الديموقراطية: عبقرية إدارة الكراهيات في المجتمع


اشترك معنا في قناة تلغرام: اضغط للاشتراك حمل تطبيق الملتقى الفلسطيني على آندرويد: اضغط للتحميل

(على هامش الانقلاب على الديموقراطية في تونس، اعيد نشر هذا المقال والموجود أيضا في كتابي “المثقف القلق”، 2018.)

    ثقافة عقود الاستبداد الطويلة في المنطقة العربية عملت على تشويه تفكير الناس إزاء فكرة “ما الحل؟” وتشويه أسقف توقعاتهم إزاء كل تغيير يعقب تهاوي أي نظام استبدادي. عقل النظام المُستبد وآليات التعليم المدني والديني فضلا عن إعلامه كان وما زال يعمل على ترسيخ قواعد أيديولوجية شبه مقدسة في التفكير الجمعي للناس، ومن ضمن هذه القواعد اثنتان تقف عندهما هذه السطور: الأولى أن النظام الاستبدادي هو الحل الوحيد المطروح أمام المجتمع، فهو حاضرهم، ومستقبلهم، وفيه خلاصهم وسعادتهم رغما عنهم، ولا مناص لهم عنه. والقاعدة الثانية هي الفكرة الأبوية التي يكرس بها علاقات الناس مع النظام كأفراد عائلة متحابين يستمعون ويطيعون الأب الحنون، الذي وإن قسى في بعض الأحيان، فإنه يفعل ذلك لمصلحة الأبناء غير الناضجين. لم تقتصر هذه الأفكار المؤسسة للثقافة المُستبدة وشقيقاتها وآلياتها على استخدام الأنظمة السلطوية والأبوية مديدة العمر، بل كانت قيد الاشتغال أيضاً وبنشاط ملفت في قلب الأيديولوجيات الحزبية حيث أنتجت منظمات سلطوية لا تقل استبداداً عن الأنظمة التي تعارضها. القاسم المشترك الأعرض بين الأنظمة السلطوية والأحزاب المعارضة لها كان ثقافة الاستبداد. النظام السياسي كان يفوز دوماً بالضربة القاضية لكونه المالك الحصري لاستخدام العنف والسلطة في المجتمع. وعندما تختلف شروط اللعبة كما حدث في بعض المجتمعات مع الانتفاضات العربية وتختل تراتبية الاستبدادات وسيطرة أي منها على السلطة والقوة في المجتمع، ومع الانفلات التي تتيحه الانتخابات والمرحلة الأولى من الدمقرطة، يفيض التثاقف الاستبدادي العفن الذي لم يتعود الاعتراف بالآخر، ويرى في ذاته “الحل الخلاصي” الوحيد، وننتهي إلى ما يمكن ان نصفه ب “صدام الاستبدادات” في الشوارع والميادين كما رأينا في الحالة المصرية: استبداد الليبرالية الشائهة (التي هي خليط غير منسجم من القوى المدنية، والمباركية، والجيش)، واستبداد القوى الدينية. المُرعب والمهول في المشهد، لكنه الناتج الطبيعي عن عقود الاستبداد وثقافته، يتمثل في البدائية السياسية واندفاع الغرائزية والحس الانتقامي والكيدي الذي يقود الطرفين، ناهيك عن عدم امتلاك أي منهما “الحل” أو الحد الأدنى من الثقافة الديموقراطية التي لا تعترف بفكرة “الحل الخلاصي”.

    فوضى السياسة والفكر والدين في حقبة ما بعد الربيع العربي تشير إلى الخراب العميق الذي أنتجته عقود الاستبداد على صعيد تدمير أية عناصر مؤسسة لثقافة الديموقراطية والتعدد، وخاصة في اشتغال القاعدتين اللتين تكملان بعضهما بعضاً: قاعدة لا حلّ إلا أنا، وقاعدة النظام بكونه أب المجتمع. القاعدتان هما النقيض المباشر لفكرة الديموقراطية التي تؤسس وبالتعريف قناعة مشتركة بين الخصوم السياسيين والأيديولوجيين تنفي وجود “حل خلاصي”. ليس هناك حل سحري يملكه أي طرف فوق هذه الأرض وفي أي مجتمع من مجتمعاتها يمكن من خلال تطبيقه إنهاء معضلات المجتمع من فقر واقتصاد وعدالة وحريات واستقلال تام وسيادة، وبحيث يرضى به الجميع. الثقافة الديموقراطية أكثر واقعية وابتعاداً عن فكرة “الحل الخلاصي”، ذاك أن ما تقول به وتريد أن ترسخه هو شيء مختلف جوهرياً، وهو أن كل ما يمكن للخصوم السياسيين والأعداء الأيديولوجيين أن يقوموا به هو حلول جزئية لإنهاء تلك المعضلات. يتفوق بعضها على بعضها الآخر بالنقاط والنسب المئوية وليس بالضربة القاضية. والنظام الديموقراطي، الذي يقرّ بأنه لا يحمل في ذاته أي شكل من أشكال “الحل الخلاصي” وأنه كثير العيوب، يبقى الأفضل نسبياً لحدّ الآن في كل النظم التي طبقها البشر، إذ يوفر في الحد الأدنى ميدان الصراع والمنافسة بين المتصارعين ويضبطه وينظمه بالطرق السلمية.

    من العيوب الأساسية للنظام الديموقراطي أنه يوفّر للخطاب الشعبوي فضاءً واسعاً للانتشار وجلب الأنصار وتحقيق الفوز الانتخابي. وعندما يتم توظيف الدين في قلب الخطابات الشعبوية، كما في المجتمعات العربية، وعلى خلفية تراكمات تاريخية عديدة اعتاشت عليها التيارات الدينية، فإن النتيجة غير المفاجئة في المرحلة الأولى من الديموقراطية هي الانتصارات الانتخابية لهذه التيارات. الحل الوحيد لتقليم الخطابات الشعبوية هو كشفها أمام الناخبين والناس سلمياً وانتخابياً، وترقية الوعي العام وإزاحته تدريجياً من الإيمان بـ“الحل الخلاصي” الذي تعد به التيارات الدينية، إلى الإيمان بـ“الحلول النسبية والنصفية”. ولا يمكن تحقيق ذلك إلا بالصبر الوئيد (والمُستفز للأعصاب) على مراحل التحول الديموقراطي. خلال المرحلة الأولى من الديموقراطية تحدث إزاحات كبيرة أيضاً في قلب التيارات الأيديولوجية التي يدرك كثير من منسوبيها طوباوية شعارات الحل الخلاصي (الإسلام هو الحل مثلاً) وينتقلون إلى تفكير أكثر واقعية، كما حدث مع بعض أجنحة التيار السلفي في مصر أيضاً، وشرائح شبابية من الإخوان المسلمين أنفسهم. لكن الثقافة المتوارثة عن عقود الاستبداد الطويل لا تتحمل الانتقال الوئيد والجزئي، ولا تتحمل رؤية الخصم السياسي في الأفق وتريد أن تعزله وتقصيه تماماً، لهذا ترتد إلى الغرائزية وتتفلّت بسرعة من قيود النظام الديموقراطي الجديد عليها، وتسيطر عليها فكرة الحسم سواء عبر القوة المسلحة للمعارضة ان توفرت لها، او عبر الجيش لقوى الدولة العميقة التي تعاود الارتماء في احضانه وتسلم له القياد.

    القاعدة، أو الخرافة، الثانية التي تؤسسها أنظمة الاستبداد والسلطوية تقوم على فكرة القائد الأب، والنظام الأبوي، الذي يرعى المجتمع بأسره بكون أفراده هم الأبناء، وأن المجتمع مع إدارته الاستبدادية هو العائلة الكبيرة للوطن. والعائلة وبالتعريف، الساذج والخرافي أيضاً، يجب أن تكون مُتحابّة ومنسجمة مع بعضها بعضاً، وأنه من حق الأب أن يؤدّب “بعض” الأبناء العصاة المنحرفين عن الطريق المستقيم للعائلة، حتى يضمن الانسجام والحب داخلها. تتمتع هذه الخرافة، رغم هشاشتها وتعارضها مع بداهة الحياة، بقوة هائلة، وتُستخدم دوماً لضرب الفكرة الديموقراطية، لأن هذه الأخيرة تسبب الشقاق والخلاف، وتنشأ في ظلها الأحزاب والحركات التي تقسم المجتمع “المُتحابّ” وتضعفه. يُقارن سدنة المجتمع الأبوي الاستقرار و”الانسجام” الذي يوفّره مع الفوضى والشقاق والحزبية التي تنتجها الديموقراطية، لتخويف الناس المُعتادين على عقود الاستبداد الطويل، ولإقناعهم بأن “غول الديموقراطية” سوف يأتي عليهم جميعاً ويحطّم المجتمع “المتماسك” إن تمّ السماح له بالدخول.

    “مجتمع العائلة المُتحاب والمتماسك” لا أساس له تاريخياً، فالعائلة هي نطاق للكراهية كما هي نطاق للحب والانسجام. ولنا أن نتذكر أن جريمة القتل الأولى في تاريخ البشر حدثت داخل العائلة الأولى على الأرض، بين قابيل وهابيل. ولنا أن نتذكر أن انتساب المسلمين واليهود إلى جد واحد وكونهم أبناء عمومة، لم يمنعهم من تأسيس عداوة وكراهية متأبّدة يعرفها الجميع. ويستطيع كلّ منا أن يتذكّر حالات لا تعد ولا تحصى، من العداوات والصراعات في نطاق “العائلة” على المستويات الفردية والجماعية الأصغر. ما تقدمه الديموقراطية، وعلى الضد من نظرية “المجتمع الأبوي” الاستبدادية، هو الإقرار وبشجاعة بكل تلك الاختلافات والكراهيات “داخل العائلة” ومواجهتها تحت الشمس وفوق الأرض ومن دون ادّعاءات. تتصدى لمهمة تاريخية وعبقرية في حياة البشر واجتماعهم السياسي وهي تنظيم تلك الخلافات والصراعات بطريقة سلمية. بكلمة أخرى، الديموقراطية هي النظام السياسي الوحيد الذي ينظّم الكراهيات داخل المجتمع ويدجّنها ويؤسس لها قنوات سلمية حتى لا تنفجر في الجميع. والبديل عن ذلك التنظيم والتدجين العملي أحد أمرين: الأول هو تأبيد الاستبداد حيث يحتكر فريق ما في المجتمع (طائفة، أو عائلة، أو حزب أيديولوجي، أو طغمة عسكرية) الحكم والسياسة والموارد ويتجبر في بقية الفرقاء، ولا يشارك أحداً في السياسة ولا يسمح لأي “انشقاق” في العائلة أو تمرد على “أبيها”، بل يدفن كل ذلك تحت السطح مؤجلا الانفجار المحتوم. والثاني هو انفجار تلك الصراعات والكراهيات على شكل حروب أهلية دموية تستنزف الجميع، ولا تنتهي إلا بانتصار دموي تدميري لطرف على الأطراف الأخرى وإخضاعها لـ“أبوّته” ردحاً طويلاً من الزمن لحين بروز “أب” جديد أكثر دموية وتدميراً. الديموقراطية ليست حلآ آنيا للمعضلات الآنية التي تواجه المجتمعات، لكنها توفر الفضاء المطلوب لتنافس الحلول المختلفة ضمن بيئة يتمتع فيها الافراد بالحرية، وتوفر آلية عبقرية لتدجين الخلافات والصراعات حتى لا تنزلق نحو مسار الدم والعنف. ولأنها لا تقدم حلولاً آنية فإن الديموقراطية مملة، خاصة في مراحلة بنائها الأولى والطويلة، ويصبح من السهل البطش بها. المتسرعون نحو الحلول الآنية او الحسم او التخلص من الخصم الأيديولوجي وغيرهم كثير يتموضعون عمليا، حتى لو انكروا ذلك لفظيا، ضد الديموقراطية الوئيدة. اما الاستبداد فإنه يعيد تجديد ذاته بعد كل هزيمة ويعتاش على الفكرة الساذجة التي يتم ترويجها بسرعة وهي ضرورة “الحسم” ومعها وبها يعود “الجيش” على صدر المجتمع ويتأبد الاستبداد.

اشترك معنا في قناة تلغرام: اضغط للاشتراك

حمل تطبيق الملتقى الفلسطيني على آندرويد: اضغط للتحميل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *