الدولة جديّة في مشروعها لإضعاف مجتمعنا، نحن أيضا بحاجة ان نكون جديين في مجابهة ذلك

اعلنت لجنة المتابعة بالأمس عن تأجيل نشاطاتها ضد حوادث العنف، وذلك بسبب الاحداث العاصفة المتعلقة بفرار السجناء الامنيين من سجن الغلبواع. قرار صائب حاليا، وخصوصا ان الناس مشغولة بمصير ابطال المشهد الملهم، لكن اتمنى لو ان هذا القرار يقود الى تغيير منهجي، وليس بشكل مؤقت فقط.

بعد حوادث العنف والقتل خلال الشهر الماضي تعالت مرة اخرى نداءات قياداتنا للدولة للقيام بدورها، وبادرت بناء على ذلك لجنة المتابعة الى تظاهرة أخرى واغلاق شارع 6 وايلون، وانشطة شعبية اخرى للضغط على الشرطة والدولة للقيام بدورها. على أساس ان الشرطة والدولة من ورائها بدورها ستتجاوب ولو لفظيا، وسوف تعلن مرة اخرى عن اقامة محطات شرطة وعن تجنيد رجال شرطة عرب وعن تعاونها مع الشاباك ووسائله، الخ. هذا حصل في الماضي، وسوف يحصل الان. المهم ان الدولة ستعلن اشياء وستستمر فعليا في نهجها المعروف والموثق في عشرات الدراسات، وبشكل جدي جداً لأجل خدمة اهدافها في السيطرة علينا وتمزيقنا وتفتيت شعبنا.  الشكوى المتصاعدة في هذا السياق والمطالبة في موضوع تفشي العنف لا تؤتي باي ثمار ترجى، بل هي جزء من المشكلة، والحل هو الشروع في تنفيذ مشروع تغيير اجتماعي شامل، قطري ومحلي في كل بلدة، في آن وبتزامن مع اعلان حالة طوارئ والتعامل معها بجدية، من قبلنا نحن، وليس من قبل الدولة. بالتالي إذا لم نغيّر نحن نَسَق وطريقة تفكيرنا في موضوع مكافحة العنف والجريمة فسوف نبقى في نفس المربع، ولن يتغير شيء سوى زيادة مطردة في العنف على انواعه واشكاله. الشكوى التي ترفعها قيادتنا باسمنا بأن الدولة لا تتعامل بجدية مع موضوع العنف، هي جزء من هذا الاشكال المتعلق بنا، بفهمنا وبدورنا في معالجة قضايا مجتمعنا.

باختصار الدولة ومؤسساتها ليست العنوان لمعالجة المشكلة، على الاقل هي ليست العنوان الرئيسي، ومن هذا المنطلق بادرت المتابعة الى وضع مخطط استراتيجي لمكافحة العنف. الدولة جدية جدا في تعاملها مع العنف، هي باختصار معنية فيه وبتفاقمه، هي ومؤسساتها من قام بتنفيذ النكبة وهدم المجتمع الفلسطيني، الدولة فرضت الحكم العسكري وأقامت لجان هدفها تفتيت مجتمعنا واضعافه، الدولة واذرعها والشرطة والشاباك أولها، عملت وتعمل على اضعاف مجتمعنا. نفس السياسات الكولنيالية لمشروع الاستيطان الكولنيالي هي التي تقف ولا زالت، تعمل على تمزيق مجتمعنا الى طوائف وعائلات متصارعة، هي نفسها التي لا زالت تعين في بعض مؤسساتنا التابعة للدولة مخبرين وتفتش عن تجنيد جدد، وهي التي لا زالت تقدم في وزاراتها من يتعاون ويسوق مشاريعها، وتتهاون في متابعة فساد اعوانها في مؤسساتنا وسلطاتنا المحلية، وتحمي عصابات ورؤساء عصابات الاجرام المتعاونين معها. الدولة جدية جدا في مبتغاها واساليبها واهدافها وطرقها. انا على يقين ان كل قياداتنا تفهم ذلك، وحتى تقول اكثر. كلنا نسمع من بعض قياداتنا مقولة “الدولة تعاملنا كأعداء”، اذا كان هذا صادقا، فكيف تريد نفس الاصوات ان يقوم عدونا بإصلاح مجتمعنا من خلال “القيام بدوره” كما تريد هي، وليس كما يفعل هذا العدو؟ امرها غريب هذه الاصوات وهذه القيادات.

برأيي تلجأ قياداتنا الى رفع مستوى الصياح ومطالبة الدولة، لتخفي حقيقة مهمة: هي لا تقوم بدورها، وليست جدية في مكافحة العنف. المسألة باختصار كالتالي:

المشكلة في مجتمعنا ليست العنف، بل هو احد تجليات المشكلة المتمثلة في ضعف مجتمعنا وانهيار بناه وافتقاده الى مرجعيات. في المجتمعات الحديثة هنالك مرجعيات فكرية وسياسية تنظم المجتمعات، وهي تتعلق ببناء مؤسسة وطنية قائدة اولا، وبقيم وطنية مجتمعية جامعة ثانيا. مرجعيات وطنية ينتظم الناس حولها وبها بخيارها الحر، ومرجعيات مدنية متعلقة بالمواطنية ينتظم الناس بها وحولها بخيارهم او بفرضها عليهم، كما توجد مرجعيات مجتمعية، اهمها مرجعيا تتعلق بالانتماء الطائفي او العائلي، وحتى القبلي او للقرية او المدينة. كل هذه المرجعيات معدومة لدينا او ضعفت نسبيا. هنا مرة اخرى اؤكد اهمية الردع ودوره، لكننا نفتقد لذلك لان الدولة تستعمل ادوات الردع ضدنا وليس معنا، وحاليا لا نستطيع بناء ادوات ردع شرطية، لكننا نستطيع بناء ادوات ردع اجتماعية ومجتمعية، ولا نحاول القيام بذلك اصلا.

نحن نفتقر الى مرجعية وطنية، فلا مؤسسة وطنية قائدة بجدية وعلى ارض الواقع وليس بخطابات الراديو والاجتماعات فقط، كما تنقصنا منظومة قيم وطنية جمعية جامعة لشعبنا وهذا ما يفسر نسبة العنف القليلة نسبيا لدى اهلنا في الضفة، وليس قوة شرطة رام الله كما سمعت مؤخرا من احد قياداتنا، مع انني لا اقلل من اهمية ردع الشرطة والمنظومات الامنية. وليست لدينا مرجعية مدنية تنطلق من المواطنة لان الدولة تعاملنا كأعداء ونحن نرد لها بالمثل. وتراجعت مرجعياتنا الاجتماعية او غابت تماما. هذا الاشكال يعني باننا يجب ان نأخذ مسؤولية اعادة بناء مجتمعنا ومرجعياته، ونحن وقياداتنا العنوان لذلك وليس دولة اسرائيل التي بنت ابرتهايد يتكئ على اسس كولنيالية-استيطانية، ولهذا تحديدا تمت صياغة المشروع الاستراتيجي بمبادرة لجنة المتابعة، ولكنه ترك من قبل قياداتنا على الرف، تماما كما يحصل في غالبية مؤسساتنا وسلطاتنا المحلية.

لدينا تجارب جدية في بناء المجتمع، في الضفة وغزة وتحت الاحتلال الى أن اتت السلطة – او السلطتين اذا اردتم- وهدمت المجتمع وتضامنه وتكامله، لكنها لم تستطع تفسيخه نهائيا حتى الان او على الاقل لا زال الناس العاديون متضامنون وطنيا ضد الاحتلال ومشدودون نحو مشروع بناء الدولة المستقلة من جهة، ولا زالت تربطهم عادات وتقاليد اجتماعية موروثة ومتجذرة تحكم علاقاتهم مع بعض من الجهة الاخرى. هنا في ال-48، كانت محاولات جدية لبناء مجتمعنا وتعاضده وتدافع الناس للدفاع عن الصالح العام في سبعينيات وثمانيات القرن الماضي. لكن الامر تبخر نتيجة سياسات الدولة وموجات النيوليبرالية الاقتصادية، لكن بالأساس نتيجة اخفاقات داخلية، من نخبنا وقياداتنا، التي لا تقوم بدورها.

عندما يظهر رئيس سلطة محلية او قيادي سياسي اخر لدينا في وسائل الاعلام ويقول “الدولة لا تقوم بأي جهد” وهذا غير صحيح، فهي تقوم بجهد يخدم هدفها في تقسيم مجتمعنا واضعافه وتفتيه، وليست معنية بمكافحة جدية للعنف والاجرام. لكن يبقى الشق الاخر، هل فعلا يقوم هذا القيادي، المحلي او القطري، بدوره؟ هل فعلا اعددنا مشروعاً محلياً في كل بلدة للجم العنف، ام ان هذا مسؤولية بينيت والحكومة والشرطة؟. نستطيع فعل الكثير في عشرات المشاريع والتي تتبع لمجالات مثل التعليم، القضايا الاجتماعية، الرياضة، النظافة والنظام في الحيز العام، ووقوف السيارات وفوضى الاعراس، والدين واماكن العبادة، وضع كاميرات مراقبة وتغريم المخالفين في الحيز العام وغيرها، وكلها افكار وردت في مشروع لجنة المتابعة لمكافحة العنف، وهي مشاريع تكلفتها اذا اجدنا تفعيل الطاقات الموجودة في بلداتنا، لا تصل الى تكلفة موظف كبير في مجالسنا. هل فعلا زارت قيادات المتابعة واللجنة القطرية قرانا ومدننا؟ فقط عشرات البلدات لدينا وليس مئات ولا الاف! وهل طالبت كل رئيس ومسؤول فيها بوضع خطة تفصيلية لمكافحة العنف، في مجال مسؤوليته وبلده؟ اذا لم نفعل ذلك حتى الان فيبدو اننا اقل جدية من الدولة في موضوع العنف.

مطالبتنا للدولة بالتعامل الجدي، على الاقل، يجب ان لا تنسينا دورنا وبهذا المجال، قليل من الجدية قد تقلل او تمنع بعض العنف والاذى عن ابنائنا.

ملاحظتين اضافيتين، باختصار:

اولا، هنالك ترويج مبالغ به، ومقصود من قبل بعض قياداتنا ويفيد بان عصابات الاجرام هي اساس مشكلة العنف، وهذا صحيح جزئيا فقط، لان حالات العنف هي اكثر بمئات المرات من حالات القتل التي تنفذ، وغالبية حالات القتل في قرانا ومدننا ليست لها علاقة بعصابات الاجرام، بل في حيثية انتشار السلاح. خذوا مثلا حالات القتل في قرى النقب واللد والرامة وطرعان، وغيرها.. كلها حوادث قتل على خلفيات اجتماعية وتنافس محلي والحق في التوظيف او السير في الشارع، والمشكلة في كل هذه الحالات هو حالة التفتت المجتمعي والوطني وانعدام الانتماء او ضعفه، وهي مشكله حلها عندنا وليس عند شرطة اسرائيل وتغ مسؤولية ذلك علينا وليس على مؤسسات الدولة التي تعاملنا بعداء. طبعا هنالك مشكلة السلاح لكنه الاداة فقط، رغم ذلك فالمطالبة بجمعه هي في محلها والشرطة لا تقوم بدورها. لكن توقع اختفاء هذا النوع من العنف بعد جمع السلاح هو ضرب من الخيال.

ثانيا، تدخل عصابات الاجرام ودورها في الفساد والعنف هو آفة لا تقوم الدولة بعلاجها، بل تعمل على حمايتها كما افادت التقارير الاخيرة، لكننا نعرف كمجتمع انه بين من يتصدرون المظاهرات والاحتجاجات ضع العنف والجريمة، هم المتورطون فيها حتى رؤوسهم. هل يصدق احدٌ ان رؤساء سلطات محلية جرى الاعتداء عليهم وعلى مجالسهم وبلدياتهم وبيوتهم واباءهم، لا يعرفون في غالبيتهم الساحقة من قام بذلك ولماذا؟ عندما تسأل اهل البلد، في غالبية الحالات، يفيدون بان هؤلاء الرؤساء والقيادات، متورطون في عطاءات ومشاريع عمل مع عصابات وضد اخرى.. والامر واضح وجلي في حالات كثيرة، واقل وضوحا في اخرى، وقد يكون افتراء ومناكفة في بعضها، لكن الامر يجعل من بعض نشاطاتنا غطاء لهم في تورطهم.

من ناحية اخرى، يتمثل في لجنة المتابعة ويقر نشاطاتها حزب القائمة الموحدة، وهو واعضاءه، وخصوصا من هم اعضاء كنيست يمثلون الحكومة بحكم المسؤولية الجماعية، وهم شركاء ومسؤولون عن الحكومة واذرعها، بما في ذلك الجيش والشرطة والشاباك. عندما يشارك هؤلاء في اقرار النشاطات وربما المشاركة بها يكونون في حكم من في الحكومة ويتظاهر ضد الحكومة – مسألة تمثل حالتنا في كثير من الاحيان، لكنها في هذه الحالة تصبح في حكم المهزلة.

Author: أسعد غانم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *