الذكرى الخمسون ليوم الأرض: عام توثيق الرواية وترسيخها


من الأهمية بمكان الاهتمام غير المسبوق برواية يوم الأرض وتوثيقها بعد مرور نصف قرن عن الحدث والحالة التي رافقته. كما أن الاجتهاد في إعادة قراءة الحدث هو عابر للحدود؛ محلياً وفلسطينيا على امتداد تواجد شعب فلسطين؛ وعربيا وعالميا. وهو الحدث الذي تاريخياً تمت المبادرة اليه محلياً بقيادة اللجنة القطرية للدفاع عن الأراضي بتماسك قيادي وشعبي فوق العادي، وخلال عامين اعتمده المجلس الوطني الفلسطيني من الأيام الوطنية لكل الشعب وليتحول مع الأيام الى يوم تضامن عالمي مع الشعب الفلسطيني وقضيته العادلة. كما رسّخ يوم الأرض ثقافة تخليد الشهداء في هذا الجزء من الشعب الفلسطيني والتي تعود جماهيريا الى تخليد شهداء مجزرة كفر قاسم 1956.
أحسنت لجنة المتابعة العليا صنعا هذا العام بإصدار كراسة توثيقية ليوم الأرض ستصل الى كل طالبة وطالبة في مدراسنا والى كل بيت ليتعلم منها الكبار كما الصغار سنّاً. بطبيعة الحال ليس من السهل بل غالبا ما يكون من الاستعصاء اصدار وثيقة تحمل رواية شعب ومتوافق عليها في ظل التعددية السياسية والتياراتية القائمة. بتقديري أن أحد أهم الخطوات في هذه الذكرى، وتحت وطأة الحرب وحالة الطوارئ المطبقة فعليا بغض النظر عن تسميتها حيث لا مكان للمَسيرات الا في النفوس وفي وجدان الشعب الذي لا سيطرة لأية طوارئ عليه. بناء عليه ما ميز احياء الذكرى السنوية الخمسين هو العودة الى الحكاية واستنهاضها بلسان من عايشوا يوم الأرض 1976 وكانوا جزءا من صنع الحدث ومن تابعوها عن كثب، والكثير من هذه الشهادات كانت من نساء بطلات والكثير منها من رجال ابطال. وبخلاف قصص النكبة حيث روتها المرأة أفضل من الرجل وبطلاقة أكبر فعند الانتصارات ينطق الجميع وبحق. فيما ما يميز يوم الأرض في هذا الصدد هو أنه جرى توثيقه استنادا الى الشهادة الحية للضحايا وصناع وصانعات الحدث وبات “الكتاب الأسود” الصادر عن لجنة الدفاع عن الأراضي قبل نحو خمسة عقود، بمثابة التوثيق المؤسِّس لما تبعه من اجتهادات.
شهدت الذكرى الخمسون أيضاً نهضة توثيقية تحفظ الحدث بوصفه مشروع الانتصار الأهم على الحق بالأرض والوجود وتصدياً لمشروع التهويد. لتؤكد المؤكَّد بأنه لم يكن يوم احتجاج بل فعل انتصار ومشروع حياة بكل معنى الكلمة، مشروع استعادة الأرض المصادرة تحت مسمى المناطق العسكرية المغلقة (منطقة المَل) والتي بدلا من تهويدها استيطاناً باتت اليوم في خدمة عمران أصحابها أهالي البطوف.
إنه مشروع جرى التحضير الحقيقي له على مدار عام واستنادا الى مراكمة كفاحية امتدت نحو عقدين، وجرى التمهيد له بإقامة بنية تنظيمية كفاحية وعلى أساس شعبي واعٍ. فيما بناء الأسس الكفاحية على مدار سنين طويلة.
حدث مفصلي تأسّسَ على نهضة وانتصار تاريخي
بمرور نصف قرن من الزمن ومن الذاكرة الجمعية والشخصية، ومن ادبيات يوم الأرض وحوله، وطبيعة المؤسسات التي ظهرت في تلك الفترة والحالة الثقافية الناهضة التي ميّزت المرحلة، فإن يوم الأرض هو الحدث المفصلي الأهم في تاريخ الجماهير العربية الفلسطينية في إسرائيل، وهذا ما يمكن معاينته من خلال فحص الأثر.
جاء يوم الأرض في فترة نهضة ثقافية غير مسبوقة فلسطينيا أسهمت فيها الحالة الثقافية في الداخل بشكل كبير وملموس وريادي أحيانا في الحالة الفلسطينية العامة وكذلك العربية والعالمية. وهي حالة اجتمعت بالأساس حول صحيفة الاتحاد ومجلة الجديد، ومقابلها وضمن حركة التحرر الفلسطيني مجلة فلسطين الثورة والهدف والحرية.
كانت أحداث ممهّدة سبقت يوم الارض ودفعت نحوه سواء في التحولات في بنية وتشكل المجتمع العربي الفلسطيني بما فيها التحولات الطبقية الداخلية، أم في حالة النهضة الفلسطينية متمثلة بحركة التحرر الوطني الفلسطيني المسنودة عالميا، وخطاب ياسر عرفات باسم فلسطين في الأمم المتحدة 13\11\1974 وأثره المعنوي، أم في حرب تشرين 1973 ست سنوات بعد نكسة 1967. فيما محليا كانت عدة أحداث مؤسسة سواء في انتخابات بلدية الناصرة عام 1975 وبلورة صيغة تحالفية وشراكة مصيرية بين الحزب الشيوعي برمزية توفيق زياد وقيادته وبين اتحادات الطلاب الجامعيين والثانويين والتجار والتأطيرات الناشئة في حينه. من أهم دروس تلك التجربة هي الانقلاب بالكفاح الشعبي الواعي على نمط السيطرة والضبط الذي سعت الدولة الى فرضه على هذا الجزء من الشعب الفلسطيني وبروح حزب العمل او المعراخ مؤسس الدولة والتوجه الاذلالي والوصائي الذي مارسه مستخدما أدوات الضبط والرقابة مسنودا بقوة الدولة.
في مقارنة بين الاحداث المفصلية الكبرى مرورا بالنضال لإسقاط الحكم العسكري ومواجهات مظاهرة أول أيار في الناصرة 1958، وبهبّة القدس والاقصى (2000) وبالتصدي لخطة برافر 2013 وهبّة الكرامة 2021 يبقى يوم الأرض هو الحدث المفصلي الأهم والأكثر أثرا في تاريخ الجماهير العربية الفلسطينية بعد العام 1948. حتى وإن كان يطلق عليه تسمية “يوم”، الا انه لا يتوقف عند الثلاثين من اذار 1976، وانما هو فعل ونتاج مسيرة طويلة من الكفاح ومن التحضيرات المكثفة التي دامت أكثر من نصف عام ومن الروح النهضوية المتجددة في التحوّل الى أخذ المبادرة الشعبية والتصدي على أساس وعي متراكم وتأسيس التنظيم الملائم لقيادته على أساس الشراكة الشعبية وحصريا أصحاب الأراضي ضحايا سياسة التهويد المباشرين وعلى أساس التنظيم والقيادة السياسية والميدانية.
في بناء المؤسسات المؤاتية للمرحلة
في النظر الى نوعية المؤسسات التي قامت عشية يوم الأرض وعلى أثره فيما بعد، نجد انها جميعا كانت مؤسسات وتنظيمات قائمة على البعد الشعبي والتنظيم المجتمعي. شكلت لجان الدفاع عن الأراضي في البلدات المختلفة نموذجا في تنظيم الناس بما هو أوسع من تنظيم أصحاب الأراضي المهددة بالمصادرة، واستحالت الى بنية تنظيمة وقاعدة شعبية للجنة القطرية للدفاع عن الأراضي، كما شكلت أطرا جاذبة للكثيرين ممن كانوا يصوتون للأحزاب الصهيونية لينزاحوا الى صفوف العمل الوطني والانتقال الى الجبهة التي تأسست في العام 1977 بمبادرة للحزب الشيوعي، وخاضت انتخابات الكنيست في 17 أيار من العام نفسه ولأول مرة يحصل انقلاب في نمط التصويت العربي لصالح الجبهة، لتكون بذلك الانتخابات الفاصلة ونقطة تحوّل نحو انهيار الأحزاب الصهيونية بين الجماهير العربية وحصريا حزب العمل الحاكم، الذي شكلت الانتخابات ذاتها الانقلاب السياسي الأكبر في تاريخ إسرائيل بصعود الليكود الى الحكم ولأول مرة، وبداية انهيار الحزب المؤسس للدولة، والذي بنى علاقته بالعرب الفلسطينيين على أسس من الرقابة والضبط المحكمين وبالعنصرية المؤسساتية العميقة. فيما التنظيمات الأخرى التي بلغت تعزز دورها في تلك الأيام فقد كانت اللجنة القطرية للطلاب الثانويين العرب، واتحاد ولجان الطلاب العرب في الجامعات الإسرائيلية والتي شكلت الهيئات الوحيدة المنتخبة مباشرةً من قبل جمهورها، فيما كانت مساع لاحقة لاقامة اتحاد المهندسين العرب واتحاد المحامي العرب والفنانين، وتكررت فيما بعد.
فيما السلطات المحلية العربية قد شهدت تحولا جوهريا نحو شعار الكرامة والخدمات الذي انطلق من بلدية الناصرة ومخيمات العمل التطوعي التي تحولت الى حدث فلسطيني جامع للداخل والضفة والقدس ولحركات التضامن العالمي.
وإن كانت اللجنة القطرية لرؤساء السلطات المحلية العربية قد أقيمت في العام 1974 بإيعاز من مكتب رئيس الحكومة للشؤون العربية وهو الفريق الاستخباراتي السياسي الذي شكل قيادة مركزية للرقابة والضبط و”محاربة التطرف”، وقد أقيمت وفقا للرؤية الحاكمة أداة ضبط طوعي داخلي، لكنها انقلبت في انتخابات 1977 وباتت بأغلبية تدعم الجبهة حديثة العهد وشهدت انزياح عدد كبير من رؤساء المجالس المحلية الى صالح العمل الوطني، وللحقيقة تم حسم هويتها بعد انتخابات بلدية الناصرة في حينه وعشية يوم الأرض لتصبح هيئة كما يريدها شعبها، وفي أساس إقامة لجنة المتابعة العليا بعد ذلك بخمس سنوات.
من سمات المؤسسات التي رافقت مرحلة يوم الأرض هو شعبيتها واستدامتها واعتمادها بالكامل على مقوماتها الذاتية ودعم جمهورها. وهي مرحلة تكاد تكون انتهت في نهاية التسعينيات.
يوم الأرض سبق التعددية السياسية الواسعة
بغض النظر عن الانتماءات الحزبية والحركية لمن يكتب او تكتب عن يوم الارض، فإنه وبصفته مشروعا وحدثا كانت ملامحه من ميزات مرحلة ما قبل التعددية الواسعة. يطرح التساؤل؛ كيف يمكن تفسير ان يوم الأرض تحقق في مرحلة ما قبل التعددية السياسية وقبل نشوء الغالبية الكبرى من الأحزاب والحركات، باستثناء الحزب الشيوعي وأبناء البلد. رغم التفاوت في حجم وشعبية التنظيمين، وللتنويه الى النقاش والحوار والصراع الفكري والسياسي وحصريا في صفوف الحركة الطلابية العربية في الجامعات الإسرائيلية في مرحلة النهضة، وكون هذا الجدل والتفاعل كان من أهم وأعمق ما حصل من نقاشات سياسية عقائدية في تاريخ جماهير شعبنا.
لقد كان الحزب الشيوعي هو الحزب القائد وفي مواجهة كل أحزاب السلطة الصهيونية، وكان الحزب القائد ليوم الأرض بكل مراحله. كما حظي في حينه بثقة جموع الناس الذين شاركهم الخطوات والتنظيم محليا وقطريا، وحظي بثقة قيادة حركة التحرر الوطني الفلسطيني التي تبنت يوم الأرض لاحقا (1978)، كما استقطب تأييدا ملحوظا من أوساط يهودية إسرائيلية ساندن النضال ضد التهويد. هذه حقيقة لا تندرج ضمن إعادة كتابة التاريخ. كما كانت حركة أبناء البلد في طور قوتها الأكبر مقارنة بمراحل أخرى، وكانت قيادات من حركة الأرض المحظورة إسرائيليا لكن ليس كتنظيم. وكانت عناصر من حزب العمال الموحد مبام او مقربة منه.
هذه الحقيقة تطرح تساؤلات حول الواقع اليوم حين تتداول لجنة المتابعة مسائل مثل العصيان المدني في مواجهة خطر وجودي جماعي، او التخطيطي الكفاحي بعيد الأمد، وفي مسألة الجريمة ومنظومتها، او مسألة تدويل قضايا الجماهير العربية الفلسطينية والحماية. وقد يكون يوم الأرض مصدر إلهام جوهري ليس لاستنساخ المحاولة التي لا تبدو ممكنة، بل استخلاص العبر ودروس يوم الأرض الكفاحية.
فلسطينيا ترسخ نمط العلاقة على أساس تقاسم الأدوار لا الاندماج وعلى أساس نمط “الروافد” أي ان الفلسطينيين في الداخل يرفدون قضية فلسطين ونضال الشعب الفلسطيني من موقعهم ووفقا لخصوصية وضعيتهم وكما كل مجموعة فلسطينية اخرى. في العام 1978 اعتمد المجلس الوطني الفلسطيني يوم الأرض بصفته يوما من أيام الشعب الفلسطيني يحتفى به في كافة أماكن تواجده ولاحقا تحول الى يوم عربي وعالمي للتضامن مع الشعب الفلسطيني.
عن الاتحاد