الدولة كحق لا كمشروع: لماذا يسبق حقّ العودة حقَّ الدولة؟

لم تعد الدولة الفلسطينية، في الواقع السياسي القائم، مشروعًا قريب التحقيق كما جرى تقديمها لعقود. لقد تحوّلت تدريجيًا من هدفٍ سياسيّ قابلٍ للإنجاز إلى “حقٍّ تاريخيّ وسياسيّ” يشبه في طبيعته حقَّ العودة: حقٌّ ثابت لا يسقط، لكن شروط تحقيقه غائبة أو مؤجَّلة بفعل موازين القوى والوقائع المفروضة على الأرض.
وهنا يجب التمييز بين أمرين:
هناك فرق بين أن تكون الدولة “حقًا” وبين أن تكون “مشروعًا عمليًا قابلًا للتحقق”.
فالحقوق قد تبقى ثابتة حتى عندما يتعذر تحقيقها، أما المشاريع السياسية فتحتاج إلى ميزان قوى، وإرادة دولية، وقدرة مادية وتنظيمية تجعلها ممكنة التنفيذ.
الدولة الفلسطينية اليوم تنتمي أكثر إلى المجال الأول؛ أي إلى مجال الحقوق الوطنية الثابتة، لا إلى مجال المشروع السياسي القريب. لذلك فإن التمسك بفكرة الدولة يجب أن يستمر بوصفها حقًا سياسيًا وقانونيًا وأخلاقيًا للشعب الفلسطيني، لا بوصفها وعدًا قريب الإنجاز يجري تسويقه للجمهور على خلاف الواقع.
ومن هنا يصبح الخطاب السياسي أكثر صدقًا وواقعية عندما يعيد ترتيب الأولويات الوطنية.
فحق العودة يسبق حق الدولة، لأن العودة تتعلق أولًا بوجود الفلسطيني نفسه، بإنسانه، بأرضه، وبحقه الطبيعي في العيش في وطنه مهما كان الشكل السياسي القائم. أما الدولة فهي صيغة من صيغ التنظيم السياسي لهذا الوجود، وليست أصل القضية.
لقد أثبتت التجربة أن التركيز الحصري على مشروع الدولة، بوصفه الهدف المركزي الوحيد، قاد إلى اختزال القضية الفلسطينية في حدودٍ وسلطةٍ وترتيباتٍ سياسية، بينما تراجعت قضايا الشعب نفسه: اللاجئ، والمهجّر، وحق الفلسطيني في البقاء والعودة والوجود فوق أرضه.
لهذا فإن المرحلة الحالية تحتاج إلى إعادة تعريف الهدف الوطني بصورة أكثر واقعية وعمقًا:
ليس السؤال الآن: متى ستقوم الدولة؟
بل: كيف نثبت وجود الشعب الفلسطيني في وطنه؟ وكيف نعيد الإنسان الفلسطيني إلى مركز القضية؟
إن أولوية المرحلة يجب أن تكون:
* حماية الوجود الفلسطيني على الأرض.
* تثبيت حق العودة باعتباره جوهر القضية.
* الدفاع عن حق الفلسطيني في العيش في وطنه حتى في ظل غياب الاستقلال الكامل.
* إعادة بناء وحدة الشعب وتنظيم طاقاته حول الحقوق الأساسية غير القابلة للتصفية.
أما الدولة، فتبقى حقًا سياسيًا ثابتًا، وخطابًا ضروريًا في الساحة الدولية والدبلوماسية، لأنها تمثل اعترافًا بحق الشعب الفلسطيني في السيادة والمساواة بين شعوب العالم. لكن التعامل معها يجب أن يكون بوصفها “حقًا تاريخيًا” لا “مشروعًا جاهزًا للتحقق القريب”.
بهذا المعنى، لا يجري التخلي عن الدولة، بل إعادة وضعها في مكانها الصحيح:
حقٌّ ثابت يُتمسَّك به سياسيًا وقانونيًا، دون تحويله إلى وهمٍ سياسيٍّ منفصل عن الواقع.
أما الأولوية الوطنية الملحّة اليوم فهي الإنسان الفلسطيني نفسه:
وجوده، وبقاؤه، وعودته إلى وطنه.