الخطاب الإسرائيلي في “طوفان الأقصى”


اشترك معنا في قناة تلغرام: اضغط للاشتراك حمل تطبيق الملتقى الفلسطيني على آندرويد: اضغط للتحميل

تهدف هذه المقالة إلى تحليل الخطاب الإسرائيلي تجاه الفلسطينيين خلال حرب “طوفان الأقصى”، من خلال رصد تصريحات للسياسيين والمسؤولين الإسرائيليين. وقد استهدفت المؤسسة الإسرائيلية، باستخدامها الخطاب العنصري تجاه الفلسطينيين، فئتين من الجمهور، فئة خارجية وفئة داخلية. ويختلف الخطاب العنصري الموجّه إلى الجمهور الغربي، ظاهرياً، عن الخطاب العنصري الموجّه إلى الجمهور الإسرائيلي، لكنهما يلتقيان في الهدف، وهو تبرير قتل الفلسطينيين وممارسة أقسى أشكال العنف والتدمير ضدهم.

يرتكز الخطاب الإسرائيلي الموجّه إلى الغرب الأوروبي والأميركي على استغلال متلازمة “الإسلاموفوبيا” (الخوف من الإسلام) المستفحلة في الغرب. بحسب إدوارد سعيد، تم ربط الإسلاموفوبيا بمفاهيم استشراقية قائمة على تصوير المسلم كشخص عنيف سفّاك للدماء يكره الآخر، وبشكل خاص اليهود.[1] في هذا السياق، نجد توصيف المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي “دورون سبيلمان” الوضع في إسرائيل، عقب عملية “طوفان الأقصى”، بأنه “شبيه بهجمات 11 أيلول/سبتمبر2001″، التي استهدفت برجيْ مركز التجارة العالمي في الولايات المتحدة الأميركية.[2]  بالترافق مع ذلك، كتب “أفيخاي أدرعي” (المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي للإعلام العربي) على صفحته في إكس (تويتر سابقاً)، “حماس وداعش وجهان لعملة واحدة.”[3] واصفاً الفصائل الفلسطينية المقاوِمة بالدواعش والإرهابيين.[4]

يضرب المتحدثون باسم الجيش الإسرائيلي على وتر حساس في الوعي الجمعي الغربي، الذي ارتبطت فيه مشاهد 11 أيلول/سبتمبر وممارسات داعش مع تعاظُم ظاهرة الإسلاموفوبيا. تشبيه “طوفان الأقصى” بأحداث أيلول/سبتمبر، والفصائل المقاوِمة بداعش، هو امتداد لاستراتيجية إعلامية إسرائيلية تبناها رئيس الوزراء الأسبق أريئيل شارون، عندما شبّه الرئيس الفلسطيني السابق ياسر عرفات بزعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن،[5]  في معرض تبريره للتخلص منه، والهدف من هذا التشبيه الإيحاء إلى المجتمع الغربي بوجود قاسم مشترك مع إسرائيل، وهو محاربة “الإرهاب”، وأن إسرائيل تواجه “إرهابيين”، وليس طلاب حرية، أو حركة تحرّر وطني. يتضح هذا الهدف بصورة جلية في خطاب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الموجّه إلى السفير الفرنسي، عقب هجمات داعش في فرنسا سنة 2015، بقوله: “نحن فخورون بقيمنا وصداقتنا وحريتنا… عندما تشخّص القوى المتحضرة المشكلة، لن يبقى أمامها سوى الاتحاد من أجل القضاء على هذه الحيوانات، هذه الحيوانات لها اسم، وهو الإسلام المتطرف، نحن ملزمون بالوقوف معاً لنحارب الإسلام المتطرف.”[6]

نلمس صدى الخطاب الإسرائيلي العنصري الاستشراقي في خطاب الرئيس الأميركي جو بايدن، عندما وصف عملية طوفان الأقصى بـ “الشر الخالص المحض”، وأن “حماس” “جماعة هدفها المعلن هو قتل اليهود،” معتبراً طوفان الأقصى شكلاً من أشكال الإرهاب، مصرّحاً بأن “وحشية ‘حماس’ تعيد إلى الأذهان أسوأ هيجان لداعش.”[7] وهكذا نجد التماهي بين الخطاب الإسرائيلي والخطاب الأميركي في توصيف مقاومة الشعب الفلسطيني بالإرهاب، ونزع صفة حركة التحرر الوطني عنها، مع وصمها بالداعشية، وذلك لتبرير الممارسات الإسرائيلية العنيفة تجاه الفلسطينيين.

داخلياً؛ ارتكز الخطاب الإسرائيلي الموجّه إلى الجمهور الإسرائيلي على نزع الإنسانية عن الفلسطينيين (Dehumanization)، يتجسد ذلك في تصريح وزير الدفاع الإسرائيلي يوآف غالانت في معرض حديثه عن شنّ عدوان على قطاع غزة بقوله: “نحن نحارب حيوانات بشرية.”[8] وذلك في تبريره لقطع الكهرباء والماء والطعام عن قطاع غزة. يأتي تصريح غالانت امتداداً لسلسلة طويلة من التصريحات الإسرائيلية التي تهدف إلى نزع الصفة الإنسانية عن الفلسطينيين، وتشبيههم بالحيوانات والحشرات، فسابقاً، وصف رئيس الأركان الإسرائيلي رفائيل إيتان الفلسطينيين بـ”الصراصير”، بينما شبّههم رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق إسحق شامير بـ”الجنادب”، أمّا عضو الكنيست، من حزب الليكود اليميني، “يحائيل حزان”، فقد وصف العرب بأنهم “ديدان”.[9]

انصهر الخطاب العنصري الإسرائيلي الهادف إلى نزع الإنسانية عن الفلسطينيين والعرب، في الموروث الفقهي اليهودي العنصري، تمظهر ذلك في حديث الحاخام عوفاديا يوسف (الزعيم الروحي لحركة شاس، والحاخام الأكبر السابق لليهود السفارديم في إسرائيل)، وقوله: “إن اليهودي عندما يقتل مسلماً فكأنما قتل ثعباناً أو دودة، ولا أحد يستطيع أن ينكر أن كلاً من الثعبان والدودة خطر على البشر، لهذا فالتخلص من المسلمين مثل التخلص من الديدان، أمر طبيعي أن يحدث.”[10]

يتقاطع الخطاب العنصري الإسرائيلي الهادف إلى نزع الإنسانية عن الفلسطينيين مع ممارسات الاستعمار الأوروبي، المبنية على نظرة استشراقية استعلائية تجاه الشعوب المستعمَرة، فقد دأب المستعمرون الأوروبيون على النظر إلى الشعوب المستعمَرة على أنهم أدنى مكانةً منهم، كما تم وصمهم بصفات غير آدمية تنزع عنهم صفة الإنسانية، سواء من خلال تشبيههم بالحشرات أو الحيوانات، وذلك لتبرير قتلهم والتخلص منهم.[11]

الخلاصة:

يمكننا القول أنه يوجد خطاب عنصري إسرائيلي متكامل تجاه الفلسطينيين، فمن ناحية، تتم شيطنتهم ودعشنتهم على مستوى العالم، ومن ناحية أُخرى، يتم نزع صفة الإنسانية عنهم، وذلك بهدف نزع أيّ تعاطُف معهم، وتبرير الممارسات العنيفة ضدهم، سواء بالقتل عبر القصف، أو الحصار والتجويع، أو بتدمير المباني على رؤوس ساكنيها، من المدنيين والعزل من الأطفال والنساء وكبار السن.

فعندما تتم شيطنة الفلسطينيين ونزع صفة الإنسانية عنهم، ووصمهم بالإرهاب والدعشنة، يصبح من السهل على الآلة العسكرية الإسرائيلية التمادي في ممارساتها الدموية، وكأنها لا تقترف جريمة، أو أيّ تجاوُز أخلاقي، فالمستهدفون بهذا القتل والتدمير والحصار والتجويع، ليسوا بشراً، أو منتمين إلى الجنس البشري، بل هم “حيوانات بشرية” وحشرات يجب التخلص منها، من دون أيّ رحمة، أو رأفة، أو تأثُّر بمشاهد الأطفال والأبرياء وأشلائهم بعد قصف بيوتهم.

[1] إدوارد سعيد، “الاستشراق: المفاهيم الغربية للشرق”، ترجمة محمد عناني (القاهرة: رؤية للنشر والتوزيع، 2006)، ص: 439.

[2] مسؤول إسرائيلي يصف الوضع الراهن بـ”11 أيلول/سبتمبر الإسرائيلية”، وكالة الأناضول، 9/10/2023.

[3] صفحة أفيخاي أدرعي على تطبيق إكس، 10/10/2023.

[4] أفيخاي أدرعي يحاضر في الشريعة الإسلامية، ويصف الفصائل الفلسطينية بالدواعش والإرهابيين، كيف تردون عليه؟ موقع اليوتيوب، 10/10/2023.

[5] “إسرائيل تعتقل خلية لفتح وشارون يشبّه عرفات ببن لادن“، الجزيرة نت، 6/10/2001.

[6] أشرف بدر، “الصهيونية والغرب: من الاستشراق إلى الإسلاموفوبيا” (بيروت: مركز الزيتونة، 2016)، ص 47.

[7] كلمة الرئيس بايدن بشأن الهجمات الإرهابية في إسرائيل، U.S Department of State ،10/10/ 2023.

[8] وزير الدفاع الإسرائيلي: نحارب حيوانات بشرية.. لا كهرباء ولا طعام إلى قطاع غزة (فيديو)، روسيا اليوم، 9/10/2023.

[9] أشرف بدر، “الاشمئزاز كآلية استعمارية: الاستعمار الاستيطاني الصهيوني نموذجاً”، في: عبد الرحيم الشيخ، محرر، “مفهمة فلسطين الحديثة: نماذج من المعرفة التحررية” (بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 2021).

[10] أشرف بدر، “الاشمئزاز كآلية استعمارية…”، مصدر سابق، ص 104.

[11] المصدر نفسه.

عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية

اشترك معنا في قناة تلغرام: اضغط للاشتراك

حمل تطبيق الملتقى الفلسطيني على آندرويد: اضغط للتحميل

Author: اشرف بدر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *