“الرحلات الذهنية”.. أدبٌ حاضر في مخيّلة الفلسطينيين والمهجّرين

محمود أبوحامد

قرأنا كتاباتٍ عن الرحّالة، وربما عاصرنا أحدهم، أو شاهدناه، أو سمعنا برحلاته. منهم من دوّن ذاكرة الأجداد والآباء الشفوية وسيرهم الذاتية. لكن في التجربة الفلسطينية ثمة جنس أدبي جديد يمكن أن نطلق عليه مسمى “أدب الرحلات الذهنية”، أو أدب الرحلات “الوقائعية” أو “التخيّلية”، فكيف يمكن تحقيق ذلك؟

أنا من “إجزم”

أنا فلسطيني سوري، من مواليد اللاذقية التي اعتز بها كمسقط رأسي، لكني أعرف قرية أجدادي “إجزم” في قضاء حيفا بفلسطين حارة حارة، وكنت أرسمها وأنا صغير على دفاتري الخاصة، ومن الممكن أن أغمض عيني الآن وأشاهد البئر الغربي والحارة “الفوقا” و”التحتا” والجامع وبيت جدي وبيت “آل ماضي”.

ربيع قرية إجزم(4)[8695].JPG
إجزم

كما يمكنني تخيّل خالي توفيق عضو “منظمة الكف الأسود” جثة على بلاطة نبع القرية التي يشرب منها سكان كل القرى المجاورة، ينظر إلى البلطة التي غرسها الصهاينة في رأسه بعد رميه غدراً بالرصاص.

وأتخيل أيضاً لحظات الهجرة المؤقتة وأتسلق الجبال مع أبي وأمي اللذين شاهدا (البراميل) تسقط على بيتنا وتدمره مع البيوت المجاورة. ويمكنني أن أطير مع الحمامة الأخيرة التي قاومت حتى النهاية مع قرى “جبع” و”إجزم” و”عين غزال”، وأهبط في وادي النحل الممتد من هذه القرى إلى شواطئ حيفا.

مشاعر مضطربة

زار كثيرون ممن حازوا جنسيات أميركية وأوروبية وغيرها؛ مدنهم وقراهم في فلسطين، وكان الانطباع الأولي والحالة العامة عند الجميع مشاعر مضطربة وانهيار وبكاء لعدة أيام.

حدث هذا للعراقيين، ولعله يحدث اليوم للسوريين واليمنيين والليبيين. فمن غادر وطنه طفلاً صار شاباً الآن ويرسم في مخيلته صور مدينته أو قريته، حارته أو بيته، ويسافر في فضاءاته الخاصة راسماً عبر رحلته الذهنية وطناً وربما وطنه الخاص

وأظن أنها حالة اصطدام بين ذاكرة المكان والذاكرة الشفوية، ونكبة داخلية جديدة، حاول بعضهم الكتابة عنها وبعضهم كتب مذكراته، إلا أن أحداً لم يخطر على باله وضع جنس أدبي يرتقي أو يناسب تلك الحالة. وصار ثمة خلط بين أدب الرحلات وتدوين الذاكرة الشفوية، وبين الذاكرة الذهنية الخاصة بكل فرد، والجمعية الخاصة بالفلسطينيين في شتاتهم بصورة عامة.

حدث هذا للعراقيين، ولعله يحدث اليوم للسوريين واليمنيين والليبيين. فمن غادر وطنه طفلاً صار شاباً الآن ويرسم في مخيلته صور مدينته أو قريته، حارته أو بيته، ويسافر في فضاءاته الخاصة راسماً عبر رحلته الذهنية وطناً وربما وطنه الخاص. وآمل ألا تعاد تجربة الفلسطينيين؛ فجدي مات أمام والدي وهو يبكي حيفا، ووالدي مات أمامنا وهو يبكي “إجزم”، ونحن لا نعلم من سنبكي أمام أولادنا لاحقاً.

 “نهد الأرض”

الدكتور “أحمد برقاوي” ممن زاروا فلسطين مؤخراً، وكتب عن تلك الرحلة في كتابه “نهد الأرض”، ويعتبر كتابه في غاية الأهمية كونه يجمع الأدبين معاً، أدب الرحلات وأدب الرحلات الذهنية، بالإضافة إلى ما فيه من سير ذاتية، وذاكرة عائلته الشفوية، ونثر جميل وحكايات، وتدوين لما تركته فيه من أثر زيارته لقبري ياسر عرفات ومحمود درويش.

ويتحدث البرقاوي في كتابه “نهد الأرض” عن رحلته من مخيم اليرموك في دمشق إلى فلسطين، وإلى قريته “ذنابة ” عبر “طول كرم”، والمبهر في الرحلة أنه استطاع الوصول إلى بيته دون دليل، فالطريق كان مرسوماً في ذهنه منذ طفولته: البيت.. القرية.. وبقية التفاصيل.

(2) قرية ذنابة قضاء طول كرم[8693].jpg
ذنابة

كتب البرقاوي عن رحلته مضيفاً نوعاً جديداً من أدب الرحلات، وهو أدب الرحلات “الذهنية”، وربما جاء منها الحدس كما قال:

“دكتور هذه ذنابة.

وقع الخبرعلي متناقض التأثير، الحزن يلفني، الفرح، التوتر، الدمع يجول في عيني. هل أنا في ذنابة التي لا حدود بينها وبين طولكرم، بل قل إن هي إلا ضاحية من ضواحيها. نظرت حولي وأمامي وقلت لأصدقائي:

– أرجوك أنا سأعرف بيتنا دون أن يدلني أحد عليه.

– ولكن هل عشت فيه سابقاً؟

– لا، ولكني أعرفه وأعرف موقعه وتفاصيله.

– يا أخي انظر كل بيوت ذنابة القديمة متشابهة تقريباً.

– لا، إلا بيتنا فهو مختلف.. اسمع اصعد إلى ذاك البيت العالي، إنه هو فالطريق إلى بيتنا صعوداً.

– يا أخي «خلينا نسأل..».

– لا.. لا تسأل.. ها هو.

– قف هذا بيتنا ها هي أقواسه وأحجاره الكبيرة وارتفاعه. صرخت وأنا أجهش بالبكاء الشديد والعالي، هذا بيتنا هذا بيتنا، نزلت من السيارة قبل أن تتوقف، كدت أختنق جف اللعاب في فمي، ركضت ودخلت البيت الكبير وتركتهم خلفي ويبدو أنهم لم يكونوا على ثقة من حدسي”.

تصورات ومفارقات

فرضت ذاكرة المكان المكتسبة على الرحلات الذهنية، تصورات مسبقة، منها ما تحققت إلى حدٍ كبير على أرض الواقع، ومنها ما تداعت بشكل جزئي، ومنها ما غابت تماماً.

لدينا صديق زار قرية والديه الراحلَين، اسمها “دلاّثا” قضاء صفد، وعرف مكان شجرة البطم الضخمة التي كانت مقراً لكل الاحتفالات، ودلّهم على التلة التي كان يتربع على سفحها بيتهم، وإن لم يجد آثاراً للشجرة المقطوعة، فقد وجد على سفح تلك التلة بقايا أساس لبيت أهله وقربها بئر الماء، كما عرف الطريق إلى صخور “الضحضاح” ووجدها كما في ذهنه تماماً: بلاطات طبيعية كبيرة حولها الأشجار الوارفة والينابيع والآبار والمياه الصافية المتجمعة بين تلك الصخور.

جارتنا في مخيم العائدين في اللاذقية، “شهرزاد أبو الحسن” ناهزت الستين سنة الآن، وتحمل الجنسية الكندية. زارت مع أولادها قرية الطنطورة، قرية الأجداد والآباء، وحين وصلت أدركت الاتجاهات تماماً: ها هو “الكركون” شبه جزيرة في البحر مقابلة لبيت أهلها، كانت النساء يصطدن منها السمك أنّى شئن. هرعت باتجاه البيت لم تجده، لم تجد إلا قبر جدها بين أشجار النخيل العالية التي كانت تمتد مع بيوت القرية حتى ضفة النهر.

شهرزاد أبو الحسن على شاطئ بحر (7)الطنطورة[8698].jpg
شهرزاد أبو الحسن على شاطئ الطنطورة

يا الله، لماذا هدّموا كل البيوت وتركوا قبر جدها “محمود نمر العبد الله” وحسب؟ لماذا تركوا بقايا قناطر من بيت “اليحيى”، وبرج “الصعّبية” الذي لم يتوقع أي أحد من أهلها الراحلين أنه ما زال باسمه شامخاً ينظر إلى البحر؟ ولماذا مقبرة الشهداء التاريخية الشاهد الحقيقي على مجزرة الطنطورة تحولت إلى كراج للسيارات؟ أسئلة لم ولن تستطع شهرزاد الإجابة عليها وسط دهشتها ودموعها واضطرابها.

نجمة الغرارة

من المفارقات الجميلة أن ثمة طقوساً مشتركة بين عدة بلدات وقرى على جبل الكرمل قضاء حيفا، ومن هذه الطقوس سفرهم إلى المدينة، ومنها رحلة سفر يومية أو أسبوعية لبيع المحصول أو التسوّق أو العمل، أو لمراجعة جهات حكومية أو خاصة ما، أو زيارة للأهل والمعارف.

وبشكل عام، تكون هذه الرحلة على الجمل أو الحصان أو الحمار، وغالباً تبدأ قبل طلوع الفجر للوصول إلى حيفا والعودة في اليوم نفسه، وميقات بدء تلك الرحلة هو نجمة الصبح. ولكن ثمة نجمة ثانية تشبهها تماماً وتلعب دورها، اسمها “الغرارة”، تظهر في السماء وفي المكان نفسه بحلول منتصف الليل تقريباً.

هذا يعني أن من بدأ الرحلة بظهور “الغرارة” لن يكون هو ودابته بين الجبال والأحراش مع إشراقة الفجر، بل سيعيش ساعات خوف ورعب متباينة تبعاً للمكان الذي هو فيه، ونوعية حيواناته المفترسة من ذئاب وسباع وضباع.

كثيرة هي القصص والحكايات التي ارتبطت بتلك الساعات؛ عن سبع أكل الحمار وترك صاحبه يمضي، وعن ضبعٍ “ضَبَعَ” مسافراً فسار خلفه وكأنه منوّمٌ مغناطيسياً، وحين اصطدم رأسه بمدخل مغارة الضبع استيقظ من غفلته وفرّ هارباً. إضافة إلى قصص أصحاب البنادق الإنجليزية والمسدسات وبواريد “الجُفت” وتبادلهم الرعب والحياة والموت مع حيوانات تلك الغابات، والنجمة الغرارة تتابع الجميع كشاهد محايد.

صخور قرية دلاّثا قضاء صفد (6)[8697].JPG
(دلاثا) قضاء صفد

العديد من المعارف والأقارب زاروا تلك الأماكن، ورغم أن الطرق إلى حيفا صارت عبر شوارع معبدة ومنارة، إلا أن التضاريس العامة ظلت عالقة في أذهانهم واستطاعوا الجمع بين الذاكرة الشفوية وذاكرة المكان الحقيقية. منهم من ذهب إلى وادي النحل الممتد من هذه القرى عبر الكرمل إلى حيفا وشعر فعلاً بالنعاس، كما روى أهله، نتيجة الهواء الرطب القادم من البحر حاملاً معه روائح الأعشاب والأزهار البرية العطرة الندية والأخاذة التي تحتضنهم وتأخذهم الى نوم لذيذ وعميق، يحلمون فيه بالعودة إلى الوطن من جديد.

Author: محمود أبو حامد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *