشريك الإسرائيلي لا يقتصر على الحضور في مظاهرة مشتركة أو الاتفاق مع الفلسطيني على موقفه. دوره، مثلًا، أن ينزل إلى الشارع ضد قانون القومية، بوصفه قانونًا يعرّف الدولة والمواطنة داخل المجتمع الاستعماري والنظام الإبادي الذي ينتمي إليه، كما كان يجب أن يكون دوره، في أيار/مايو 2021، مواجهة اعتداءات المستوطنين وعنف الشرطة وقوات الأمن داخل المدن الفلسطينية التاريخية، وتحويل رفضه الأخلاقي للعنف إلى مواجهة سياسية داخل مجتمعه ونظامه. فهناك فرق بين متضامن ينضم إلى الفلسطيني في الموقع الذي يقف فيه الفلسطيني أصلًا، وبين شريك يستخدم موقعه لنقل المواجهة إلى المكان الذي تتركز فيه القوة والشرعية والقدرة على اتخاذ القرار.
بهذا المعنى، ليس دور الشريك الإسرائيلي أن يتفق مع الفلسطيني أو أن يؤكد صحة موقفه. الشراكة هي عملية سياسية تقوم على مسؤولية الإسرائيلي في رفض منظومته الاستعمارية، وتبيان خطورتها والعمل على تقويضها. وهي عملية سياسية مكلفة، ومكلفة جدًا داخل مجتمع إبادي، يستخدم فيها الشريك الإسرائيلي موقعه داخل المجتمع والدولة لمواجهة المنظومة التي تمنحه، بوصفه يهوديًا، امتيازًا وقوة وشرعية لا يمتلكها الفلسطيني. أن يعارض القتل، لا أن يكتفي بالتعاطف مع ضحاياه. أن يواجه الدولة، لا أن يكتفي بإدانة نتائج سياساتها. أن يفضح ويرفض ويتمرد ويعمل بشكل فعّال على تغيير البنية السياسية والاجتماعية والقانونية والمؤسساتية والخطابية التي جعلت وتجعل العنف ممكنًا ومشروعًا، لا أن يعلن فقط أنه لا يوافق عليه. نحن لا نريد “من يمثلنا” داخل المجتمع الإسرائيلي، نحن لا نريد وسيطًا، نحن نريد من يواجه هذا المشروع نظامًا ودولةً ومجتمعًا، مدركًا خطورتها، ويواجهها من موقعه الخاص وليس من منصة “نقف فيها معًا”. فالشراكة، في هذه الحالة، لا تعني أن نقف جميعًا في المكان نفسه، وإنما أن يتحمل المستعمِر مسؤولية الصراع من الموقع الذي يقف فيه، وأن يستخدم هذا الموقع في مواجهة القوة التي تجعل موقع الطرف الآخر أكثر هشاشة.
إن وجود الفلسطيني داخل “المشترك” لا يكفي لإثبات عدالة شروطه، كما لا يكفي وجود يهودي معارض إلى جانبه لكي نتأكد من فاعلية النضال من أجل تغيير المنظومة. حرب الإبادة على غزة تطالبنا بأن يصبح هذا التمييز أكثر إلحاحًا. فإذا كان لمفهوم الإبادة استحقاق سياسي مركزي هو المحاسبة، فإن المعنى الأول والمركزي للشراكة هو شراكة من أجل المحاسبة، وليس شراكة للتنازل عن المحاسبة، ولا شراكة لفرض طريق مختصر يقفز من الإبادة إلى المصالحة. ولا ينبغي للفلسطيني، من جانبه، أن يساهم في إنتاج هذا الاختصار من خلال تحويل “المشترك” إلى غاية بذاتها، غاية تقوم لاحقًا على تقليص المشترك إلى القاسم الأصغر دون إلحاح اللحظة الإبادية ومتطلباتها.
ما نحتاجه ليس صورة أفضل للعلاقة بين الإسرائيليين اليهود والفلسطينيين، بل مسوّغًا سياسيًا لعلاقة أفضل، وشروطًا سياسية تجعل هذه العلاقة ممكنة. لأن أخطر ما يمكن أن تنتجه الشراكة في عصر الإبادة، وربما أكثره احتمالًا، هو علاقة جيدة تحوّل الإبادة إلى عائق تقني يمكن تهميشه أو تجاوزه وتعطيل مسارات المحاسبة عليها. وإذا كان لـ”المشترك” معنى تحرري، فهو لا يبدأ من الوقوف معًا، بل من القدرة على الوقوف معًا ولوحدنا ضمن معنى متماسك للتحرر، وضمن استعداد كامل لدفع ثمنه. وهذا الثمن ليس متساويًا بالضرورة؛ فمن يملك قوة أكبر قد يكون مطالبًا بدفع ثمن أكبر، ومن يملك امتيازًا أكبر عليه أن يدرك أن امتيازه نفسه هو ما يستطيع، وما ينبغي أن يكون مستعدًا، لأن يدفعه ثمنًا للنضال.
عن عرب48