الرئيس الفلسطيني في خطاباته… إذ يقول كل شيء ولا يفعل شيئاً


اشترك معنا في قناة تلغرام: اضغط للاشتراك حمل تطبيق الملتقى الفلسطيني على آندرويد: اضغط للتحميل

تبدو كلمات الرئيس الفلسطيني محمود عباس، التي يلقيها في الاجتماع السنوي للجمعية العمومية للأمم المتحدة، كخطابات شكلية، مكرّرة ومدوّرة، لا جديد فيها، وكأنّها تأتي استجابةً لوظيفة روتينية، كاتبها يضنّ بمراجعة ما كتبه في الأعوام السابقة، في المناسبة ذاتها، كما يضنّ بقراءته للواقع بتحوّلاته ومعطياته.

ففي كل عام، مثل هذا الوقت، يذهب الرئيس نحو شرح قضية الشعب الفلسطيني، لكنه في كل مرّة يتحدث فيها عن أصل الحكاية، بدءاً من النكبة (1948)، بإقامة إسرائيل على حساب الشعب الفلسطيني، وولادة مشكلة اللاجئين، ثم ينتقل إلى الحديث عن احتلال إسرائيل لباقي الأراضي الفلسطينية في الضفة وغزة والقدس الشرقية (1967)، تاركاً شعبه، والعالم، في حيرة وضياع، بين القضيتين، علماً أنّ كل دول العالم، تعرف القصة الفلسطينية، وتطوراتها، على الأقل من القرارات التي اتخذتها الأمم المتحدة منذ إنشائها (1945).

المسألة هنا تكمن في نكوص القيادة الفلسطينية عن الرواية الوطنية المؤسسة، والفصل بين المسألتين، وعدم الربط بين الحقيقة والعدالة، وإنتاج رؤية سياسية تعكس ذلك في النظر إلى مستقبل فلسطين، والفلسطينيين واليهود، بين النهر والبحر، علماً أنّ إسرائيل لا تفصل في ذلك، إلاّ شكلياً، فهي تتعامل مع فلسطين كشعب وأرض وقضية، كوحدة واحدة، فكل الفلسطينيين أعداء لها، وهي تصارعهم على كل شبر في فلسطين التاريخية.

أيضاً، يقف الرئيس، كل مرّة، متوسلاً المجتمع الدولي “احمونا”، مع علمه أنّ هذا المجتمع لم يفعل شيئاً إزاء إسرائيل، سوى إصدار البيانات والقرارات، منذ 75 سنة (النكبة)، أو منذ 56 سنة (الاحتلال)، أو منذ 30 سنة (عقد اتفاق أوسلو 1993)، بحكم احتضان الولايات المتحدة، والدول الغربية عموماً، لإسرائيل، لكنها ناجمة، أيضاً، عن نجاح إسرائيل في وضع نفسها كنقطة تقاطع دولية، بسبب تطورها العلمي والتكنولوجي والاقتصادي، بحيث بات لها علاقات متميزة مع روسيا والصين والهند، ومع أغلبية دول العالم. كما أنّ ذلك ناجم عن تفكّك ولا مبالاة النظام العربي، وضعف الحركة الوطنية الفلسطينية، وتخلّف إدارتها وطرق عملها وقدرتها على تقديم ذاتها بطريقة لائقة للعالم.

المفارقة أنّ خطاب “احمونا” يتصاحب أحياناً مع خطابات تهديدية، تبدو خلّبية، أو على طريقة “امسكونا”، أو كخطابات استهلاكية، أكثر من كونها عملية أو مقصودة. ففي خطابه (2011) مثلاً، في الجمعية العامة للأمم المتحدة، هدّد الرئيس الفلسطيني بنبذ عملية المفاوضات، ما لم تتضمّن مرجعية القرارات الدولية وتحديد جدول زمني ملزم، ووقفاً للاستيطان، وانسحاباً إسرائيلياً كاملاً من الأراضي المحتلة (1967) وإقامة دولة مستقلّة فيها. وفي العام 2013، أي قبل عشرة أعوام، أو بعد عشرين عاماً على إقامة السلطة، هدّد بسحب الاعتراف الفلسطيني بإسرائيل، والتخلّي عن كيان السلطة وتسليم مفاتيحها لإسرائيل، لوضعها أمام مسؤولياتها إزاء الفلسطينيين، بموجب القانون الدولي، بوصفها دولة احتلال، والتحوّل من خيار الدولة المستقلّة (في الضفة والقطاع) إلى خيار الدولة الواحدة في كامل أرض فلسطين التاريخية.

وفي العام 2021 هدّد مجدّداً بمراجعة الاعتراف بإسرائيل، ووقف التنسيق الأمني، واتفاقية باريس الاقتصادية، ومنح العالم مهلة قدرها عاماً واحداً لإنفاذ ذلك، وإلاّ!، كما يأتي ضمن ذلك التهديد المتكرّر برفع دعاوى على إسرائيل، وعلى إسرائيليين، في المحاكم الدولية، علماً أنّ الرئيس ذاته وضع كل القرارات التي اتخذها المجلس المركزي الفلسطيني في دورات اجتماعاته المتعاقبة (منذ العام 2015)، ومعها قرارات المجلس الوطني الفلسطيني (2018)، في الأدراج. وفي العام الماضي (2022) أكّد الرئيس على العودة إلى قراري المجتمع الدولي، 181 (لعام 1947) الخاص بتقسيم فلسطين إلى دولتين يهودية وعربية، و 194 (لعام 1949) القاضي بحق العودة للاجئين الفلسطينيين، ونقل المسألة الفلسطينية للجمعية العمومية للأمم المتحدة، لأخذ الاعتراف منها بترقية عضوية دولة فلسطين من عضو مراقب (تمّ الاعتراف بها كذلك في العام 2012)، إلى دولة كاملة العضوية.

مشكلة تلك الخطابات لا تكمن في نصوصها، وإنما في أنّ لا أحد يعرف إلى من يتوجّه الرئيس بها؟ أو إلى من يريد أن يبعث برسائله المتضمنة في خطابه، إلى شعبه، أم إلى شعوب العالم، أم إلى قادة الدول المجتمعين؟ بخاصة أنّ الرئيس في كل خطاباته ما زال يتمسّك بمراهنته على عملية التسوية، وفقاً لاتفاقات أوسلو، التي أطاحت بها إسرائيل منذ زمن طويل، أو منذ ربع قرن، مع انتهاء مرحلة الحل الانتقالي (1999)، وإنّ كل المسائل، أو التظلّمات، التي يُشهرها، والمتعلقة بسياسات إسرائيل ضدّ الشعب الفلسطيني، كانت قبل توقيع اتفاق أوسلو، أي أنّ القيادة الفلسطينية عندما وقّعت على اتفاق أوسلو (1993) تجاوزت تلك التظلّمات، ولم تطالب بالبتّ في شأنها (الاستيطان، القدس، الحدود، الأمن، ماهية الحل النهائي)، ويأتي ضمن ذلك عدم ربط الاتفاق بمرجعية القرارات الصادرة عن الأمم المتحدة، منذ العام 1948.

لكن المشكلة الأكبر تكمن في أنّ الرئيس، الذي يملك مفاتيح كل الكيانات الوطنية الجمعية الفلسطينية (المنظمة والسلطة وحركة فتح)، ويهيمن على قراراتها، هو ذاته، والطبقة السياسية الملتفة حوله، الجهة المسؤولة عن ضعف تلك الكيانات، وعن فقدان أوراق القوة التي كانت لدى القيادة الفلسطينية، بحكم تهميش منظمة التحرير، وتحوّل الحركة الوطنية إلى سلطة تحت الاحتلال، وبحكم تقييد إمكانات تطور المجتمع المدني الفلسطيني، وإزاحة مجتمعات اللاجئين من المعادلات السياسية الفلسطينية، ويشمل ذلك المسؤولية عن الانقسام، وحلّ الرئيس للمجلس التشريعي وكذلك لمجلس القضاء الأعلى، ووقفه الانتخابات (2021)، وتآكل شرعية النظام السياسي الفلسطيني، مع رئيس للمنظمة والسلطة منذ 18 عاماً!

في السياق، ثمة مسألة أخرى، يجدر ذكرها هنا، إذ أنّ الرئيس لم يترك شيئاً إلاّ وفعله لكسب ثقة إسرائيل، لكنه لم يفعل ما يجب عليه لتعزيز مكانة شعب فلسطيني وكياناته السياسية. ففي كلمة له أمام وفد يتألّف من 300 طالب إسرائيلي (في مقرّه في رام الله 2014)، أكّد أنّ التسوية مع الفلسطينيين ستأتي “باعتراف كل الدول العربية والإسلامية، لأنّ مجرّد أن تشاهد هذه الدول، السلام الفلسطيني- الإسرائيلي ستهرع وبسرعة لكي تطبّع علاقاتها مع دولة إسرائيل، وهذه ليست تمنيات وإنما واقع… يجب أن نرى أهمية السلام… من موريتانيا حتى إندونيسيا، هذه هي رغبتنا وهذا هو الأمل الذي نسعى لنحققه”. وهنا تأتي مسؤولية تلك القيادة عن التطبيع مع إسرائيل. وفي اللقاء ذاته تحدث الرئيس عن قضية اللاجئين، قائلاً: “هناك دعاية تقول إنّ أبو مازن يريد أن يعيد إلى اسرائيل 5 ملايين لاجئ لتدميرها، هذا الكلام لم يحصل إطلاقاً، كل الذي قلناه هو، تعالوا لنضع ملف اللاجئين على الطاولة… لنضع حداً للصراع، ولكي يكون اللاجئون راضين عن اتفاق السلام. لكن لن نسعى أو نعمل على أن نُغرق إسرائيل بالملايين لنغيّر تركيبتها السكانية، هذا كلام هراء”. (“وفا”، 17/2/2014).

كان المشهد الفلسطيني في الأمم المتحدة يمكن أن يكون أفضل لو أنّ القيادة الفلسطينية هيأت شعبها لخيارات موازية أو بديلة، ولو انّها اشتغلت جيداً على إعادة بناء كياناتها، واستعادة وحدتها، على أسّس وطنية وتمثيلية وديموقراطية، وأسندت حركتها الديبلوماسية إلى حاضنة شعبية فاعلة، ولو أنّ رؤيتها للتسوية انبثقت من استراتيجية سياسية مستقبلية تجيب عن مختلف الأسئلة الفلسطينية، وتحظى بإجماع الفلسطينيين في أماكن تواجدهم كافة، على أساس استعادة الرواية التاريخية الجامعة، القائمة على وحدة الشعب والأرض والقضية.

عن النهار العربي

اشترك معنا في قناة تلغرام: اضغط للاشتراك

حمل تطبيق الملتقى الفلسطيني على آندرويد: اضغط للتحميل

Author: ماجد كيالي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *