السلطة الفلسطينية أصبحت عبئًا أمنيًا متزايدًا

تأسست السلطة الفلسطينية عام 1994 فب اعقاب التوقيع على اتفاقيات أوسلو بين دولة إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية . والفكرة الأساسية وراء اقامتها كانت إيجاد هيئة تُدير شؤون الفلسطينيين في الأراضي التي سلمتها إسرائيل إلى سيطرة منظمة التحرير . وقد تم ذلك على أساس أن تكون هذه العملية مقدمة لاتفاق سلام يُنهي الصراع بين الفلسطينيين وإسرائيل .
ومنذ ذلك الحين، وفي عملية مستمرة ومتواصلة، تحولت السلطة الفلسطينية إلى كيان معادي لإسرائيل ، حيث كبار المسؤولين فيها يحرضون على الإرهاب ، وتُشكل المناهج الدراسية في مدارسها مصدرًا للتحريض المستمر ضد إسرائيل . وبالاضافة إلى ذلك تُمول السلطة وتدعم الإرهاب من خلال ما يُعرف بـ”رواتب الإرهابيين”، أو ” رواتب أسر الأسرى و الشهداء” . وهو عبارة عن خطة تتضمن دفع رواتب مالية للأسرى الفلسطينيين المحتجزين في إسرائيل، وكذلك لعائلات الفلسطينيين الذين سقطوا في أعمال إرهابية أو اشتباكات مع قوات الأمن الإسرائيلية. وقد أوضحت أحداث السابع من أكتوبر/تشرين الأول، وما تلاها من أحداث في الضفة الغربية، مدى تحول السلطة الفلسطينية إلى عامل إشكالي وغير ذي صلة حتى في الشارع الفلسطيني .
مكسب أم عبء؟ :
تحديد وضع السلطة الفلسطينية، كمكسب أو عبء على دولة إسرائيل، يتطلب دراسة متأنية للجوانب الأمنية والسياسية والاقتصادية والأخلاقية . ويرى المؤيدون للسلطة الفلسطينية كمكسب أنها تُشكل عامل استقرار في الضفة الغربية ، لا سيما بالمقارنة مع البدائل المتطرفة كنظام حماس ، كما هو الحال في غزة . وتُتيح السلطة الفلسطينية التنسيق الأمني مع إسرائيل ، بما في ذلك تبادل المعلومات الاستخباراتية ومنع العمليات المعادية ، الأمر الذي ساهم في الحد من العنف في المنطقة على مر السنين . علاوة على ذلك، فإن وجود السلطة الفلسطينية يمنع إسرائيل من التدخل المباشر في الحياة اليومية لملايين الفلسطينيين ، وهو سيناريو قد يؤدي إلى تعقيدات سياسية واقتصادية وديموغرافية، بما في ذلك الضغط الدولي على إسرائيل لمنح هؤلاء السكان حقوقهم المدنية الكاملة ، الأمر الذي يهدد الطابع اليهودي للدولة.
من جهة أخرى، يمكن اعتبار السلطة الفلسطينية عبئًا لأسباب عديدة، أبرزها دعمها للإرهاب والتحريض عليه، مما يُسهم في إدامة الصراع وتصعيده ، إلى جانب تصرفات قادتها الرامية إلى الإضرار بإسرائيل بشكل ممنهج على الساحة الدولية . وكذلك أيضاً الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة الفلسطينية التي تشكل خطرًا أمنيًا يتمثل
في احتمال قلب السلاح واستخدامه ضد المستوطنات والمستوطنين الإسرائيليين ، وضد الجيش الإسرائيلي . وبالاخص على ضوء حقيقة أن جل هذه القوات اجتازت تدريبات مكثفة بمساعدة أمريكية وأردنية ، وتريبها وتسليحها يفوق بكثير ما هو مطلوب لعمليات حفظ الأمن . وقد شهدنا خلال العامين الماضيين تزايدًا في تورط عناصر الأمن الفلسطينيين في أعمال إرهابية .
يجب التذكير بأن الوعي الجمعي الفلسطيني في الضفة الغربية لا يزال قائمًا على النضال الأبدي ضد إسرائيل كهدف فلسطيني مركزي . بالإضافة إلى ذلك، أدت سنوات وجود السلطة الفلسطينية إلى ترسيخ صورة نمطية عنها ، إذ تعتمد على المساعدات الخارجية ، وتغرق في الفساد ، وتتجنب اتخاذ إجراءات فعّالة لتحسين الاقتصاد وحياة السكان .
كان الدافع الرئيسي وراء إنشاء السلطة الفلسطينية هو افتراض إمكانية التوصل إلى تسوية دائمة تُفضي إلى اتفاق سلام . إلا أن الواقع خيّب آمال من تشبثوا بهذا الوهم . فقد انقضت ثلاثون عامًا على اتفاقيات أوسلو، ظهرت خلالها محاولات فاشلة للتوصل إلى اتفاق لإقامة دولة تستطيع العيش الى جانب إسرائيل . ولم تبذل القيادة الفلسطينية جهودًا في هذا الاتجاه لبناء اقتصاد وبنية تحتية ومؤسسات ومجتمع مدني فاعل . بل انصبّ جلّ اهتمامها على إلحاق الضرر بدولة إسرائيل .
لم يعد التنسيق الأمني دافعًا رئيسيًا لوجود السلطة الفلسطينية، فقد أصبحت عبئًا ثقيلًا على دولة إسرائيل، و قواتها الأمنية تشكل خطرًا لا بد من أخذه في الحسبان في أي سيناريو . فدور السلطة الفلسطينية في التحريض المؤسسي يعزز الصراع والعداء ، وينقله من جيل إلى جيل . إضافةً إلى ذلك، فإن فكرة خضوع السلطة الفلسطينية لإصلاحات جذرية، ومن ثمّ تغيير الأوضاع ، هي فكرة خاطئة تمامًا . لا أساس لهذه الفكرة في الواقع، إذ أن السلطة الفلسطينية تعكس عقلية الشعب الفلسطيني الراسخة ، والتي لن تتغير جوهريًا. لذا، لم يعد مناسباً نموذج قيام دولتين تعيشان بسلام جنبًا إلى جنب . ومن المهم أيضًا التذكير بعامل آخر بالغ الأهمية، وهو تقدم رئيس السلطة الفلسطينية، محمود عباس، في السن، إذ أنه تجاوز التسعين . ورحيله سيؤدي حتمًا إلى نزاعات على الخلافة ، وكما هو الحال في منطقتنا ، يتعزز احتمال أن يوجّه واحد أو أكثر من المطالبين بالسلطة نيرانهم نحو إسرائيل ، كما حدث في الماضي في حالات مماثلة (انظر مسيرات العودة في قطاع غزة عامي 2017-2018) . وإذا جرت محاولة أخرى لإجراء انتخابات ، فإنه بحسب جميع استطلاعات الرأي والتوقعات، ستفوز حركة حماس بأغلبية ساحقة حتى في الضفة الغربية . ولذلك فإن استمرار السلطة الفلسطينية سيوصل إسرائيل الى واقع صعب ، بل وحتى مستحيل .
في ظل غياب دولة فلسطينية في الأفق، يمكن دراسة بديلين للسلطة . الأول هو دراسة فكرة الإمارات، التي في إطارها يتم اقامة إدارات مدنية محلية . وتتمثل النقاط الرئيسية لهذه الخطة في إنشاء الإمارات كمدن-دول، وضم المناطق الريفية إلى إسرائيل . والهدف هو حكم فلسطيني محلي قائم على بنية المجتمع العربي، يضمن الأمن والازدهار للفلسطينيين وإسرائيل . أما البديل الثاني فهو إقامة حكم مدني فلسطيني مستقل ، على غرار الحكم الذاتي الذي اقترحته حكومة بيغن آنذاك كجزء من اتفاقية السلام مع مصر . وفي كلتا الحالتين، ستكون مسؤولية الأمن في الضفة الغربية منوطة بدولة إسرائيل .
صحيح ان هناك مساهمة لوجود تنسيق أمني مع إسرائيل ، إلا أنه حتى في الملاحظة العامة، يبدو أن التوازن العام، الذي يشمل أيضاً خطر انقلاب قوات الأمن الفلسطينية على
إسرائيل ودعمها لثقافة الصراع العنيف ضد إسرائيل ، يجعلها عبئاً أكثر منها فائدة.
كما تعلمنا على أرض الواقع في 7 أكتوبر، لا يجوز تأجيل معالجة مثل هذه القضايا . فالهيئة الأمنية الاسرائيلية ، بقيادة منسق أعمال الحكومة في المناطق، تعمل منذ سنوات وفق نهج “تعزيز السلطة الفلسطينية”، وتتجنب فحص ودفع بدائل أخرى . ومطلوب الآن إدراج هذا الموضوع على جدول الأعمال الوطني ، ودراسة البدائل المذكورة أعلاه وغيرها إن وُجدت، واتخاذ قرارات والعمل على تنفيذها — وكلما كان ذلك أسرع كلما كان أفضل .
المصدر: موقع N12