الدروز بين الانتماء الوطني والولاءات الضيقة في زمن الطائفية

مدخل

سألني صحافي قبل عقدين ونصف العقد، في أثناء مقابلة تلفزيونية، أين أحب أن أسكن لو اضطررت ذات مرة إلى أن أترك البلد؟ فأجبته فوراً ومن دون تردد، بأنني كنت سأختار أن أسكن في سورية، وخصوصاً في الشام / دمشق.

باغتت إجابتي الصحافي الذي أردف مباشرة بسؤالي: لماذا سورية؟

لم يكن لدي متسع من الوقت لأسهب في الجواب في تلك المقابلة، ولا أجد في هذه المقالة المجال الكافي للإطالة، لكنني سأعيد تأكيد جوابي آنذاك، والذي قدمته من دون تفكير مسبق، وهو نتاج ثلاثة عوامل رئيسية لا تزال قائمة:

أولاً، أن سورية هي الحاضنة التاريخية لهويتي التي سُلخنا عنها جرّاء تحولات إقليمية لم ولا نملك السيطرة عليها حتى هذا اليوم؛ ثانياً، هي الانتماء القومي العربي، والحاجة إلى الشعور بالعمق الهوياتي الذي تزوّدنا به سورية، والذي سُلب منا جرّاء السبب السابق نفسه؛ ثالثاً، التواصل الطائفي، إذ لديّ توق عميق إلى الالتقاء بأقرباء لم أعرفهم قطّ، وأشكّ في أنهم يعلمون بوجودي، وبأبناء الطائفة وبناتها، بمشايخها وعلمانييها، وكبارها وصغارها، وإن لم أكن متديناً قط.

وهذا التوق الشخصي الذي يستحوذ عليّ من أجل إعادة اللحمة بين الأطراف ومختلف مكوّنات الطائفة الدرزية، متجاوزاً الحدود التي أفرزها اتفاق سايكس – بيكو، ليست حكراً عليّ وحدي، فكثيرون ردّدوه وتداولوه في أحاديثهم، منذ نشأتي حتى اليوم. لكن ما يدعو إلى الأسف هو أن بعض اللقاءات التي جرت بين الدروز حاملي الجنسية الإسرائيلية وبين دروز لبنان خلال الفترة 1982 – 2000، جرى في سياقات صعبة ولّدها الاجتياح الإسرائيلي لبلد الأرز في سنة 1982، كما حدث لاحقاً بعض أشكال التواصل التي شهدناها في الأشهر الأخيرة، والتي أيضاً ولّدتها التوغلات الإسرائيلية في بعض الأقاليم السورية منذ 8 كانون الأول / ديسمبر 2024، وهو التاريخ الذي شهد سقوط نظام الأسد في سورية، وهي سياقات لا تزال قائمة حتى الآن.

غير أن أمنياتي بالتواصل المأمول لم تتحقّق، وذلك لأسباب واضحة، ذلك بأن عودة العلاقات بين دروز إسرائيل وأبناء طائفتهم في كل من سورية ولبنان جاءت على متن دبابات إسرائيلية أضفت على طابعها صبغة سياسية حالت دون قدرتي وقدرة كثيرين غيري من أبناء الطائفة على التماهي معها. فعلى الرغم من قيام بعض المحيطين بي في الجليل والكرمل بزيارات سابقة لسورية عبر الأردن، فإنني رفضت المشاركة فيها كونها تُعدّ مخالفة قانونية في العرف الدستوري الإسرائيلي، ولأنني أعمل في وظيفة عامة لا تتيح لي مجالاً للمناورة في حال قررت الدولة مساءلة المشاركين فيها، مثلما حدث في بعض الحالات.

يأتي كلامي هذا بمناسبة الزيارات الأخيرة التي قامت بها وفود من مشايخ الدروز في سورية، بعد سقوط نظام الأسد، لمقامات الأنبياء داخل إسرائيل، والتي حُرموا من زيارتها عقوداً طويلة، وهي زيارات مثلت مؤشراً واضحاً إلى التحولات الجيوسياسية الجارية في المنطقة مؤخراً. فهذه الزيارات رفعت منسوب التوتر بين النظام السياسي الجديد في دمشق وبين قيادات الطائفة في منطقة السويداء،[1] والذي احتدم كثيراً، وخصوصاً بعد رمي البعض جميع دروز سورية بتهم تخوينية، على الرغم من إيضاحات قدّمتها القيادات والزعامات الدرزية في سورية تؤكد عبرها ولاءها القومي للدولة السورية، مثلما كان الأمر دائماً وعلى مرّ العقود، ولا سيما في تلك المرحلة التاريخية، عندما أحبط الدروز المؤامرات التي حاكها الفرنسيون بالتعاون مع الحركة الصهيونية في عشرينيات القرن الماضي لإقامة “دويلة درزية” تضم دروز لبنان وفلسطين آنذاك، والتي كشف عن مخالبها كل من كمال أبو لطيف وكمال كنج اللذين بلّغا كمال جنبلاط ذلك، في مسعى لضمان عدم نجاح هذا المخطط.[2]

بادرت شخصيات درزية عديدة إلى تذكير القيادة الجديدة للدولة السورية بأن الدروز كانوا أول مَن رفع راية الثورة بقيادة سلطان باشا الأطرش ضد الاستعمار، وبأنهم حاربوا بضراوة من أجل الاستقلال، مؤكدين أهمية السعي من أجل سورية موحدة ومستقلة وتضم جميع السوريين بمختلف مكوناتهم.[3]

ولم تكتفِ تلك الشخصيات بهذا الاستشهاد التاريخي عن دور الدروز الطلائعي والريادي من أجل سورية موحدة ومستقلة، وهو دور أدّوه في أكثر من مناسبة وحدث تاريخي، بل إن الزعامات الدرزية في السويداء وخارجها أشارت إلى أن محاولات الربط بين مطلبها الشرعي إشراك الدروز الفعلي في صوغ دستور الدولة الجديد والانخراط في مؤسساتها، وبين هرطقات بعض الأصوات التي تزعم أن الدروز يريدون أن يكونوا مستقلين في إطار الدولة الجديدة، ما هي إلّا محاولات باطلة لا تفيد بشيء غير إعطاء وسيلة للساعين لشقّ الصف ودقّ الأسافين بين مركبات الشعب السوري من أجل تقسيم سورية، وعلى رأسهم إسرائيل والجهات المتعاونة معها. 

حرية العبادة في ظل الصراع العربي – الإسرائيلي

إن الحفاظ على العلاقات الطبيعية بين أبناء المجموعة الواحدة وبناتها حتى في ظل ظروف قسرية فرضت بينهم حواجز فاصلة، هو واجب إنساني، ومن أبسط حقوق الإنسان الأساسية التي لا خلاف عليها، وهذا المبدأ يبقى سارياً وصالحاً في السياقات التاريخية كافة.

لقد علّمتنا الحروب الدينية التي دارت بين مجموعات عقائدية متنوعة أن الحدّ من حرية التواصل بين تلك المجموعات كانت سبباً من أسباب اندلاع الحروب ونشوء النزاعات، كما تعلّمنا في العصر الحديث أن الحرية الدينية، والتواصل بين أبناء الدين الواحد، ساهما بشكل واضح في تراجع حدّة التوترات والصدامات بين عدة مجموعات ودول.

لقد بُنيت معالم الدولة الحديثة على حرية العقيدة وحرية التواصل حتى لو استوجب ذلك تجاوزاً للحدود الجيوسياسية بين الدول. فهذا الأمر يضمن حقّ كل مجموعة بشرية في القيام بزيارات اعتيادية لأماكن ومعالم مقدسة تشكل جزءاً لا يتجزأ من عقيدتها، إلّا إن الصراع العربي – الإسرائيلي ولّد حالة استثنائية تعارضت مع مجرى التطورات التاريخية التي جرت في العالم الغربي على الأقل، إذ إن تأسيس دولة إسرائيل وصراعها الدائم مع العالم العربي حدّ على مدار أعوام طويلة من إمكان زيارة أبناء مختلف الطوائف العربية في إسرائيل لأماكنهم المقدسة في عدد من بقاع العالم العربي. غير أن انخفاض حدّة التوتر في العلاقة بين إسرائيل وبعض جيرانها العرب في إثر توافقات سياسية واتفاقات “سلام”، وعلى رأسها تلك التي عُقدت مع جمهورية مصر العربية، سمح لبعض أفراد الطوائف العربية بالقيام بشعائرهم الدينية في عدة دول عربية، مثل زيارة المسلمين في إسرائيل لمكّة في سبيل إتمام الشعائر الدينية للعمرة والحجّ، وزيارة أبناء مختلف الطوائف المسيحية للمعالم الدينية في دول عربية، بما في ذلك دول تُعرّف بأنها دول عدوة وفقاً للقانون الإسرائيلي، على غرار سورية ولبنان.

لكن هذا المبدأ الإنساني الأساسي لم يُمنح لأبناء الطائفة الدرزية في إسرائيل، والذين لم يتمكنوا من القيام بزيارات متبادلة بينهم وبين أبناء طائفتهم في الأردن حتى توقيع اتفاقية سلام في سنة 1994، وهو واقع لا يزال قائماً فيما يتعلق بسورية ولبنان حتى اليوم.

إن استثناء الطائفة الدرزية من هذا الحقّ الأساسي ولّد احتقاناً كبيراً تجاه السلطة الإسرائيلية، وتوقاً كبيراً لدى الطائفة الدرزية في سورية ولبنان إلى زيارة الأماكن المقدسة للدروز الواقعة داخل حدود الدولة الإسرائيلية. غير أن الاحتلال الإسرائيلي للأراضي اللبنانية خلال الفترة 1982 – 2000 أبطل هذا الاستثناء فترة وجيزة، وسمح بالتواصل المباشر بين أبناء الطائفة من الطرفين، ومن ضمنه زيارات دينية لدروز من لبنان للمعالم المقدسة للدروز داخل إسرائيل، وانتقال بعض دروز لبنان إلى إسرائيل إمّا من خلال التزاوج، وإمّا بالتحاق بعض مشايخ الجليل والكرمل لتلقّي التعليم الديني في خلوات البياضة في لبنان. إلّا إن انسحاب إسرائيل من لبنان في سنة 2000 قطع هذا التواصل وأعاد الاستثناء إلى المشهد إلى ما كان عليه طوال الفترة التي سبقت. 

الولاء الوطني للمسلمين الدروز وتسارع التحولات السياسية في سورية

تزامن سقوط نظام الأسد مع الحرب الفلسطينية – الإسرائيلية الجارية في غزة والحرب الإسرائيلية مع حزب الله، والتي اشتعلت في 8 تشرين الأول / أكتوبر 2023 واستمرت حتى توقيع اتفاق وقف الأعمال العدائية في تشرين الثاني / نوفمبر 2024، والذي أفضى إلى تحولات مهمة على رأسها تبدّل موازين القوى على الجبهة الشمالية والشمالية الشرقية لمصلحة إسرائيل. ومع أنه من الصعب التطرق إلى العلاقة المباشرة وغير المباشرة بين الحرب الدائرة بين إسرائيل وحزب الله وسقوط نظام الأسد، إلّا إن تزامن هذه الأحداث أدى إلى تحركات سياسية مهمة في الواقع اللبناني والواقع السوري في الوقت ذاته، بينما خلق سقوط نظام الأسد تحولات إقليمية وحالة من السيولة غيرت مجرى العلاقات القائمة بين عدة أطراف في المنطقة.

وهذا الواقع السياسي يعبّر عن المنعطف التاريخي الذي تقف عنده الطائفة الدرزية اليوم، ذلك بأن حالة السيولة السياسية والأمنية في سورية أوجدت سلسلة تحديات غير مسبوقة وأسئلة وجودية أمام الطائفة الدرزية هناك. فتلك الكتلة الدرزية المتمركزة في جبل الدروز، والتي امتنعت طوال أعوام الحرب الأهلية من الانخراط الفعلي والمباشر في المعارك، دخلت في حالة دفاعية في وجه عدوانية النظام السوري السابق، ولا سيما بعدما استعاد بشار الأسد ثقته بنفسه، وأمسك بزمام المبادرة فترة بفضل انتصاراته على فصائل المعارضة بدعم روسي وإيراني، وبدأ بالتدريج باستعادة حضوره وعودته إلى حضن العالم العربي، وان كان لمدة وجيزة.

لقد سعى الأسد خلال سنتَي 2022 و2023 لإخضاع دروز الجبل لسلطته عبر محاولات تجنيد واسعة النطاق لشبابهم في الجيش السوري، وهي محاولات جوبهت برفض شعبي واسع من أبناء الطائفة الذين بذلوا جهوداً كبيرة وحرصاً حثيثاً على ألّا يكونوا طرفاً في حرب ضد أبناء وطنهم من السوريين. فحرب الأسد، من وجهة نظر الدروز، لم تكن حرباً شرعية على جميع المستويات، وإنما وسيلة لإعادة ترسيخ حكمه الاستبدادي وحماية نظامه السلطوي على حساب تطلعات السوريين إلى نظام ديمقراطي جامع، يشارك فيه جميع مكونات المجتمع منذ انطلاق الحراك الشعبي في سنة 2011.

جغرافياً، يتوزع الدروز في سورية، والذين يُقدّر عددهم بمليون مواطن، على مناطق متنوعة أبرزها جبل الدروز في جنوب غرب سورية، وقد وجدوا أنفسهم خلال الحرب الأهلية بين سلسلة من المواجهات والتوترات المتصاعدة مع نظام الأسد. ومع سقوط هذا النظام، رفض الدروز، بما اختبروه من التجربة السابقة، تسليم ما لديهم من سلاح وذخيرة إلى قوات النظام الجديد، ما لم تُقدَّم لهم ضمانات تكفل أمنهم وسلامتهم. وهذا الموقف تزامن مع الخطاب الأصولي الذي تبنّاه بعض رموز وشخصيات النظام الجديد، بشأن إقامة دولة الشريعة الإسلامية في سورية، والذي أثار موجة قلق عارمة في صفوف الدروز الذين دفعوا في السابق ثمناً باهظاً حين اجتاحت ميليشيات موالية لتنظيم جبهة النصرة بعض قراهم في منطقة إدلب في شمال البلد في حزيران / يونيو 2015.[4]

لقد ساهم موقف الدروز في سورية تجاه نظام الأسد، بشكل أو بآخر، في تسريع سقوطه. ومع صعود قوى جديدة في المشهد، نشأ واقع سياسي جديد تبلورت من خلاله أمام الدروز فرصة سياسية واضحة للدفع نحو إقامة نظام مدني يضمن مكانتهم، ويصون أعرافهم، ويحفظ تقاليدهم ويُقرّ بحقهم في حكم ذاتي في المناطق التي يقطنونها ويشكلون فيها أكثرية.

وفي ظل حالة السيولة السياسية والأمنية التي استمرت أشهراً، وعدم وضوح طبيعة النظام الجديد بقيادة أحمد الشرع، تمسّكت القيادة الدرزية في جبل الدروز بحقّ الطائفة في حفظ قدرتها على حماية نفسها، وبالتالي رفض الانصياع لدعوات تسليم السلاح قبل قيام نظام دستوري يكفل حماية الطائفة من أي تهديدات خارجية، وهو سلوك أتى على خلفية الدستور الموقت الجديد الذي أُعلن في آذار / مارس 2025، والذي أعطى رئيس الدولة صلاحيات واسعة ضمن نظام مركزي قوي لفترة تمتد حتى خمسة أعوام، ومن دون انتخابات.

وأوضح زعماء الطائفة وقادتها، وعلى رأسهم رجال الكرامة، القوة العسكرية الأقوى في الجبل آنذاك، أن تمسّكهم بالسلاح لم يكن بدافع المواجهة أو رغبة فيها، وإنما نتيجة قلقهم إزاء حالة عدم الاستقرار وهشاشة الوضع السياسي والأمني في سورية، ومن منطلق الحرص على أن يكون للدروز دور فاعل في مسار بلورة نظام دستوري يضمن أمنهم ويصون حقوقهم ومكانتهم كمكوّن أساسي في الدولة السورية الجديدة.

وتزامنت هذه المطالب مع مواجهات بين الدروز وقوى ميليشياوية منفلتة، ومع صدور دعوات من قلّة قليلة من أبناء الطائفة الدرزية في الحدود القريبة من الجولان، تطالب بالانضمام إلى تلك المنطقة، مدّعية أن ذلك هو إجراء موقت لحماية حدودها وتعزيز أمنها في ظل وضع إقليمي ضبابي وغير مستقر.

وعلى الرغم من إصدار الزعامة الدينية الدرزية تصريحات وبيانات رسمية تندد بتلك الدعوات التي وصفتها بأنها “غير مسؤولة”، والتي نُسبت إلى بعض الأصوات المرتبطة بالقيادة الدرزية في إسرائيل، فإن تزامن هذه الدعوات مع رفض قيادة جبل الدروز تسليم سلاحها إلى النظام الجديد في دمشق، ساهم في إيجاد انطباع عام بأن ثمة موقفاً درزياً موحّداً واسع النطاق، ربما يفسَّر على أنه يندرج تحت الرؤية والحماية الإسرائيليتَين.

على هذه الخلفية، تصدّر الدروز عناوين الأخبار في سورية وخارجها، وخصوصاً بعد أن شنّت قوى متطرفة مقربة من ميليشيات تتبع في ولائها النظام الجديد، هجوماً على مناطق يسكنها العلويون في شمال غرب سورية، ولاحقاً في مناطق يسكنها دروز في جرمانا وصحنايا وأشرفية صحنايا في ريف دمشق.

هذه الأحداث عمّقت الخلاف بين النظام الجديد الذي حاول السيطرة على أقاليم سورية متعددة، وبين مجموعاتِ أقليةٍ متنوعة أبدت تخوفاً كبيراً من نيات النظام فرض نظام اجتماعي سياسي جديد وفق أيديولوجيا قيادته الدينية. وبين هذه المجموعات الأقلية برزت حالة الدروز كحالة استثنائية من المهم تسليط الضوء عليها كدلالة واضحة على العلاقة بين التحولات الطارئة على الداخل السوري، وبين مكانة سورية الإقليمية، وخصوصاً في وجه المحاولات الإسرائيلية استغلال هذه التحولات لفرض واقع استراتيجي جديد في المنطقة.

ومن ضمن الأمور الأساسية التي برزت في هذا السياق، محاولة تجاوز الحكومة الإسرائيلية الحدود السورية – ليس الجيوسياسية فحسب، بل الحدود الاجتماعية أيضاً – عبر محاولة الربط بين تدخّلها في الشأن السوري على المستوى الاستراتيجي والعسكري، وتدخّلها في منظومة العلاقات الاجتماعية والسياسية بين مركبات المجتمع السوري كافة.[5] ويشكّل هذا الواقع المركب السياق الذي يمكن من خلاله فهم سلوك الأقلية الدرزية في سورية، والعلاقة بينها وبين مجموعات درزية أُخرى، وخصوصاً في لبنان وإسرائيل.

وعكست التصريحات الرسمية الصادرة عن القيادات الدينية والزعامات السياسية في سورية، إلى جانب لقاءاتها مع ممثّلي النظام الجديد، مدى الحساسية التي تحيط بالمسألة الدرزية في السياق السوري الراهن، وجاءت لتؤكد من دون لبس أن مواقف الدروز في سورية تنبع من اعتبارات وطنية سورية بحتة، ولا تمتّ بصلة إلى محاولات البعض تصوير الدروز كطرف يسعى للحصول على حماية إسرائيلية لمصالحه في المنطقة. كما أوضحت القيادة الدرزية في سورية بما لا يقبل التأويل، أن أبناء الطائفة الذين ناضلوا أعواماً طويلة في سبيل التحرر من حكم الأسد الاستبدادي، يتطلّعون إلى نظام مدني يضمن المساواة في الحقوق، ويرسّخ منظومة دستورية تكفل العدالة لجميع المواطنين وتلبّي مكونات المجتمع السوري كلها، وبما يراعي خصوصية الجماعات المتنوعة التي يتكون منها النسيج السوري. وصدرت هذه التصريحات عن جميع قيادات الطائفة في سورية، وعلى رأسها الشيخ حمود الحناوي والشيخ يوسف جربوع والشيخ حكمت الهجري، وإن تباينت رؤاهم إلى الواقع السوري. 

السيولة الجيوسياسية والعامل الإسرائيلي

استغلّت إسرائيل سقوط نظام الأسد وفوزها القاطع على القدرة العسكرية لحزب الله من أجل التوغل في مناطق سورية جديدة اعتبرتها حزاماً أمنياً واقياً من الممكن التحكم فيه للتأثير في أمنها القومي من جهة، ومن جهة أُخرى وضع شروط جديدة لحوار استراتيجي مستقبلي مع النظام السوري الناشىء. وانتهز الجيش الإسرائيلي الفرصة لتوسيع احتلاله مناطق محاذية للحدود في الجولان السوري، بل إنه في بعض الأحيان تجاوز ذلك إلى قرى محيطة بمنطقة جبل الشيخ،[6] كما قصف سلاح الجو الإسرائيلي جميع المنشآت العسكرية السورية التي أبقاها نظام الأسد، إذ زعمت إسرائيل أن ذلك يأتي بهدف الحدّ من إمكان أن يحول النظام الجديد سورية إلى قاعدة يتم من خلالها شنّ هجمات على إسرائيل، وسط خشية إسرائيلية من طبيعة النظام الجديد الذي تنحدر القوى الأساسية المركبة له من مجموعات ذات رؤية أيديولوجية متطرفة تمتلك سلاحاً وذخائر قادرة على أن تمثل تحدّياً للأمن الإسرائيلي.

هذه الرؤية العسكرية والاستراتيجية أوجدت ضبابية في الموقف الإسرائيلي بين الدفع في اتجاه تقسيم سورية إلى مجموعات دينية وإثنية متنوعة، وبين الادعاء أن لا مصالح لإسرائيل في سورية ما دام أمنها القومي مضموناً.

وأدت التحولات السريعة بعد الضربة التي وُجهت إلى حزب الله، وبالتالي تغيّر موازين القوى في لبنان، إلى فتح المجال أمام إعادة ترتيب أوراق المجموعات الدينية والإثنية المتعددة، سواء في لبنان أو في سورية، أو حتى في الإقليم كله، مولّدة حالة من السيولة في الوضع القائم تشكّل خلفية مهمة جداً لفهم الأحداث التي أثارت جدلاً واسعاً في وسائل الإعلام بشأن الدروز في سورية. ومن أجل فهم تعقيدات الوضع الدرزي، فإنه لا بدّ من التطرق إلى التكامل والتفاضل بين مصالح الدول وعلى رأسها إسرائيل، وبين محاولة الدروز في سورية ضمان أمنهم من جهة، والانفتاح على إخوتهم خارج سورية من جهة أُخرى، آخذين بعين الاعتبار أن موقفهم من النظام الجديد في سورية من شأنه أن يخدم بشكل غير مباشر مصالح إقليمية لا تتوافق مع انتمائهم الوطني.

فقد أوجد التوغل الإسرائيلي في الأراضي السورية بعد سقوط نظام الأسد تواصلاً جغرافياً بين الدروز داخل إسرائيل وبعض القرى الدرزية في المناطق المحتلة الجديدة، إلّا إن هذه الخطوات العسكرية والاستراتيجية الإسرائيلية، وفي مقدّمها إيجاد حيز أمني في الحدود مع سورية، بدأت منذ انطلاق الثورة السورية في سنة 2011، لأن التهديد الأمني الذي واجهه نظام الأسد شكل هاجساً إسرائيلياً مركزياً دفع قوى الأمن الإسرائيلية إلى قنوات تعاون مع قوى معارضة مسلحة في جنوب سورية، وعلى رأسها جبهة النصرة، وفق جهات رسمية فلسطينية وسورية وقيادات درزية، في مقابل عدم المسّ بأمن وأمان القرى الدرزية القريبة من الحدود، وذلك تلبية لضغوطات مارستها القيادة الدرزية في إسرائيل.[7] ومن المهم الإشارة إلى أن هذا التوافق جاء لأسباب عسكرية واستراتيجية إسرائيلية خالصة، لكنها تماشت مع مصالح تتعلق بالعلاقة التاريخية بين الدروز في إسرائيل والدولة.[8] وإحدى الحقائق التي أدت دوراً مهماً في هذا السياق هي أن أبناء الطائفة الدرزية في إسرائيل ملزمون قانونياً بالخدمة العسكرية في الجيش الإسرائيلي، وهو إلزام من الجدير التذكير بأنه نتاج سياسات وممارسات “فرّق تسد” التي انتهجتها الحركة الصهيونية منذ البدايات، في المنطقة عامة، وفلسطين خاصة، والتي عملت على عزل الدروز عن سائر مكونات المجتمع العربي وتطويعهم كي يتماشوا مع سياستها وأهدافها، إلى حدّ فرض الخدمة العسكرية الإلزامية على الشباب الدروز، والذي ترافق مع عملية غسل أدمغة لهم مبنية على تاريخ مفبرك ومضلّل استناداً إلى كونهم مذهباً منفرداً عن سائر المذاهب الإسلامية المحيطة بهم.[9] وهذه العملية التي لم تنفكّ تُنتهج وتُمارَس وتُطوَّر منذ عقود، أفرزت انخراط وانتساب نسبة معينة من الشباب الدروز إلى صفوف الجيش الإسرائيلي، الأمر الذي كشف لبعض الضباط الدروز تحركات الساحة العسكرية الإسرائيلية، وتحديداً في سورية ولبنان. كما أن هذا الارتباط الدرزي بالقيادات الإسرائيلية منح الدروز قدرة على تحريك الشارع الإسرائيلي لمصلحتهم، وهي قدرة تفوق عددهم الضئيل.[10] ولأن المصالح الإسرائيلية تماشت مع الهواجس الدرزية في إسرائيل، فإن السلطتين العسكرية والسياسية الإسرائيلية أصغتا إلى المخاوف التي عبّر عنها الدروز في الجليل والكرمل، وتم استغلالها للدفع بعمليات تواصل صُبغت برؤية إسرائيلية – كثيراً ما كانت مبيتة – من أجل إيجاد حزام أمني درزي يمتد من شرق جنوب سورية ويمر بجبال الشوف اللبنانية ويصل إلى البحر المتوسط، وهو ما يضمن أمن إسرائيل الشمالية بالكامل.

ولإنجاز ذلك، حاولت إسرائيل استغلال العلاقة العضوية بين دروز إسرائيل الذين عبّروا عن تخوفاتهم على أمن الدروز في سورية، ولا سيما أن إخوانهم في شمال سورية سبق أن استهدفتهم قوى متطرفة، ومنها جبهة النصرة التي غيّرت اسمها لاحقاً إلى “هيئة تحرير الشام”، وذلك عبر التدخل في الأزمة الداخلية السورية، واستخدام حالة عدم ثقة الدروز بالسلطة الجديدة، وخصوصاً القاطنين في مناطق جبل الدروز وضواحي العاصمة السورية دمشق، وتقديم إسرائيل نفسها كراعية لأمن الدروز وقوة دفاعية عنهم بحال تعرّضت لهم قوات النظام الجديد.

هذا العرض الإسرائيلي الذي حقق المطلب الدرزي داخل إسرائيل، لم يُرضِ دروز سورية المستائين من مطلب النظام الجديد تسليم سلاحهم وفسح المجال لقوى الأمن التابعة للنظام بدخول مناطقهم، وإنما اعتُبر، على النقيض من ذلك، أنه يخالف إصرارهم على الانتماء إلى الوطن السوري الذي هم من مؤسسيه، وهو ما دفع القيادات الدرزية في سورية إلى توضيح أن ولاءها السوري قاطع، وأن مطالبتها بإرجاء تسليم السلاح والانخراط الرسمي في قوى الأمن الجديدة إنما هي أمر موقت إلى حين التوصل إلى صِيَغ وتوافقات جديدة مع النظام الجديد، تضمن من خلالها أمن طائفتها وتأثيرها ومشاركتها الفاعلة في بناء نظام سوري جديد مبني على فدرالية دستورية، من أجل إعطاء التنوع السكاني السوري مكانته في بُنية النظام، وأن لا علاقة لها بما تعرضه إسرائيل وتروّجه.

ومن أجل التأثير في مجريات الأمور داخل سورية، فإن إسرائيل لم تكتفِ بالتغلغل العسكري فحسب، بل حاولت أيضاً استغلال حالة عدم الثقة بين مجموعات إثنية ودينية داخل سورية والنظام الجديد، وعلى رأس هذه المجموعات، الأكراد في شمال شرق سورية، والدروز في جنوبها.[11]

وهذا الاستغلال الإسرائيلي وضع دروز سورية في مأزق مركّب: فمن جهة، أدى الدروز الولاء إلى الدولة السورية، ومن جهة أُخرى سعوا لمفاوضة السلطة الجديدة من أجل الحفاظ على حقّهم في تحديد هوية النظام الجديد وضمان حقوقهم كمجموعة ذات طابع مختلف، ولها امتدادات خلف الحدود السورية في لبنان وإسرائيل.

ثمّة وعي لدى الطائفة الدرزية في سورية باستغلال إسرائيل حالة عدم الثقة بين الطائفة والسلطة الجديدة، ومحاولتها تسخير هذا الأمر خدمة لمصالح إسرائيلية بعيدة كل البعد عن انتماء الدروز الحقيقي. ومن أشكال الاستغلال الإسرائيلي للواقع الحاضر، السماح لبعض مشايخ الطائفة في سورية بزيارة إسرائيل، وإعطاء الزيارة شكلاً تطبيعياً، وتعيين نفسها مدافعاً عن أمن الطائفة الدرزية، وذلك بتوافق مع مواقف ومصالح بعض القيادات الدرزية داخل إسرائيل.

ثمة مساحة واسعة للمناورة بين إرادة تواصل الدروز من جهتَي الحدود، وبين استغلال إسرائيل الأمر لدقّ الأسافين بين الطائفة والنظام السوري الجديد، وهي مساحة توسّعت، مثلما أسلفتُ، نتيجة خلافات داخلية في الأساس بين القيادات الدرزية بما يتعلق بالرؤية المستقبلية إلى النظام السوري، وضمان أمن الطائفة وحقّها في التواصل. 

التواصل الديني والحذر من تسييس مبدأ “حفظ الإخوان”

كثيراً ما استرعت التغيرات الجارية في سورية اهتماماً متزايداً من طرف الدروز في الجليل والكرمل والجولان. فمع ازدياد نفوذ الفصائل المعارضة التي توالي تنظيمَي داعش والقاعدة، وسيطرتها على مزيد من الأراضي، شرع منسوب القلق عند الدروز يرتفع. وخلال الحرب الأهلية السورية، وسقوط نظام الأسد لاحقاً، حرصت القيادة الدرزية في إسرائيل على التنسيق مع الحكومة الإسرائيلية وأجهزتها الأمنية لضمان نفوذها وتأثيرها في وضع الدروز في سورية.

واستناداً إلى تقارير نُشرت ومعلومات ظهرت، وتصريحات عدد من القيادات، إلى جانب الزيارات المتواترة لرئيس المجلس الديني الأعلى، الشيخ موفّق طريف، للولايات المتحدة من أجل عقد اجتماعات في الأمم المتحدة مع ممثلين رسميين وقادة يهود، وكذلك زيارته لموسكو، اتّضح أن ممثلين عن القيادة الدرزية في إسرائيل كانوا على تواصل دائم مع عدد من أبناء الطائفة الدرزية في سورية، وخصوصاً أولئك المقيمين قرب الحدود مع إسرائيل. وجاء ذلك في موازاة محاولات كثيرة لفصائل أصولية داخل المعارضة السورية، في مقدّمها “جبهة النصرة”، السيطرة على قرية حضر القريبة من الحدود الإسرائيلية، بعد أن أقدمت التنظيمات المتطرفة على احتلال قرى درزية في منطقة إدلب في وقت سابق، الأمر الذي أثار موجة غضب وحالة من القلق الشديد، وخصوصاً بعد فرض هذه الجماعات على القرى الدرزية أنماطاً وسلوكيات وممارسات تتعارض بشكل جذري مع تقاليدهم وأعرافهم.[12]

ويمكن عزو محاولات القيادة الدرزية في إسرائيل الانخراط والتدخل المباشر فيما يجري في سورية بعد سقوط نظام الأسد، إلى الشعور بوحدة المصير بين أبناء الطائفة، حتى في ظلّ انقطاع العلاقات والاحتكاك المباشر بينهم منذ أعوام.[13] وهذه المحاولات التي كانت تجري سرّاً خلال الحرب الأهلية، بهدف ضمان حماية الدروز في سورية، اعتبرها كثيرون بعد سقوط نظام الأسد، تدخّلاً مباشراً في الشؤون الداخلية السورية، ومحاولة للتأثير في شكل النظام الجديد تحت مظلّة الرؤية الإسرائيلية وتعبيراتها.[14] وأصبح هذا واضحاً من خلال تصريحات رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو ووزير الأمن يسرائيل كاتس المحذّرة للنظام السوري الجديد من المساس بالدروز، وذلك خلال الهجمات التي شنّتها مجموعات مسلّحة على أحياء درزية في مدينة جرمانا جنوبي شرقي دمشق وصحنايا وأشرفية صحنايا جنوبها،[15] وهو توقيت لم يكن محض مصادفة، وإنما نتاج الضغوط الشديدة التي مارسها بعض القيادات الدرزية في إسرائيل على الحكومة الإسرائيلية، ومطالبته إياها بالتدخّل لحماية أبناء الطائفة في مختلف المناطق في سورية.[16] غير أن النشاطات العسكرية الإسرائيلية التي توزعت في عدة مناطق سورية، إنما انطلقت من مصالح استراتيجية إسرائيلية، وليست بالضرورة استجابة لتلك الضغوط، فهذا التدخّل أحرج القيادة الدرزية في سورية، كما أحرج القيادات الدرزية في لبنان وبعض قيادات الطائفة في داخل إسرائيل نفسها.

سعت التهديدات الإسرائيلية للنظام السوري الجديد، والمترافقة مع اعتداءات طالت مقارّ عسكرية ومدنية، ولم تُبقِ ولم تذر في المواقع العسكرية للجيش السوري، لإبراز صورة فحواها أن دروز سورية باتوا تحت الحماية الإسرائيلية. إلّا إن الحقيقة هي أن ذلك لا يعدو كونه رغبة إسرائيلية في تعميق الشرخ بين الدروز والنظام الجديد بهدف إضعافه، وربما من خلال ذلك تسريع تجزئة الدولة إلى أقاليم طائفية تخضع لسيطرة جماعات دينية متنوعة. وقد أحدث وَعْي هذا الأمر ارتباكاً واسعاً دفع كثيراً من القادة الدروز في سورية إلى رفع صوتهم تأكيداً لوحدة سورية، ورفضاً للهجمات الإسرائيلية.

وحظيت مواقف القيادة الدرزية في إسرائيل، الداعية إلى التحرك والفعل من أجل حماية أبناء الطائفة في سورية، بدعم واسع المدى من الدروز في إسرائيل انعكس في سلسلة من التظاهرات والضغوط العلنية التي عبّرت عن مدى استعداد المجتمع الدرزي في إسرائيل للانخراط والاشتباك بشتى الوسائل من أجل الدفاع عن إخوانهم في سورية. وفي سياق ذلك دعت القيادة الدينية إلى اجتماعات لأبناء الطائفة، ثم التقت مسؤولين إسرائيليين، بينهم رئيس الحكومة ورئيس الدولة ووزير الأمن، للمطالبة بالتدخل السريع في مواجهة ممارسات الميليشيات المسلحة المنخرطة في النظام السوري الجديد، والتي اعتدت على الدروز في شتى أماكن سكنهم في سورية.

غير أن هذا اللغط المهووس لبعض القيادات الدرزية لا يلغي بروز أصوات حذّرت من الإفراط في التدخّل، ولا سيما التدخل العسكري الإسرائيلي المباشر، والذي قد يضع أبناء الطائفة في سورية في مواجهة مع النظام، وبما يخالف إرادتهم. وإلى جانب هذا، هناك آراء المعارضين من داخل المجتمع الدرزي في إسرائيل، والتي تؤشر إلى مخاطر انخراط القيادة الدرزية في الشأن السوري، كون هذا الانخراط يُعدّ تجاوزاً لخط لا ينبغي للدروز أن يعبروه، باعتبار أن هذه القضايا هي شأن دروز سورية ومسؤوليتهم هم وحدهم.

إن تدخّل دروز إسرائيل في رأي المعارضين لهذا التدخل، وإن كانت نقطة انطلاقته من نيات طيبة لدى القيادة الدينية، أمر يهدد مستقبل الطائفة في سورية، ويتعارض بشكل مباشر مع رغبتها في التوصل إلى اتفاقيات وأساسيات تفاهم مع سلطات البلد تضمن من خلالها أمنها ومكانتها كشريكة في رسم ملامح النظام المقبل، وتحدد فيها موقعها كفاعلة في مصير البلد بعد سقوط حكم الأسد.

لقد أثارت تدخلات القيادة الدينية الدرزية في إسرائيل في الشأن السوري، ولا سيما في ظل آراء ترى أنها تتم برعاية إسرائيلية، حفيظة وغضب بعض القيادات الدرزية في لبنان، وعلى رأسها وليد جنبلاط، زعيم التيار المركزي الذي يمثّل نحو نصف مليون درزي في لبنان. وبرز في هذا السياق توتراً شهد حملة تبادل اتهامات بينه بصفته قائداً سياسياً، وبين الشيخ موفّق طريف القائد الروحي للطائفة في إسرائيل ورئيس المجلس الديني الأعلى الذي تولّى دوراً اعتبره البعض تجاوزاً لنطاق سلطته بصفته قائداً دينياً لا سياسياً.[17] ووصل التوتر بين جنبلاط والشيخ طريف إلى حدّ تبادل علني في وسائل الإعلام للاتهامات والتراشق اللفظي والتشهير.

وينبع موقف جنبلاط من قناعته بأن الدروز في إسرائيل سلكوا منذ سنة 1948 مساراً سياسياً خاصاً بهم، وهو ما يجعل تدخّلهم في الشؤون اللبنانية أو السورية أمراً يفضي إلى تداعيات سلبية وضرر بالطائفة الدرزية في هاتين الدولتين. بل أكثر من ذلك، فإن جنبلاط اعتبر أن هذا التدخّل ما هو إلّا امتداد لسياسة إسرائيلية تهدف إلى فرض أجندات إقليمية تمسّ بسيادة الدول التي تضم مجتمعات درزية كبيرة. وبحسب هذا التصور، فإن القيادة الدرزية في إسرائيل إنما تُستخدم كأداة تخدم مصالح إسرائيلية وأميركية لا تعبّر عن مصالح الدروز في المنطقة، الأمر الذي يستلزم منها، وفق ذلك، أن تنأى بنفسها عن الشؤون الداخلية للدروز في لبنان وسورية، كون أبناء الطائفة هناك على دراية أكبر بشؤونهم، وذوي قدرة أعلى تمكّنهم من التعامل مع تعقيدات الواقع عقب المرحلة الراهنة، وخصوصاً لأن مجتمعَيهما أكبر حجماً وتأثيراً من ذلك الموجود في إسرائيل. وهذا الرأي لا يقتصر على جنبلاط وحده، بل هناك مَن يتبنّاه داخل صفوف الطائفة الدرزية في إسرائيل، إذ عبّر البعض عن رفضه تدخّل الشيخ موفّق طريف، واعتبره تجاوزاً لصلاحياته، مع اتهامه بأنه، وبذريعة الحرص على أمن دروز سورية، يسعى في الواقع لاصطفاف طائفي للدروز، والترويج لأجندات سياسية تخدم مصالح إسرائيلية وأميركية.

وقد أوجدت محاولات بعض القيادات الدرزية في إسرائيل توظيف الدعم العسكري الإسرائيلي لحماية أمن الدروز في سورية، خلافاً شديداً مع قيادات درزية في سورية ولبنان، بل عمّقت الانقسامات داخل المجتمع الدرزي في إسرائيل نفسه، إذ عارض البعض مواقف القيادة الرسمية للطائفة، معتبراً أن تدخلها في الشأن السوري تحت مظلّة إسرائيلية يُعرّض أبناء الطائفة في سورية ولبنان لمخاطر جمّة.[18] ويستند هذا الرأي إلى قناعة راسخة بضرورة عدم اختزال الانتماء الدرزي في حدود طائفية ضيقة، ووجوب عدم تجاهل حقيقة أن الدروز في لبنان وسورية يشكلون جزءاً حياً من نسيج وطني وقومي أوسع، وهي حقيقة تتطلب أن تتنبّه لها قيادة الطائفة في إسرائيل. فهذا التدخّل العلني لقيادة الطائفة في إسرائيل في الشأن السوري يثير غضب كثيرين لأنه يتعارض مع اعتبارات سياسية محلية خاصة بسورية ولبنان.

وعكست تلك السجالات خلافات أعمق بشأن الواقع الجديد في الشرق الأوسط في ظل سقوط نظام الأسد، وما تلا ذلك من تطورات أعقبت الضربة القاسية التي وجهتها إسرائيل إلى مكانة حزب الله في لبنان. فقد سارع جنبلاط إلى زيارة دمشق مرتين سعياً لفتح قنوات تواصل مع الرئيس السوري الجديد أحمد الشرع في محاولة التوصل إلى تسويات تضمن مكانة الدروز، وتُبرز في الوقت ذاته وحدة المصير بين دروز سورية ولبنان.[19] وتطلّب هذا الموقف من جنبلاط اتخاذ مسافة، علنياً على الأقل، من القيادة الدرزية في إسرائيل، ومن مساعيها الحثيثة لشغل دور فاعل يتجاوز الشأن السوري الداخلي والعلاقة بين دروز سورية والنظام الجديد، ليطال كذلك طبيعة العلاقة بين النظام الجديد في سورية وإسرائيل.

وفي المقابل، أثارت تصريحات القيادة الدرزية في إسرائيل وتدخّلها في الشأن السوري، وخصوصاً الصراع على السيطرة في المناطق القريبة من الحدود الإسرائيلية، وإعلان إسرائيل وأجهزتها الأمنية التكفل بحماية الدروز خلال فترة الحرب الأهلية، وخصوصاً في محيط الجولان وما بعده، استياء وردات فعل سريعة وحازمة من طرف القيادة الدرزية في سورية.[20] فقد جوبهت هذه التدخلات برفض جماعي، وموقف موحد من أغلبية مكونات المجتمع الدرزي السوري، فحواه أن المرحلة الراهنة وواقعها بكل ما يحمله من هشاشة سياسية وأمنية، يستدعيان أقصى درجات الحذر والتأهب في مواجهة النظام الجديد، لكن ضمن الانتماء الوطني السوري.[21]

ولم تخرج هذه المواقف عن الإجماع الوطني الذي يعتبر الدروز جزءاً لا يتجزأ من الدولة السورية، ولهم دور كامل في صوغ دستورها وتحديد أمارات نظامها. وفي هذا السياق، جاءت مواقف عدد من القادة الدروز في سورية، وعلى رأسهم الشيخ حكمت الهجري، بأن ما يُروَّج عن تدخّل إسرائيلي، وما يُدّعى بشأن الرعاية الإسرائيلية لمصالح الدروز، وما يصدر عن شخصيات درزية، ليس إلّا محاولة لزعزعة الاستقرار السوري الداخلي، وتأجيج للتوترات الداخلية، واستثمار قلق الأقليات لمصالح أجندات خارجية تهدف إلى إضعاف الدولة ومحاولة تقويض إمكان نشوء نظام سياسي مستقر يطالب بانسحاب إسرائيل من الجولان تحت الرعاية الدولية.

يشكّل الدروز في إسرائيل أقلية صغيرة ومحدودة عددياً، ولا يملكون بمفردهم قوة توازي أو حتى تُقارَن بحجم المجتمعات الدرزية في كل من سورية ولبنان. ومع ذلك، فإن الارتباط الوثيق، والتحالف التاريخي بين القيادة الدرزية في إسرائيل والدولة، والدعم الأمني الذي تحظى به، أمور أوجدت انطباعاً بأن هذه القيادة تتحول، بفعل التحولات الجارية، إلى ذراع للدولة الإسرائيلية في صوغ المشهد الإقليمي، ولا سيما ضمن المثلث الثلاثي: إسرائيل؛ سورية؛ لبنان.

وقد أثارت الزيارات الرسمية التي قام بها الشيخ موفّق طريف لواشنطن في سنة 2018، ثم لموسكو في سنة 2022، والأُخرى اللاحقة للولايات المتحدة في سنة 2025، تساؤلات واسعة بشأن طبيعة تدخّله في الشأن السوري، ومدى ارتباطه بصدى خطط إسرائيلية قديمة / جديدة لإنشاء كيان درزي مستقل في مناطق الوجود الدرزي كجزء من مشروع أميركي أوسع لتقسيم سورية، وإعادة تجزئتها إلى دول طائفية تُنسب كل منها إلى أقلية معينة، وهو ما يجعل تدّخل القيادة الدرزية في إسرائيل في الشأن السوري مسألة بالغة الحساسية في كل مرة.

وأكد الشيخ موفّق طريف، في عدة مناسبات، أن دوافعه نابعة من حرص صادق على أمن الطائفة الدرزية وصون حقوقها في مواجهة قوة متطرفة تهدد وجودها وتقوض استقرارها، وأن كل تدخّل له في الشأن السوري إنما يأتي من هذا الحرص. غير أن هذه التصريحات، لم تبدّد المخاوف في سورية ولبنان، ولا حتى في إسرائيل، وخصوصاً بعد أن بدأت تتعالى أصوات تنتمي إلى مجتمعات درزية قريبة من الحدود مع إسرائيل، تطالب بالانضمام إلى المناطق الواقعة تحت السيطرة الإسرائيلية في الجولان.

وهذه الدعوات التي لاقت صدى واسعاً داخل أوساط درزية في إسرائيل، ساهمت في رسم تصور مضلل بأن بين دروز سورية مَن يقبل بإسرائيل طرفاً شرعياً في تنظيم العلاقات بين المكونات والطوائف الدرزية في الإقليم كله. وفي مواجهة هذه السردية، بادرت القيادة الرسمية للقرى الدرزية القريبة من الحدود إلى إصدار بيان أكّدت فيه تمسك الطائفة الدرزية بانتمائها الوطني السوري، ورغبتها في أن تكون طرفاً فاعلاً في الحوار القائم مع السلطة الجديدة في دمشق، بما يضمن حماية حقوقها وخصوصية مكانتها.[22] وتأكد هذا الموقف عبر الرسالة الحازمة التي وجهتها القيادة الدرزية وفحواها أن أي موقف يخالف هذا التوجّه أو يخرج عنه، يُعدّ خيانة لمصالح الشعب السوري وجميع مكوناته. والأمر الظاهر حتى الآن، هو أن مسار تشكيل العلاقة وتحديد طبيعتها بين الدروز في سورية والنظام الجديد، لا يزال في طور التشكّل، وربما يستغرق وقتاً.

في المقابل، وفي ضوء توسّع الاحتلال الإسرائيلي والتوغل داخل مناطق سورية جديدة، برزت في الأفق، بفعل السيولة الإقليمية، تصورات اجتماعية وسياسية ربما يتجاوز تحقيقها حدود الواقع، ومنها رغبة القيادة الدرزية داخل إسرائيل في التدخل في الشأن السوري، تحت راية الواجب الديني الراسخ في عقيدتها والمعروف بمبدأ “حفظ الإخوان”.[23] لهذا السبب، وعلى الرغم ممّا تثيره هذه المبادرات من تحفّظات وحرج لدى بعض أبناء الطائفة، فإن كثيرين ينظرون إلى هذه المبادرات، وخصوصاً بين النخب الدينية التي تستمد شرعيتها من رضى القيادة، كضرورة لا غنى عنها، وهو ما يعني أن ضمان بقاء الدروز وأمنهم يُعدّان الهدف الأسمى الذي يضفي شرعية على أي وسيلة تُفضي إلى تحقيقهما، حتى إن أثارت جدلاً.

وتكمن المفارقة في هذا المشهد في أن دروز سورية يرون أنفسهم أصحاب حقّ، وكل تعبير صادر عنهم بشأن قناعتهم بقدرتهم على المساهمة في بناء ملامح النظام الجديد في بلدهم، إنما هو من منطلق انتمائهم الوطني وهويتهم الوطنية السورية، في حين أن القيادة الدرزية في إسرائيل، والتي تسعى لنفوذ إقليمي من خلال اعتمادها على قوة الدعم الإسرائيلي، تبقى عاجزة عن التأثير داخلياً بشكل يضمن حقوقاً متساوية لأبناء طائفتها كمواطنين داخل إسرائيل. وهذا التناقض دفع كثيرين إلى توجيه نقد إلى القيادة، مطالبين إياها بإعادة النظر في أولوياتها، ومحاسبة ذاتها قبل أن توجه اهتمامها إلى الخارج. وقد دعا عدد من قيادات الدروز في إسرائيل الشيخ موفق طريف إلى توخّي الحذر وعدم الانجرار إلى مسارات وصراعات سياسية تتجاوز حجم الطائفة وقدرتها الفعلية والمادية والواقعية على التأثير، والامتناع من اتخاذ مواقف تثير الجدل، ولا سيما حين ينطوي ذلك على مخاطر لا مبرر لها قد تطال دروز سورية ولبنان. وفي رأي هؤلاء، فإن الدور الطبيعي للقيادة يجب ألّا يكون تأجيج الخلافات، وإنما إطلاق صوت توحيدي يقرّب أبناء الطائفة، ووسيط يرأب الصدع القائم ولا يعمّقه، وأن ذلك لن يتحقق إلّا بتجنب الانحياز إلى مواقف فئة صغيرة من دروز سورية لا تحظى بالإجماع، على حساب العلاقة مع سائر المكونات، حفاظاً على نسيج الطائفة، وضماناً لاستمراريتها في وجه التحولات الإقليمية.

وبغضّ النظر عمّن يُعدّ الأقرب إلى الصواب بين مختلف المجموعات داخل الطيف الدرزي في إسرائيل، فان السلوك الجمعي للدروز ككل، لا يزال يعكس وعيهم الوجودي لأنفسهم كأقلية صغيرة، حوّلهم الاستعمار الحديث إلى هذه الأقلية بعدما كانت لهم إمارة في ظل الحكم العثماني، وباتوا الآن أقلية تعيش في فضاء مضطرب تتنازعه التحولات الدائمة، وتغلب عليه الحروب والصراعات التي كثيراً ما تهدد وجودهم.

لقد زعزعت حرب 1948 والنكبة الفلسطينية المترتبة عنها، وبالتالي تأسيس دولة إسرائيل، الوعي الجمعي للطائفة. وإذا كانت الحرب الإسرائيلية على لبنان خلال الفترة 1982 – 2000 قد عرّت أمام هذه الطائفة تعقيدات الواقع اللبناني في أعقاب احتلال الجيش الإسرائيلي أجزاء من لبنان وصولاً إلى بيروت، وتعاونه آنذاك مع أعداء الطائفة التاريخيين المتمثلين في ميليشيات القوات اللبنانية المسيحية، فإن ما تشهده سورية اليوم يُدخل الدروز في منعطف جديد يحمّلهم عبء التكيف وفق واقع تزيد فيه التحديات والمخاطر، ويضع على كاهلهم ضرورة مواجهتها.

إن حساسية موقف الدروز من النظام الجديد في سورية الذي يحظى بدعم دولي واسع، ويستقطب شرعية بدأت تتوسع، أدخلتهم في مأزق جديد بين ولائهم الوطني والبقاء على عهد السلف الصالح في الانتماء إلى سورية الوطن، وبين ضمان أمنهم والمحافظة على كرامتهم كمجموعة لها حصّتها في صوغ هوية النظام الجديد.

ومن الجدير ذكره مجدداً، أن دروز سورية ليسوا بحاجة إلى مَن يعلّمهم معنى الولاء الوطني، وهم الذين أثبتوه ومارسوه وصدّروه، ليس من خلال رفضهم مخططات فرنسية ولاحقاً إسرائيلية قصدت إقامة “دويلة” درزية في مناطق سكناهم فحسب، بل كذلك من خلال وقوفهم في طليعة الصف الأول للثورة السورية ضد الاستعمار الفرنسي، بقيادة سلطان باشا الأطرش الذي رسّخ من خلال مقولته “الدين لله والوطن للجميع” أحد المبادىء الوطنية، متجاوزاً بذلك التنوع الطائفي في سورية، ومؤكداً الهوية الوطنية الجامعة كعقيدة أساسية وبوتقة حاملة لجميع السوريين، بغضّ النظر عن انتمائهم المذهبي والعقائدي.[24] 

خلاصة

إن السيولة السياسية والأمنية الداخلية وتلاشي الحدود الجيوسياسية التي كانت ترسم ملامح الدولة السورية أدت إلى حالة اضطراب داخلي في البلد. وأحد انعكاسات هذا الاضطراب هو التحولات الطارئة على تعزيز التقارب بين جماعات سكانية متنوعة على أطراف الحدود السورية. ومن أبرز هذه التحولات وأكثرها حساسية العلاقة بين الدروز في سورية من جهة، والدروز في إسرائيل من جهة أُخرى. وقد أشعل بعض التقارب بين الفئتين فتيل الصراع بين عدة زعامات درزية عبر الحدود.

لقد أظهرت التطورات المتسارعة في المنطقة، إلى جانب مواقف قادة الطائفة الدرزية، العلنية منها وغير العلنية، أن عقوداً وفترات زمنية طويلة من الانقطاع بين الدروز في إسرائيل وسائر أبناء الطائفة في العالم العربي، لم تُضعف الأواصر العميقة التي تجمع بين مختلف مكونات المجتمعات الدرزية. كما أن وحدة المصير القائمة على أسس دينية مشتركة جسّدت الدور المحوري للقيادة الدينية في توجيه الطائفة نحو سياق برزت فيه أسئلة جديدة عن الهوية، في إثر انهيار الحدود الجيوسياسية التي كانت سائدة في المنطقة عقوداً طويلة.

ومع ذلك، فإن التطورات في سورية ولبنان والتدخل الإسرائيلي في مجرياتهما، سلطت الضوء على التوتر القائم بين القيادات الدرزية في مختلف الدول، وخصوصاً ما يتعلق بحقيقة الارتباط العميق للدروز في إسرائيل بالسلطة الإسرائيلية وخدمتهم في جيشها، وهو ما أثار قدراً من الحرج لدى الدروز في العالم العربي دفعهم إلى الإبقاء على مسافة علنية تفصلهم عنهم، خشية أن يُنظر إليهم كمَن يغلّبون مصالح طائفية ضيقة على حساب انتمائهم الوطني.

وعلى الرغم من ذلك، فإن أفراد شريحة كبيرة من الدروز لا يزال لديهم شعور لا يمكن إنكاره، بأن التحولات الإقليمية الراهنة، والواقع الإقليمي الجديد، أعادا إحياء هويتهم الطائفية، وأبرزا هويتهم الدرزية، ورسّخا انتمائهم الطائفي، الأمر الذي يمنح، في نظرهم، الشرعية لأي تحرّك يُتخذ لحماية أبناء الطائفة في أي مكان، وذلك استناداً إلى مبدأ “حفظ الإخوان” الذي يُعدّ ثاني المبادىء الأساسية في العقيدة الدرزية.

ويبقى المشهد القائم حالياً مشرعاً على كثير من السيناريوهات التي يؤدي النظام الجديد داخل كل واحد منها، دوراً في غاية الأهمية يتطلب منه أن يطمئن السوريين، ويجيب عن تساؤلاتهم بشأن الواقع الجديد المقبلين عليه، والذي لا خوف عليه من نظام الدولة الجديد وفق التجارب السورية السابقة، بل خوف عليه في سبيل تمكينه وبنائه بسواعد سورية متعددة. وتُعتبر تهدئة التوترات الأخيرة مؤشراً إيجابياً من شأنه أن يعيد الأمور إلى نصابها، لأن النظام الجديد عازم على حل الأزمات بالطرق السلمية، بينما التدخلات الإسرائيلية والقصف الجوي آخذان في التراجع عقب الضمانات الأميركية بأن العلاقات مع النظام السوري الجديد ستكون جزءاً من نظام إقليمي يضمن السلم والاستقرار للأطراف كافة.

وليس لدينا أمام هذه الخريطة السياسية والعسكرية والاجتماعية الإقليمية، إلّا الانتظار حتى تنكشف معالم الصورة كاشفة معها معالم الواقع الجديد، وخصوصاً مع احتمال إبرام اتفاقيات من شأنها أن توضح الواقع وتبدد ضبابيته أكثر، ولا سيما إذا كنا نتحدث عن عملية سلام عربية حقيقية وراسخة مع إسرائيل، تشمل سورية، وبالتالي تتيح المجال أمام التواصل الطائفي بغضّ النظر عن طبيعة التوافقات الداخلية بين النظام الجديد والطوائف المتنوعة في سورية، وعلى رأسها العلويون والأكراد والدروز، على أمل بأن يتيح لنا ذلك القيام بزيارة شرعية لسورية الأبية، ولا سيما الشام والسويداء.

المصادر:

[1] رستم محمود، “دروز سوريا… دروب القلق والريبة من النظام الجديد: الخوف من العودة إلى الشمولية المركزية”، “المجلة”، 26 كانون الثاني / يناير 2025، في الرابط الإلكتروني.

[2] قيس فرو، “الدروز في زمن الغفلة: من المحراب الفلسطيني إلى البندقية الإسرائيلية” (بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 2019).

[3] حسن أمين البعيني، “سلطان باشا الأطرش والثورة السورية الكبرى” (بيروت: مؤسسة التراث الدرزي، 2008).

[4] Anne Barnard, “Syrian Druse Reconsider Alliances after Deadly Attack”, The New York Times, 11 June 2015.

[5] Carmit Valensi, “A New Era in Syria: Winners, Losers, and Implications for Israel”, Policy Paper, The Institute for National Security Studies (INSS), 12 January 2025.

[6]Ibid.

[7] كفاح زبون، “إسرائيل تحذّر النصرة من السيطرة على بلدة حضر في الجولان”، “الشرق الأوسط”، 4 تشرين الثاني / نوفمبر 2017، في الرابط الإلكتروني.

[8] غالب أبو مصلح، “الدروز في ظل الاحتلال الإسرائيلي” (بيروت: مكتبة العرفان، 1975).

[9] أمل جمّال، “عقلية البقاء والقطيعة الأخلاقية في سلوكيات المجموعات الصغيرة: الدروز في إسرائيل مثالاً”، في: يسري خزران (محرر)، “العرب الدروز في إسرائيل: مقاربات وقراءات نظرية وسياسية ناقدة” (حيفا: مدى الكرمل، 2018)، ص 14 – 66، في الرابط الإلكتروني

[10] Amal Jamal, “Descriptive Over-Representation, Cliental Accountability and Minority Politics: The Case of the Druze in Israel”, Democratization, vol. 29, no. 8 (2022), pp. 1476-1495.

[11] Gallia Lindenstrauss, “Israel’s Kurdish Dilemmas”, Policy Paper, The Institute for National Security Studies (INSS), 1 January 2025.

[12] Barnard, op. cit.

[13] نور عبد السلام، “الدروز بين إسرائيل وسوريا: الولاء، الهوية، المصالح السياسية”، مركز البيان للدراسات والتخطيط، 20 نيسان / أبريل 2025، في الرابط الإلكتروني.

[14] إستيل شوربون، “دروز إسرائيل يطالبون الدولة بردّ الجميل وحماية أبناء الطائفة في سوريا”، “سويس إنفو” (Swissinfo.ch)، 14 أيار / مايو 2025، في الرابط الإلكتروني.

[15] “نتنياهو يأمر الجيش بالاستعداد للدفاع عن الدروز في ريف دمشق”، “سكاي نيوز عربية” 1 آذار / مارس 2025، في الرابط الإلكتروني.

[16] “بيان الشيخ موفق طريف الرئيس الروحي للطائفة الدرزية في أعقاب أحداث جرمانا”، “موقع هنا” (د.ت.)، في الرابط الإلكتروني.

[17] زياد بركات، “صراع المرجعيات الدرزية في ذروته… وليد جنبلاط في مواجهة موفق طريف”، موقع تلفزيون “العربي”، 5 أيار / مايو 2025، في الرابط الإلكتروني.

 [18]راما حديفة، “دروز سوريا.. وضع سياسي معقد يفرض تحديات مصيرية”، “الشرق”، 9 نيسان / أبريل 2025، في الرابط الإلكتروني. 

[19] ديفيد هيرست، “جنبلاط: الدروز لا يحتاجون أي مساعدة من إسرائيل”، “نون بوست” (ترجمة من ميدل أيست آي)، 21 أيار / مايو 2025، في الرابط الإلكتروني.

[20] صبحي فرنجية، “إسرائيل والتلاعب بورقة ‘حماية الدروز’ في سوريا”، مجلة “المجلة”، 3 أيار / مايو 2025، في الرابط الإلكتروني التالي:

إسرائيل والتلاعب بورقة “حماية الدروز” في سوريا | مجلة المجلة

[21] “مشيخة عقل الدروز في سوريا تدين العدوان الإسرائيلي وتدعو لإعادة الأمن ونبذ الفتن”، “تي. آر. تي. غلوبال” (TRTGlobal)، 6 أيار / مايو، في الرابط الإلكتروني.

[22] حديفة، مصدر سبق ذكره.

[23] “لا نتدخّل ولا نؤثّر.. زعيم دروز إسرائيل يدعو لسوريا موحدة”، “سكاي نيوز عربية”، 13 أيار / مايو 2025، في الرابط الإلكتروني.

[24] ثائر أبو صالح، “إسرائيل ومشروع الدويلة الدرزية”، العربي الجديد، 27 مارس 2022، في الرابط الإلكتروني.

السيرة الشخصية: 

أمل جمّال: أكاديمي وأستاذ الفكر والاتصال السياسي (يركا – الجليل).

عن مجلة الدراسات الفلسطينية العدد 143 – صيف 2025

About The Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *