السياسات الإسرائيلية في تدمير القطاع الزراعي في قطاع غزة بعد 7 تشرين الأول/أكتوبر


اشترك معنا في قناة تلغرام: اضغط للاشتراك حمل تطبيق الملتقى الفلسطيني على آندرويد: اضغط للتحميل

ملخص:

تهدف هذه الورقة إلى استعراض السياسات الإسرائيلية التي استهدفت تدمير القطاع الزراعي في قطاع غزة وتحليلها، وذلك بعد اندلاع حرب 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، في محاولة للإجابة عن سؤال مركزي يتعلق بماهية السياسات الإسرائيلية التدميرية للقطاع الزراعي في قطاع غزة بعد 7 تشرين الأول/أكتوبر، وذلك باستخدام منهجية متعددة التخصصات، واستناداً إلى بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، وتقارير أممية صادرة عن الأمم المتحدة. وتنطلق الورقة من افتراض أن السياسات الاستعمارية الإسرائيلية الهادفة إلى تدمير القطاع الزراعي في غزة ترمي إلى إنشاء بيئة طاردة للسكان، وذلك عبر جعْل قطاع غزة منطقة غير صالحة للسكن عبر تجويع السكان، وذلك من أجل ترحيلهم والتخلص منهم.

مدخل:

ويبلغ إجمالي المساحات المزروعة بأشجار البستنة والخضروات والمحاصيل الحقلية في قطاع غزة نحو 117,000 دونم (بحسب التعداد الزراعي لسنة 2020 – 2021)، 32% منها في خان يونس، و29% في شمال غزة، حيث تُقَدَّر المساحات المزروعة في شمال غزة بنحو 34,000 دونم. وتشكل المساحات المزروعة بالخضروات 53% من إجمالي المساحات الزراعية في قطاع غزة، تتركز 34% منها في محافظة شمال قطاع غزة، بالإضافة إلى 30% في محافظة خان يونس، بينما تشكل المساحة المزروعة بالبستنة الشجرية 30.9% من إجمالي المساحة المزروعة في قطاع غزة، ويتركز 31.3% منها في محافظة خان يونس، بينما 22.3% في محافظة شمال غزة. وتُعتبر أشجار الزيتون هي الأعلى نسبة، إذ تشكل 63% من إجمالي المساحة المزروعة بأشجار البستنة.[1] 

ويساهم القطاع الزراعي بنحو 11% من الناتج المحلي الإجمالي في قطاع غزة، بنسبة 54% للإنتاج النباتي من إجمالي قيمة الإنتاج الزراعي (16.7% للبستنة الشجرية، و69.7% للخضروات، و13.6% للمحاصيل الحقلية)، بينما بلغت نسبة الناتج الحيواني 46% (52% للحوم، و26% للسمك). وتساهم محافظة خان يونس بنحو 26% من أعداد الدواجن، ونحو 30% من الضأن، إذ إن أكثر من 60% من أعداد الأبقار والضأن والماعز يتم تربيتها بغرض إنتاج اللحوم. بينما تساهم محافظة شمال غزة بنحو 25% من أعداد الدواجن، ونحو 44% من أعداد الماعز، و48% من أعداد الأبقار، و42% من أعداد خلايا النحل، و27% من أعداد الضأن.[2] 

ويقدَّر عدد العاملين في القطاع الزراعي بنحـو 55,000 عامـل، وقد واجه القطـاع الزراعـي تحديـات كبيـرة مع فـرض الحصـار على قطاع غزة سنة 2006، أبرزها وضْـع قيـود كبيـرة علـى عمليـات تصديـر المنتوجـات الزراعيـة، واسـتيراد المعـدات والمـواد الخاصـة بالإنتــاج الزراعــي، علاوة على الاســتهداف المباشــر للمحاصيـل والأراضـي الزراعيـة في أثنـاء الهجمـات العسـكرية المتكررة علـى قطـاع غـزة؛ فبذريعة المخاوف الأمنية، فرضت إسرائيل منطقـة عازلـة بعمق 300 متـر تقريبـاً علـى طـول الحـدود الشـرقية لقطـاع غـزة، عقب الحملة العسكرية الإسرائيلية علــى القطــاع فــي كانـون أول/ديسـمبر 2008، وقد وسّـعت إسـرائيل المنطقـة العازلــة داخل القطاع لتصبــح بيــن 1,000 و1,500 متــر، يُحظــر علــى الســكان والمزارعيــن الفلسـطينيين الوصـول إليهـا، وتشـكل هذه المنطقة العازلة نحو %17 مــن مجمــوع أراضــي القطــاع، و%35 مــن الأراضــي الزراعيــة.[3] ويضاف إلى ذلك قيام إسرائيل برشّ المبيــدات الحشــرية علــى طــول الســياج الأمنــي الممتــد على مساحة 40 كيلومتراً شـرقي قطـاع غـزة، وذلك بهــدف منــع نمــو الأشجار، وإبقاء المنطقة مكشوفة للنظر.[4]

وقد عانى مربو الثروة الحيوانية جرّاء الحصار وإغلاق المعابر الحدودية، فتكبدو خسائر كبيرة نتيجة نفوق أعداد كبيرة من الطيور والحيوانات نتيجة انقطاع الإمدادات من الأعلاف الحيوانية، كما أدى الحصار ومنع تصدير المنتوجات الزراعية إلى انخفاض كميـة الإنتاج الزراعــي المســوقة خــارج القطــاع مــن نحــو 3544 طنــاً فـي الشـهر حتـى النصـف الأول مـن شـهر حزيـران/يونيو 2007 إلى نحــو الصفــر فــي المــدة اللاحقة لذلــك، وهو مــا فاقـم حالـة الانهيـار الاقتصـادي فـي القطـاع، واسـتمر حظــر تســويق الإنتــاج الزراعــي مــن قطــاع غــزة إلى الضفــة الغربيـة حتى حرب سنة 2014، إذ سمحت إسرائيل، بعد 7 سنوات من المنع (وفق اتفاق وقف إطلاق النار)، بتصدير كمية محدودة من المنتوجات الزراعية، وبدأت الكمية تتصاعد بالتدريج حتى سمحت إسرائيل خلال سنة 2022 بتصدير 5377 طنــاً من المنتوجات الزراعية فـي الفترة الواقعة بيـن كانـون الثـاني/يناير وآب/أغسطس 2022. (مع الأخذ بعين الاعتبار أن 55% من إجمالي الصادرات من قطاع غزة هي منتوجات زراعية).[5] بصورة إجمالية؛ تقدَّر قيمـة خسـائر القطـاع الزراعـي جـرّاء الحصـار الإسـرائيلي والهجمـات العسـكرية المتعـددة منـذ سنة 2006، حتى شــباط/فبراير 2022 بمــا يزيــد على 1.3 مليـار دولار.[6]

أمّا فيما يتعلق بقطاع صيد الأسماك، فيقضـي اتفاق أوســلو بتحديد مساحة الصيد حتــى مســافة 20 ميلاً بحرياً (37 كيلومتراً)، لكن على أرض الواقع، كان يتــم منــع الفلســـطينيين من الوصول إلى أبعد من 12 ميلاً بحرياً، وفي أحسن الأحوال إلى 15 ميلاً بحرياً؛ ففــي سنة 2006، قلصــت إســرائيل مســاحة الصيــد إلــى 10 أميــال بحريــة، ثــم قلصتهــا بعــد ذلــك إلــى 6 أميــال بحريــة، وعقب عملية “الرصاص المصبوب” سنة 2009، قلصتها إلــى 3 أميــال بحريــة، وفــي بدايـة سنة 2019، وسّعت المسـاحة حتـى 12 ميلاً بحرياً، ثـم سـمحت بالصيـد حتـى 15 ميلاً، إلاّ إنهــا، وفي إطار سياسة العقاب الجماعي، قامت خــلال سنة 2019 بتقليص المســاحة المســموح بالصيــد فيهــا 9 مــرات؛ أُغلــق خلال 4 منهــا البحــر كليــاً، لكنها عاودت في أيلول/سبتمبر 2022 توسيع مساحة الصيد إلى 15 ميلاً. وقد تسببت الإغلاقات المتكررة للبحر، والحصار الخانق الذي يمنع إدخــال مســتلزمات الصيد، والاعتداءات المتكررة على الصيادين، بانخفــاض عــدد العامليــن فــي مجــال الصيــد مــن نحو 10,000 سنة 2000، إلــى نحــو 4000 صيــاد، إذ بلغ معدل الاعتداءات الإسرائيلية على الصيادين نحــو 30 اعتــداء فــي الشــهر الواحــد، ويشــمل ذلــك اعتقال الصيادين، والاعتداء على قـواربهم، وإطلاق الرصاص عليهم.[7] كما امتــدت سياسة العقاب الجماعي لتشمل منع تصديــر الأسماك، كما حدث فــي مطلــع شــهر آب/أغســطس 2022، عندما منعت إسرائيل تصديـر الأسـماك مـن قطـاع غـزة إلـى الضفـة الغربيـة، الأمر الذي أدى إلـى تكبيـد العامليـن فـي قطـاع الصيـد خسـائر تقــدَّر بنحــو 800,000 دولار، وبعــد ذلــك، ســمح الاحتلال الإسرائيلي باســتئناف التصديــر، لكــن مــع تخفيـض كميـات الأسـماك إلـى 20 طـناً تقريـباً فـي الشـهر الواحـد، بعدمـا كانـت تصــل قبــل قــرار المنــع إلــى 100 طــن شــهرياً.[8]

القطاع الزراعي… من الحصار إلى الدمار:

عمدت منظومة الاستعمار الاستيطاني الإسرائيلي إلى تدمير قطاع الزراعة في قطاع غزة عقب 7 تشرين الأول/أكتوبر، بعدما عانى هذا القطاع على مدى سنوات طويلة جرّاء الحصار، إلاّ إن المزارعين استطاعوا الصمود في وجه آليات الحصار الخانقة، فجاء القرار الإسرائيلي بتدمير القطاع الزراعي وعدم الاكتفاء بمحاصرته، وذلك بهدف إنشاء بيئة طاردة للسكان تجعل من استمرار العيش في قطاع غزة أمراً صعباً للغاية، وهو ما سيساهم في ترحيل السكان، وتحقيق المخطط الصهيوني القديم الحديث بالتخلص من سكان قطاع غزة.

يمكننا القول إن السياسات الإسرائيلية الاستعمارية الهادفة إلى تدمير القطاع الزراعي هي عبارة عن امتداد واستنساخ لممارسات بعض أنظمة الاستعمار الاستيطاني، فقد مارس الاستعمار الاستيطاني الأوروبي لأميركا السياسة نفسها تقريباً، فكان يتم تجويع السكان الأصلانيين بواسطة تدمير حقول الذرة الخاصة بهم، وذلك بهدف ترحيلهم والتخلص منهم .[9] 

ويكشف تقرير أممي صادر عن “يونوسات” (UNOSAT)، يعتمد على صور من الأقمار الصناعية، أنه حتى نيسان/أبريل 2024، دمرت القوات الإسرائيلية نحو 45% من حقول المحاصيل الدائمة والأراضي الصالحة للزراعة في قطاع غزة، وذلك بعد مقارنة صور الأقمار الصناعية لسنة 2024 بمتوسط صور السنوات السبع السابقة (من نيسان/أبريل 2017، إلى 2024). ويبيّن تحليل “يونوسات” أن المساحة الزراعية في قطاع غزة تُقَدَّر بـ 178 كيلومتراً مربعاً، وهو ما يمثل نحو 49% من إجمالي مساحة قطاع غزة، وتُظهر الصور أن ما يقارب 81 كيلومتراً مربعاً من حقول المحاصيل الدائمة والأراضي الصالحة للزراعة في قطاع غزة قد انخفضت بصورة كبيرة فيما يتعلق بصحتها وكثافتها في نيسان/أبريل 2024؛ فسياسات التجريف واقتحام الدبابات والقصف بالقنابل ساهمت في تراجُع صحة المحاصيل وكثافتها، وقد تبيّن في تحليل “يونوسات” لشهر نيسان/أبريل 2024، مقارنةً بتحليل سابق أصدرته في كانون الثاني/يناير 2024، أن هناك زيادة بنسبة 33% في الأراضي الزراعية المتضررة منذ تحليل كانون الثاني/يناير، بالإضافة إلى ارتفاع ملحوظ في تدمير حقول المحاصيل الدائمة والأراضي الصالحة للزراعة في محافظة خان يونس، إذ بلغت الزيادة 30%. وعلاوة على ذلك، فقد حدث تصاعُد كبير في تدمير الأراضي الزراعية داخل محافظة رفح؛ إذ ارتفعت النسبة من 11% في كانون الثاني/يناير 2024 إلى 43% في نيسان/أبريل 2024، كما يُظهر التقرير تدمير 47.7% من أراضي شمال غزة الزراعية (14.6 كيلومتراً مربعاً من مجموع 30.6 كيلومتراً مربعاً)، وتدمير 40.7% من أراضي غزة (13.3 كيلومتراً مربعاً من مجموع 32.6 كيلومتراً مربعاً)، وتدمير 40.4% من أراضي دير البلح (13.3 كيلومتراً مربعاً من مجموع 32.9 كيلومتراً مربعاً)، وتدمير 51.1% من أراضي خان يونس (28.4 كيلومتراً مربعاً من مجموع 55.5 كيلومتراً مربعاً)، وأيضاً تدمير 43% من أراضي رفح (11.4 كيلومتراً مربعاً من مجموع 26.5 كيلومتراً مربعاً).[10]

المصدر:

UNOSAT, UNOSAT Gaza Strip Agricultural Damage Assessment – April 2024, 1\5\2024.

ويُظهر تقرير صادر عن منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة “الفاو”، في فبراير/شباط 2024، كمية الدمار التي تعرضت له المنشآت الزراعية في قطاع غزة؛ إذ تم تدمير 626 بئر ماء، و47 بركة ماء، وميناء واحد، و307 حظائر منزلية، و100 مستودع زراعي، و46 مخزناً زراعياً، و7 مراكز للتزويد الزراعي، و119 مأوى للحيوانات، و11 مزرعة للأرانب، و26 مزرعة للألبان، و235 مزرعة للدجاج اللاحم، و7 مزارع طير حبش، و203 مزارع أغنام، و5 مزارع أبقار، و42 مزرعة طيور وحمام، وكذلك 339 دفيئة زراعية من مجموع 1277، أي أن 26.6% من الدفيئات الزراعية تم تدميرها.[11] وبحسب عبد الحكيم الواعر، الممثل الإقليمي لـ “الفاو” للشرق الأدنى وشمال أفريقيا، فإن قطاع الزراعة في غزة دخل فعلاً مرحلة الانهيار مع استمرار الحرب، فَعَدَا تدمير المحاصيل الزراعية والدفيئات والإنتاج الحيواني، يشير الواعر إلى أن 27.7% من آبار المياه تم إتلافها بالكامل، أو على الأقل إيقافها عن الإنتاج، وفي منطقة شمال غزة، بصورة خاصة، توقف أكثر من نحو 35% من آبار المياه عن الإنتاج.[12]

آثار تدمير القطاع الزراعي:

يقود تدمير القطاع الزراعي إلى نقص حاد في الغذاء لدى سكان قطاع غزة، وهو ما يسبب حالة من المجاعة؛ فبحسب بيانات الإحصاء الفلسطيني، فإن 44% من استهلاك الأُسَرِ للسلع الزراعية في قطاع غزة مصدره الإنتاج المحلي، بينما باقي السلع، والتي تشكل 56% من الاستهلاك، يتم استيرادها، وبسبب الحرب والحصار المطبق، فقد توقف استيرادها.[13] 

تستند المنظمات الأممية في توصيف الحالة الغذائية إلى “التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي” (Integrated Food Security Phase Classification – IPC)، وبموجب هذا التصنيف، يوجد 5 مراحل لانعدام الأمن الغذائي؛ المرحلة الأولى تحت مسمى “الحد الأدنى” (Minimal): حيث تكون الأُسر قادرة على تلبية الحاجات الغذائية وغير الغذائية الأساسية من دون الانخراط في استراتيجيات غير نمطية وغير مستدامة للحصول على الغذاء والدخل. المرحلة الثانية “مضغوط” (Stressed): حيث تحصل الأُسَر على الحد الأدنى من الاستهلاك الغذائي الكافي، لكنها غير قادرة على تحمُّل بعض النفقات الأساسية غير الغذائية من دون الانخراط في استراتيجيات التكيف مع التوتر. المرحلة الثالثة “الأزمة” (Crisis): حيث تعاني الأُسَر جرّاء فجوات في استهلاك الغذاء، تنعكس في سوء التغذية الحاد المرتفع أو فوق المعتاد، أو أن الأُسَر قادرون بصورة هامشية على تلبية الحد الأدنى من الحاجات الغذائية، لكن فقط عن طريق استنفاد أصول سُبُل العيش الأساسية أو عبر استراتيجيات التكيف مع الأزمات. المرحلة الرابعة “الطوارئ” (Emergency): حيث تعاني الأُسَر جرّاء فجوات كبيرة في استهلاك الغذاء، وهو ما ينعكس في ارتفاع معدلات سوء التغذية الحاد والوفيات الزائدة، أو أن الأُسَر قادرون على تخفيف الفجوات الكبيرة في استهلاك الغذاء، لكن فقط عبر استخدام استراتيجيات سُبُل العيش الطارئة وتصفية الأصول. المرحلة الخامسة “المجاعة” (Famine): حيث تعاني الأُسَر جرّاء نقص شديد في الغذاء و/أو الحاجات الأساسية الأُخرى حتى بعد الاستخدام الكامل لاستراتيجيات التكيُف. (ومن الواضح أن المجاعة والموت والعوز ومستويات سوء التغذية الحاد الشديد أصبحت حرجة للغاية).[14] 

استطاع فريق تحليل التصنيف الدولي لمراحل الأمن الغذائي إجراء دراسة على الوضع في قطاع غزة في أثناء عَقْدِ الهدنة الإنسانية، في الفترة 24/11/2023 – 8/12/2023، حيث أشار التحليل إلى أن 25% من سكان شمال قطاع غزة يصنَفون تحت المرحلة الخامسة (المجاعة).[15] وبصورة عامة، فإن 93% من السكان (2.08 مليون شخص) يعيشون تحت ظل المرحلة الثالثة (الأزمة) فما فوق، حيث يعيش 34% من السكان في المرحلة الثالثة (الأزمة)، بينما 42% في المرحلة الرابعة (الطوارئ)، و17% في المرحلة الخامسة (المجاعة).[16] وبحسب الواعر، فإن الواقعين تحت التصنيف الرابع (الطوارئ) لا يتحصلون في هذه المرحلة على وجبة واحدة في اليوم، بينما في التصنيف الخامس، فإن الشخص منهم يُعتبر معدوماً من جهة الأمن الغذائي، ولا يتحصل على أي وجبة بانتظام لفترات طويلة، وهي المرحلة التي نصل فيها إلى المجاعة أو حافة المجاعة. وبالرجوع إلى آخر إحصاء قامت به “الفاو” والأمم المتحدة، فإن معدلات الأكل المتوفرة والمواد التي يتم إدخالها لا تصل أو تتعدى 400 غرام للشخص الواحد يومياً من كمية الأكل المتاح كل يوم. وبالتالي، فإن هناك حالات كبيرة من سوء التغذية، ولها آثار وخيمة، وتُسبِّبُ أمراضاً، وكذلك إعاقات، ومشاكل صحية كبيرة، وكل هذا يقود إلى حالة المجاعة.[17] 

وفي السياق ذاته؛ ووفقاً لبيانات الإحصاء الفلسطيني، فإن الخسائر اليومية المباشرة في الإنتاج الزراعي في قطاع غزة تصل إلى نحو 1.6 مليون دولار أمريكي يومياً،[18] بمعنى أن خسائر الإنتاج الزراعي بعد 8 أشهر من الحرب تُقدَّر بنحو 384 مليون دولار، مع الأخذ بعين الاعتبار تعطُّل تزويد المزارع بالمياه والكهرباء التي تشكل 27% من مستلزمات الإنتاج النباتي، بينما تتوزع بقية المستلزمات على مواد يتم استيرادها، وتوقفت بسبب الحرب والحصار، كالأسمدة التي تشكل 26% من المستلزمات، والتقاوي والبذور التي تشكل 23%، والمبيدات التي تشكل 17%، و7% تتوزع على مستلزمات أُخرى.[19] 

خاتمة:

نلمس وجود سياسة إسرائيلية استعمارية ممنهجة لتجويع قطاع غزة، وهي استنساخ سياسات الاستعمار الاستيطاني الهادفة إلى “محو” السكان الأصلانيين وترحيلهم، ولا تقتصر هذه السياسات على استهداف وتدمير الإنتاج الزراعي ومنشآته (كما استعرضنا)، أو منْع توريد مستلزمات النهوض بالقطاع الزراعي فحسب، بل أيضاً تتعداه نحو استهداف وتدمير مئات المخابز وشركة مطاحن القمح الوحيدة في قطاع غزة،[20] علاوة على استهداف الباحثين عن المساعدات والقوافل الإنسانية، كما حدث في “مجزرة الطحين” في دوار النابلسي في 29/2/2024، والتي ذهب ضحيتها ما لا يقل عن 112 شهيداً، وإصابة نحو 760 شخصاً،[21] وكل ذلك بهدف تشكيل حالة من انعدام القدرة على العيش في قطاع غزة، وهو ما يدفع بعد انتهاء الحرب إلى ما يُسمى “الهجرة الطوعية”، وفي واقع الأمر هي هجرة (في حال حدوثها) قسرية، إذ يُجبَر فيها السكان على الهجرة قسراً، وليس طوعاً، بعد استحالة الحياة، نتيجة عدم توفُر الأوضاع الملائمة للاستمرار في العيش. لكن على الرغم من سياسات الإبادة والتجويع والترحيل الإسرائيلية، فإن الفاعلية الفلسطينية لا تزال عاملاً مهماً في إفشال هذه السياسة، ويُضاف إلى ذلك فاعلية اللاعبين الإقليميين، وعلى رأسهم مصر التي رفضت فكرة تهجير الغزيين إلى سيناء في أثناء الحرب، بينما أظهر جزء كبير من سكان قطاع غزة صموداً أسطورياً عز نظيره على مستوى العالم، وظهرت مبادرات تؤشر إلى الرغبة في الاستمرار في العيش في قطاع غزة على الرغم من الدمار الهائل، كمبادرة الزراعة المنزلية، التي تقوم على زراعة المساحات الفارغة والواسعة في المنازل ومدارس الإيواء ومخيمات النازحين، بمحاصيل زراعية تتيح للسكان الاعتماد على أنفسهم في إنتاج غذائهم لسدّ جوعهم.[22] 

وقد ساهمت الزراعة المحلية في الصمود، فبحسب رزان زعيتر (رئيسة الشبكة العربية للسيادة على الغذاء) فإن “المؤونة” التي وفرتها الزراعة المحلية دعمت من صمدوا في بيوتهم في شمال ووسط وجنوب القطاع، وإلاّ لَكَانوا هلكوا بالآلاف منذ بداية الحرب، لكن ذلك لا يغني عن توفير الحاجات العديدة لضمان الأمن الغذائي في قطاع غزة، سواء المتعلقة بالجانب الزراعي وتأمين مدخلات الإنتاج، كالبذور والأشتال والأشجار والأسمدة وغيرها، أم المتعلقة بالجانب اللوجستي والخدماتي عبر تأمين المعدات الزراعية وتأهيل الطرق وإصلاح خطوط الكهرباء والمياه، ولتحقيق ذلك، لا بد من وقف الحرب ورفع الحصار عن قطاع غزة، وتوفير الدعم المالي اللازم.[23] ومن ثم، لا بد من إعادة بناء القطاع الزراعي وتحقيق السيادة الغذائية.

تتطلب إعادة الإعمار وبناء قطاع الزراعة عودة القدرة البشرية القادرة على إعادة الإنتاج الزراعي، وكذلك إمدادها بالمدخلات الضرورية، مع تأهيل ما تم تدميره وفقدانه من البنية التحتية التي تخدم قطاع الزراعة بصورة مباشرة، مع الأخذ بعين الاعتبار إعادة تأهيل القطاع الخاص، فقبل الحرب، كان يدخل القطاع نحو 500 شاحنة يومياً، معظمها من استيراد القطاع الخاص (بينما متوسط المعدل اليومي في الحرب يصل إلى 80 شاحنة يومياً)، وجزء كبير من هذه الشاحنات كان يحوي المدخلات الزراعية، كالعلف والأسمدة والمبيدات والبذور، ويُضاف إلى ذلك تصدير الأسماك والدواجن وكثير من المنتوجات إلى خارج قطاع غزة، وبصورة أساسية إلى الضفة الغربية.[24] 

ويضاف إلى ذلك تشجيع الزراعة المستدامة التي تتكيف مع التحديات السياسية والبيئية والمناخية، علاوة على تعزيز القدرات المحلية، عبر الاستثمار في البحث والتطوير الزراعي، والتركيز في الدعم المالي والفني على المزارعين الصغار الذين أثبتوا أنهم صمام الأمان في الأزمات والحروب والكوارث، وكذلك تطوير قطاع الصيد بما يضمن استدامة الموارد السمكية. وهذا كله يتطلب إرادة سياسية قوية ودعماً دولياً مستداماً لتمكين الفلسطينيين من بناء نظام غذائي مستقل ومستدام يضمن لهم العيش بكرامة.[25]

[1] “الإحصاء الفلسطيني يصدر بياناً صحفياً حول أثر عدوان الاحتلال الإسرائيلي على القطاع الزراعي في قطاع غزة 2023“، رام الله: الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، 28/11/2023:

[2] المصدر نفسه.

[3] “جيل تحت الحصار: تداعيات الحصار الإسرائيلي على غزة“، المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان، كانون الثاني/يناير 2023، ص 17:

[4] المصدر نفسه، ص 18.

[5] الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، مصدر سبق ذكره.

[6] المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان، مصدر سبق ذكره، ص 18.

[7] المصدر نفسه، ص 19.

[8] المصدر نفسه، ص 20.

[9] Lawrence Davidson, Cultural Genocide, (New Brunswick, New Jersy and London: Rutgers University Press, 2012), p: 24.

[10] “UNOSAT Gaza Strip Agricultural Damage Assessment – April 2024”, UNOSAT, 1\5\2024:

[11] “Update on the Situation in Gaza and Red Sea”, FAO, 24\2\2024:

[12] “‘كل هذا يؤدي بنا إلى المجاعة‘: مسؤول أممي يتحدث عن انهيار قطاع الزراعة والإنتاج الغذائي في غزة“، أخبار الأمم المتحدة، 15/3/2024.

[13] الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، مصدر سبق ذكره.

[14] “What is the IPC?”, Famine Early Warning System Network, 2024:

[15] “GAZA STRIP: FAMINE REVIEW OF THE IPC ANALYSIS”, IPC, 21\12\2023:

[16] FAO, op. cit.

[17] أخبار الأمم المتحدة، مصدر سبق ذكره.

[18] الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، مصدر سبق ذكره.

[19] المصدر نفسه.

[20] “القصف الإسرائيلي يدمر المخابز في غزة“، “روسيا اليوم، 4/5/2024:

[21] “خبراء مستقلون يدينون ‘مجزرة الطحين‘ ويحثون إسرائيل على وضع حد لحملة التجويع في غزة“، أخبار الأمم المتحدة، 5/3/2024:

[22] دعاء فايز، “في غزة.. مبادرات محلية لإحياء الزراعة التي أبادتها الحرب الإسرائيلية“، “TRT عربي”، 13/4/2024.

[23] “رئيسة جمعية حماية الطبيعة رزان زعيتر: ‘مؤونة‘ الزراعة المحلية دعمت صمود أهالي غزة في بيوتهم“، “القدس العربي”، 18/5/2024.

[24] أخبار الأمم المتحدة، مصدر سبق ذكره.

[25] فؤاد أبو سيف، “تدمير القطاع الزراعي في غزة: آثار الحرب الإسرائيلية ومسارات النهوض والسيادة الغذائية“، ورقة سياسات صادرة عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية، العدد 43، 16 شباط/فبراير 2024، ص: 8.1

عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية -ورقة سياسات

اشترك معنا في قناة تلغرام: اضغط للاشتراك

حمل تطبيق الملتقى الفلسطيني على آندرويد: اضغط للتحميل

Author: أشرف بدر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *