الرّسالة التّاسعة عشر

عزيزي،،،،،،

” يا عزيز عيني وأنا بدي أروّح بلدي، ليلةٍ نمتُ فيها وصحيتُ ملقتش بلدي”! شيئاً فشيئاً أصبحتُ أكثر ادراكاً، فهماً.. الزّوايا المعتمة، ووعد الأماكن السّرية.. سكنت سيلفيا بلاث، طيلة العام، روحي ومنذ اليوم الأوّل في أحد أقبية السّجن في بلاد أحببتها، لكنّها لم ترغبني، أثقلت بلاث حضورها على روحي طيلة شهر شباط، ذلك كان آخر شهرٍ عشته في المحروسة حين لفظتني خارجها إلى منفاي؛ شهر ثقيل ومعتم ووباء، فجاءت صرختي الغاضبة في وجه العالم.

اندهش الجميع  من الهدوء الذي رافقني أيام السّجن على غير المعتاد، كانت بلاث تسجن بجواري في المساحة الصّغيرة جداً في سجني هناك، كانت مذكّراتها التي انتهيت من قراءتها العام الماضي تخيفني “لا تبتغي مَهرباً (حلاً) بهذه الكيفية .. فكري “.

توقّفت عقارب السّاعة عن الدّوران… العاشرة صباحاً من يوم ٢٢ شباط ٢٠٢٠ توقّفت الحياة، صار هناك عالمانِ ومكانانِ وأزمنة أُخرى من المنافي؛ مساحات واسعة وبلاد بعيدة ووحدة جديدة مزدحمة، وصارت البلاد منفية وغريبة.

“حل البحر بيننا .. مجدداً”؛ رسموا لي منفى جديداً، وانتظار آخر، وحياة ميتة؛ جرّدوني من البلاد.. من الشّوارع.. من المدن.. من التّاريخ والجغرافيا.

إنّه موت الذّكريات وفصلٌ جديدٌ من التّهجير. شبّاكٌ صغيرٌ في سيّارة التّرحيلات كان يمكن أنْ يكونَ نافذةَ الرّوح التي أطلّ بها على آخر البلاد، ولكن لم  أرَ المغزى من النّهوض، فليس لدي شيء الآن.

موسيقي مجاز للثلاثي جبران كانت خلفية مشهد التّرحيل، وصورة أُمّي التي كنت أُخبئها في حمّالة الصّدر معي في السّجن وبعض أرقام هواتف عائلتي وأصدقائي، لم أستطع أنْ أتصلَ بأُمّي طيلة أيام سجني مخافة أنْ أضعفَ في لحظةٍ ما.

كان يكفيني أنْ أتحدّث إليها عبر الصّورة بعد أن ينام مَن معي في الغرفة الصّغيرة التي كانت تحمل حكايات كثيرة.

حاولتُ الوصولَ إلى مقبرة “النّديم” التي بناها السّلطان عبد الحميد بجوار قصر يلدز في الحي الرّاقي في بشكتاش. جمعتُ كلَّ المعلومات عنه من محرّك البحث “جوجل” وفي كلِّ الخرائط التي تشير إلى مقبرة يحيى أفندي هناك، لم أستدل على شاهدٍ باسمه؛ أخبرني البعض أنّه دُفن بجوار خير الدّين بارباروس وفي المسجد الذي بني له، أما البعض الآخر فقال أنّه دُفن في جامع سنان باشا وكلاهما كانا غريبا وأميراً للبحر في عهد الدّولة العثمانية.

بعد هزيمة الثّورة العُرابية، ظلّ النّديم هارباً من الاستبداد والاحتلال تسع سنوات، كان يختبئ في قلوب النّاس في المحروسة؛ خبّأته يافا بلدتي قُرابة عام في بيت  المفتي الشّيخ حسين الدّجاني، واستضافه ولده علي أبو الدّهب الذي كان زميله في جامعة الأزهر.

سكن آل الدّجاني في يافا بعد ما اشتّد الاستبداد بين العثمانية ووالي مصر في القدس في القرن السّابع عشر، وظلّت العائلة بين القدس موطنهم الأوّل ويافا  حتى استولت العصابات الصّهيونية على حي النّبي داوود على جبل صهيون حيث كانوا يقومون على خدمة مسجد وضريح نبي الله داوود وصادروا مفاتيح المسجد وحوّلوه إلى كنيس يهودي كما صادروا كلَّ الوثائقِ التي تُثبت عربية الحي، وبعد استيلائهم على القدس عام ١٩٦٧ سمحوا لأهالي الحي بالعودة باستثناء آل الدّجاني، فقلوبهم معلّقة بين القدس ويافا.

لقد ضاق قلبي.. امنحني يا إلهي قلباً واسعاً ليتسع لكلِّ هذا الحزن، فلن يتسعَ قبر مجهول لرفات الغريب. لا مكان في البلاد ولا مكان في المنافي، وستنتهي كلُّ الرّسائل مختومة بختم “لم يستدل عليه”.

قبر مجهول وتاريخ خالٍ من الضّجيج، أربع سنوات والنّديم في منفاه/ منفاي.

أخبرونا أننا نجونا من البلاد المهزومة ولكن يبدو ذلك لم يكن كافياً.

هنا في البعيد أدركنا أنّ لا أحدَ يستطيع حماية ظهرك غير ظلّك.. شعر النّديم أنّه ليس من الضّروري أنْ يعرفه أحد وكذلك أنا، ليس ضرورياً أنْ أُقيمَ علاقاتٍ مع المكان، والمدن والشّوارع والنّاس، هنا يجب ألا يكونَ لنا ذكريات، لا يمكن أنْ نأخذها مرّة أُخرى حين نغادر إلى منافي أُخرى، ولن تتسع البلاد لقلوب متعبة.

من أخبرك أنّ الذين نجوا من الحرب نجوا.. كلُّ شيء تغيّر منذ أنْ توقّفت عقارب السّاعة ذات نهار في البلاد، تاريخ طويل من الهزيمة، وبلاد قاسية على أولئك الذين يشعرون بكلِّ قوّة، وعلى الذين تمتلأ روحهم بالأمل، أولئك القابعون في السّجون وفي المنافي، اولئك الذين لا يعرفون النّوم ليلاً أثر ثقل خيبات كلِّ صباح، الذين تمّ جرحهم بسهولة ولا يملكون البوح عن ذلك، الذين يحملون خيباتهم داخل جيوب معاطفهم، وفي حقائبهم الصّغيرة، الذين يخفون ضحكاتهم بين أيديهم ويغمضون أعيُنَهم حين يفرحون، أولئك الذين صاروا يكرهون المشي لأنهم مشوا كثيراً خلف أحلامهم وركضوا كثيرا نحو البلاد ولم يدركوها.

أولئك الذين ماتوا غرباء في المنفى ولم يعودوا إلى مقابرهم.

ماتت جدّتي حين أخبرتها أنّ البيت في يافا سكنه الغرباء، ورفضوا أنْ تطُلّين عليه مرّة أخيرة، وأنّ قريتنا التي كانت تزرع العنب الأحمر تحوّلت إلى ثكنة عسكرية في البلاد، وأنّ البيت الذي أورثنا ملامحه وجدرانه وغرفه تحوّل إلى مقرٍّ اداري لمستوطنة مفكعيم. كما نساء البلاد خبّأت جدّتي مفتاح البيت في عنقها طيلة سنوات المنفى، كانت تتجوّل كلَّ ليلة في مطبخها وبين صندوق ملابسها وثوبها الخاص الذي يسمونه “جنة ونار” ودعت داليا وخبأت في بيت المونة بعضاً من ذهبها وفضتها.

بربرة قريتها التي كانت تعني “بدوي” في الارامية سكنها الأهل منذ عام ١٤٠٠ سنة قبل الميلاد، نزلها الكثير من المغاربة والموريسكيون، وعلى الجانب الغربي خط سكة حديد رفح – حيفا بين مدينتي غزة والمجدل. حكت لي جدّتي عن رحلاتها بصحبة جدّها حين زارت مضارب أهلها في نابلس وعكا وأربد حوران وحلب وحمص وصولاً إلى مدنِ الأتراك في أورفا وديار بكر..

هناك سكنت عدوان تلك المدن، أخبرها جدّها أنّ بلدته خربت سابقاً من قلّة الأمطار والغلال ومن الجراد والوباء سنة بعد سنة، ورحل أهل القرية وأخلوا مساكنهم وجلوا عن أوطانهم وتفرّقوا في البلاد، وسكنوا بنواحي مصر والشام وتركيا.

ظلّت جدّتي تحفظ أهازيج العنب الذي اشتهرت بها البلاد وحكايات العناقيد التي كانت تُصدّر إلى كلِّ مدن السّهل السّاحلي. كان ابن عمِّها  الذي تزوّجها لاحقاً مع أخيه يبيعان غلات العنب البربري في سوق يافا.

استقرّ جدّي في بيتٍ صغيرٍ على نهر العوجا في يافا بعد أنْ تزوّج ابنة عمّه وقضى معها شهر العسل في منطقة النّبي روبين حيث اعتاد النّاس الذّهاب إلى ذلك المصيف؛ سكنا البيت اليافاوي بعد أنْ خلع القمباز ولبس الجاكيت والبنطال وصار يشبه الافندية.

المقبرةُ أكثر اتساعاً من البيوت في المنافي، كان جدّي يحلم في أنْ يُدفنَ في البلاد، كان يمشي عاقداً يديه خلف ظهره كحنظلة ويمشي باتجاه غير معلوم؛ في سنواتِ شتاته فقد كلَّ شيء وأختبأ في غرفته المطلّة على ياسمينة جلب شتلاتها في زيارة له ذات نهار إلى بلاده.

” بالأمس عاش غريباً في ديارهم…. واليوم مات غريب اللّحد والكفن”..  بعض أبيات شعر كتبت على شاهد قبر لم يذكر من يسكنه في إحدى مقابر اسطنبول.

كانت يافا منفى النّديم الاختياري مرتين شريطة ألا يتحدّث بالسّياسة. كان يغادرُ موسم التّعب ويعيدُ ترميم ما يشبه طمأنينته، فكان الأمل أسوأ الشّرور فأطال منفاه وكانت الاستانة قبلته الأخيرة.

صمت خطيب الثّورة الذي كان يهاجم الاستبداد في البلاد حتى السّلطان العثماني الذي برقه غاضباً بعد وشاية رجل عبد الحميد الثّاني ضدّه “سنقف جميعاً بين يدي عادل قاهر يقضي بيننا بالحقّ وهو خير الحاكمين”.

“كانت آخر انتفاضة له وآخر غضب” كان المرض والوحدة ضيفان ثقيلان على صدره، والعودة إلى مصر باتت أملاً بعيد المنال، فطلب رؤية أهله لكنّ الموت لم يمهله ذلك “رحل كعادته دون أنْ يقول لهما إلى أين» حتى لو تجنّبت المعارك لن تنجو من الهزائم”.

وفي البلاد التي لا تتسع للنّديم ولا لي،  نموت دون قبور ودون شواهد. هنا فقدت قلبي للأبد ولا يمكن استعادته، “تساءلتُ فجأةً، ماذا حلّ بالفتاة التي كنتها العام الماضي؟ ما رأيها بي الآنَ؟ كم مرّةً عليكِ أن تمنحي قلبك للبلاد دون أنْ تلفظك؟.

يمرّ العام وأنا أسأل الله دون خوف كم من القسوة نحتاجها لكي نتوقّف عن حبِّ تلك البلاد الملعونة، كم من صفحات التّاريخ نحتاجها لكي نفسّر كلَّ تلك الهزائم، كم من خرائط وجغرافية نحتاجها لنصنع احتمال من بقاء يعيد عقاربَ السّاعةِ إلى البعيد، وكم من عوالم افتراضية نحتاجها لصنع عودة في ممرّات الوقت لنلوّن ذلك الهامش.

ألا يكفي كلُّ تاريخ الملح هذا ليهدينا البحر راحة في البلاد وقبور معلومة  تستريح الرّوح فيها.

#رسائل_اسطنبول

#رسائلالمنفىوالوباء

#سفر_برلك

Author: بيسان عدوان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *