الدورة السابعة والسبعون للجمعية العامة – حضور لأوكرانيا وغياب لفلسطين


اشترك معنا في قناة تلغرام: اضغط للاشتراك حمل تطبيق الملتقى الفلسطيني على آندرويد: اضغط للتحميل

كالعادة في دورات الجمعية العامة من كل عام أراجع القضايا الأساسية التي تكررت بشكل واسع في كلمات الوفود، وقد استمعت هذه الدورة السابعة والسبعون إلى أكثر من 150 رئيس دولة أو حكومة. وباقي المندوبين كانوا على مستوى وزراء خارجية أو وزير دولة للشؤون الخارجية، بينما تحدث عدد محدود جدا على مستوى المندوب الدائم، وإذا أردنا أن نعطي عنوانا لمداولات هذه الدورة فستكون أوكرانيا هي الموضوع الأبرز والمهيمن، الذي بالكاد تجاهله أي من المندوبين.
خطاب الرئيس الأوكراني، فلولوديمير زيلينسكي، عبر تقنية الفيديو كان الحدث الأبرز، ولقي من التصفيق في نهاية الكلمة ما لم يلقه أي رئيس آخر، وكأن هناك اتفاقا بين دول المجموعة الأوروبية والولايات المتحدة وحلفائهما بإظهار التأييد لزيلينسكي عبر التصفيق والوقوف مطولا عند نهاية الخطاب. الرئيس زيلينسكي دعا في كلمته الغرب إلى إرسال المزيد من الأسلحة لبلاده، واعتبر التهديد الروسي باستخدام الأسلحة النووية أمرا جادا وليس فقط من أجل الردع.

الرئيسان الأمريكي جو بايدن، والفرنسي إيمانويل ماكرون، خصصا الجزء الأكبر من خطابيهما للدفاع بقوة عن حق أوكرانيا في الوجود، وأدانا بشدة «العدوان الروسي» على سيادة أوكرانيا، وتهكما من موضوع الاستفتاء في منطقة دونباس باعتباره عدوانا على سيادة البلاد. عدد كبير من رؤساء الدول الافريقية بداية بالرئيس السنغالي ماكي سال، الرئيس الحالي للاتحاد الافريقي، ورؤساء كل من جمهورية الكونغو الديمقراطية والغابون وغانا وكينيا ونيجيريا، طالبوا بمقعد دائم في مجلس الأمن لتصحيح أخطاء تاريخية، وتمييز ظالم ضد القارة الافريقية. لقد استمر السعي الافريقي للحصول على مقعد دائم في المجلس منذ عقود. فالاتحاد الافريقي توافق في إيسواتيني عام 2005 بالمطالبة بتوسيع المجلس ليشمل عضوين دائمين وخمسة مقاعد منتخبة لافريقيا. ومنذ ذلك الحين، لم يتخذ المجلس أو الجمعية العامة أي خطوة ملموسة لتنفيذ ذلك التوافق.

فلسطين في كلمات الوفود

في هذا العام رصدنا تراجعا عن ذكر القضية في خطابات المسؤولين، خاصة العرب الذين كرروا الكلام المعاد مرة وراء مرة، ولم يعد يهتم به أحد «كتأييد حل الدولتين والمبادرة العربية وقرارات الشرعية الدولية»، حتى خطاب رجب طيب أردوغان الذي تعودنا أن نسمع منه في السنوات السابقة تفاصيل عن معاناة الفلسطينيين وسرد طويل للانتهاكات الإسرائيلية اكتفى هذا العام بسطر أو سطرين حول حق الفلسطينيين في دولة مستقلة وعاصمتها القدس الشرقية، ودعا لاحترام خصوصية مدينة القدس وهويتها التاريخية والثقافية. الخطاب الذي أشار إلى تفاصيل المعاناة الفلسطينية وجرائم الكيان الصهيوني هو خطاب الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي، الذي أشار إلى أن المنطقة لم تشهد قوة احتلال مثل «وحشية النظام الصهيوني الذي استطاع أن يشكل أكبر سجن في العالم في غزة. وتظهر المستوطنات غير الشرعية على الأراضي الفلسطينية وقتل الأطفال الفلسطينيين أن سبعة عقود من الاحتلال الإسرائيلي والوحشية لم تنته بعد». رئيس تشيلي الشاب، وأصغر رئيس في العالم (36 عاما) دعا إلى رفض تقبل المجتمع الدولي لانتهاكات إسرائيل الدائمة لحقوق الشعب الفلسطيني والتمسك بالقانون الدولي ودعا الجمعية العامة إلى العمل على إقامة دولة فلسطينية مستقلة إلى جانب إسرائيل. وزير الخارجية الصيني، وانغ يي، تحدث بكل وضوح عن ضرورة كسر الجمود في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي بقيام الدولة الفلسطينية، لكنه كان أكثر حزما في موضوع «الصين الواحدة»: «ستواصل الصين العمل بكل إخلاص من أجل إعادة التوحيد السلمي لتايوان، وبذل أعظم الجهود لتحقيق هذا الهدف. يجب علينا أن نكافح أنشطة الاستقلال «الانفصالية التايوانية» بأشد العزم، وأن نتخذ أكثر الخطوات قوة لصد تدخل الجماعات الخارجية. إن توحيد الصين وتايوان هو الحل الوحيد للحفاظ على السلام في مضيق تايوان». وفي اليوم الرابع للمداولات رفيعة المستوى، تحدث وزير الخارجية الروسي مطولا عن موقف روسيا من «العملية العسكرية الخاصة»، كما يسميها التي اضطرت إليها بسبب ما كان يجري في منطقة دونباس من اضطهاد للسكان الروس، وبسبب زحف حلف الناتو ليشمل أوكرانيا. وكرّس هجومه على الولايات المتحدة وحلفائها الذين يتصرفون وكأنهم آلهة على الأرض، ويريدون أن يحولوا العالم أجمع إلى حديقة خلفية لهم، ويرسلون قواتهم لتقاتل على بعد آلاف الأميال من حدودهم، خاصة في الشرق الأوسط. ولم ينس لافروف أيضا موقف بلاده من حل الدولتين، وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة.

ملاحظات حول خطاب الرئيس محمود عباس

غالبا ما أقدم ملاحظاتي النقدية السلبية والإيجابية حول خطاب عباس السنوي أمام الجمعية العامة في مقال مستقل. وفي كل مرة أحاول أن أقرأ الرسائل الرئيسية للخطاب التي يحاول عباس أن يوصلها للمجتمع الدولي. وفي هذه المرة أستطيع أن أقول إن الخطاب الذي ألقاه الرئيس محمود عباس يوم الجمعة، رابع أيام المناقشة العامة رفيعة المستوى، أمام ممثلي دول العالم باسم 14 مليون فلسطيني، خطاب عاطفي، ومرافعة تاريخية ضد الكيان وداعميه، خاصة الولايات المتحدة وبريطانيا لكنه خطاب استجداء وخطاب ناقص ومتناقض. إنه خطاب، رغم لغته العاطفية وصراحته في كثير من المواقع، لم يخرج عن إطار الاستجداء والتذلل والتمنيات، ولم يتضمن أي خطوة عملية جادة ولا موقفا حاسما. كما أن خروج عباس عن النص في محاولة لإضافة تفصيلة هنا أو طرفة هناك، مستخدما هذه المرة مصطلحات مغرقة في العامية من الصعب فهمها كانت موجهة للداخل الفلسطيني أكثر منها للجمعية العامة، التي لا تفهم معنى «زيطة وزنبليطة، لا ناقصنا لا إيد ولا رجل، والحيطة المايلة». لا شك في أن العودة إلى السردية الأصلية للمأساة الفلسطينية أمر مهم وضروري وكان يجب أن يتكرر في خطابات عباس منذ أن بدأ يخاطب الجمعية العامة منذ عام 2005 ودمرت 529 قرية فلسطينية. فمن المهم أن يتذكر العالم وعد بلفور والنكبة الفلسطينية لعام 1948 وطرد 950 ألف فلسطيني من ديارهم واعتماد القرارين المهمين: قرار التقسيم 181 (1947) وقرار حق العودة 194 (1948) اللذين تعهدت إسرائيل بقبولهما وتنفيذهما كشرط لقبول عضويتها في الأمم المتحدة. لكن مطالبة الأمين العام بتنفيذ القرارين أمر شبه مستحيل بعد أن تجاوزتهما الأحداث بسبب أوسلو، ومبادرة السلام العربية واعتبار خطوط الرابع من حزيران/يونيو مرجعية جديدة للدولة الفلسطينية وقبول قرار 242 (1967) رسميا في دورة المجلس الوطني الثامنة عشرة عام 1988. وقد عاد عباس في نهاية الخطاب للمطالبة بحل الدولتين عن طريق المفاوضات، بعد أن طالب بتنفيذ قرار 181 وهو تناقض واضح لا يخفى على أحد. نختلف مع عباس عندما وصم النضال الفلسطيني بالإرهاب واعدا أن يعمل على محاربته بالتعاون مع إسرائيل. وأكد باسم الشعب الفلسطيني أنه لن يلجأ إلى السلاح أو العنف أو الإرهاب، «إحمونا- إحمونا- لن نلجأ للسلاح والعنف. هذه قاعدة لدينا. لن نلجأ للإرهاب وسنحاربه معا وسويا». تمنيت لو أنه ألحق جملته الخطيرة تلك بجملة تعدل المضمون تقول ما يلي: «لكني احتفط بحق شعبي في المقاومة الشرعية ضد احتلال غير شرعي بالوسائل المتاحة التي لا تتناقض مع القانون الدولي وحق الشعوب في مقاومة الاحتلال، كما نص على ذلك القرار 3236 لعام 1974». أمر إيجابي أن يشير عباس إلى توسيع الاستيطان وحجز الجثامين وهدم البيوت قسرا من قبل أصحابها، واعتقال الأطفال والإطراء على الأسرى «واللي بده يزعل يزعل». وجيد أن يرفع صورة أحمد المناصرة، الذي كما قال ارتكب جريمة. فكيف يدافع عنه ويتهمه بارتكاب جريمة. كيف يستوي هذا المنطق الغريب بمدح الأسير وذم عمله ووصفه بالجريمة، وهذا ما أغضب الشعب الفلسطيني بمجموعه. لقد تجاهل عباس في خطابه موضوع الوحدة الفلسطينية، التي ستستقبل بالاحترام والمديح؟ لقد تجاهل التحذير الذي أطلقه في خطاب العام الماضي عندما منح إسرائيل سنة واحدة لإنهاء الاحتلال، أو أنه سيسحب الاعتراف بإسرائيل ووقف التنسيق الأمني. هذه الوعود الذي كررها منذ سبع سنوات لم يعد أحد يعيرها اهتماما لأنها وعود خالية.
في الأخير فإن خطاب عباس الأخير أشبه بخطبة وداع موجهة إلى الداخل الفلسطيني حيث لا يوجد في الخطاب أي برنامج حقيقي للخروج من المأزق الفلسطيني الخانق، الذي يتحمل مسؤوليته اتفاق أوسلو، الذي مات وشبع موتا وما زال هناك من يتمسك به ويبحث عن شريك للعودة إلى المفاوضات فورا.

عن القدس العربي

اشترك معنا في قناة تلغرام: اضغط للاشتراك

حمل تطبيق الملتقى الفلسطيني على آندرويد: اضغط للتحميل

Author: عبد الحميد صيام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *