الحملة الإسرائيلية الداخلية الحادّة ضد سياسات نتنياهو: إخفاقات كبيرة في أكثر من مجال!


اشترك معنا في قناة تلغرام: اضغط للاشتراك حمل تطبيق الملتقى الفلسطيني على آندرويد: اضغط للتحميل

    مع استمرار الحرب الإسرائيلية الضارية على قطاع غزة التي جرى شنّها في إثر الهجوم المباغت لحركة حماس على مواقع عسكرية في منطقة الحدود مع القطاع، وعلى ما يعرف باسم “بلدات غلاف غزة”، يوم 7 تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، تزداد اتساعاً يوماً بعد يوم حملة الهجوم الحادّ على رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو التي تتهمه بالمسؤولية المباشرة عن الحرب الحالية. وهي حملة تتشابك في الوقت عينه مع مواصلة تآكل شعبيته وتراجع قوة حزبه الليكود في استطلاعات الرأي العام، فضلاً عن انخفاض نسبة الإسرائيليين الذين يرون بأنه الشخص الأكثر ملاءمة لتولي منصب رئيس الحكومة.

    في هذه المساهمة سنتوقف عند بعض النصوص التي تعبّر عن تلك الحملة، التي ما تزال تتفاعل في معظمها من خلال كتابة ذات علاقة وظائفية بالعالم السياسي المتحرّك، لكن في الإمكان النظر إليها بوصفها “دليلاً” على تلّمس المستقبل الذي من شأنه أن يكون في انتظار نتنياهو عند أول منعطف في الحرب إلى ناحية توقفها. كما أن من الواجب أن نلفت الأنظار إلى أن هذه الكتابة لا تنطوي فقط على  أبعاد ودلالات ترتبط بمرامي سياسة نتنياهو الداخلية والتي كشّرت عن أنيابها عبر حكومته الحالية الأكثر تطرفاً يمينياً قومياً ودينياً، إنما أيضاً تتعلق ببُعد ليس أقل أهمية وهو المرتبط بسياسة نتنياهو الخارجية وبالذات حيال القضية الفلسطينية عموماً.

    إن الجانب الأكثر مدعاة لهذه الحملة هو الذي تركّز عليه بوجه خاص في الآونة الأخيرة صحيفة “هآرتس“، وينطوي على إشارات قوية إلى أن نتنياهو تجاهل الكثير من الوقائع التي كان فيها ما يشير إلى احتمال وقوع هجوم حماس يوم 7 أكتوبر الماضي، ولعلّ أبرزها، على سبيل المثال، الوثائق التحذيرية التي أرسلها رئيس وحدة الأبحاث في شعبة الاستخبارات العسكرية (“أمان”)، اللواء عميت ساعر، خلال شهرَي آذار وتموز الماضيين. وقد نشرت الصحيفة يوم 21 تشرين الثاني الحالي محتوياتها التي تضمنت تحذيراً واضحاً من أن “أعداء إسرائيل” – إيران وحزب الله وحماس والجهاد الإسلامي- يشخّصون ضعفاً إسرائيلياً وضرراً في الردع، وذلك بسبب الأزمة الداخلية العميقة التي تتعمق أكثر فأكثر. لذلك، هناك احتمال كبير لما نعته بأنه “عاصفة مثالية”، وتصعيد أمني. وتنوّه الصحيفة بأنه لكون هذا المسؤول العسكري الكبير لا يزال يرتدي البزة العسكرية، فإنه لا يستطيع التطرق مباشرةً إلى الانقلاب على الجهاز القضائيّ الذي بادر إليه نتنياهو ووزير العدل ياريف ليفين وأدى إلى أزمة داخلية عميقة في إسرائيل، لكنه تحدّث بصراحة عن “الصورة السلبية الاستثنائية لبعض أعضاء الحكومة في الساحة الدولية”، وهي إشارة واضحة إلى الوزيرين بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير، وأشار أيضاً إلى “تآكل الديمقراطية والنظام القضائي الإسرائيلي”، بصفتها عوامل تُلحق برأيه الضرر بمكانة إسرائيل الدولية.

    ورأى رئيس تحرير “هآرتس”، ألوف بن، في مقال تعقيبيّ على هذه الوثائق (22/11/2023)، أن هناك أزمة في الرؤية الاستراتيجية لدى شعبة “أمان”، التي تركز على الأعداء الأقوياء، حزب الله وإيران، وتتطرق إلى الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة بأنهم يشكلون “خطراً أقل” بالنسبة إلى إسرائيل. وأكد أنه لا شك في أن القوة العسكرية ومنظومات الصواريخ التابعة لحماس والجهاد الإسلامي كانت أضعف كثيراً مما لدى حزب الله، ولدى إسرائيل قدرة أكبر كثيراً على إلحاق الضرر بالفلسطينيين، نسبةً إلى عملية إسرائيلية ضد إيران البعيدة، إلا إن لدى الفلسطينيين ميولاً أكبر للمخاطرة – كما بات واضحاً بعد عشرات المواجهات معهم – وأكثر شرعيةً، داخلياً ودولياً، لضرب إسرائيل، مما لدى إيران أو حزب الله. كما أن هذه الشعبة لم تولِ أهمية للاستفزازات التي تقوم بها حكومة اليمين بالكامل حيال الفلسطينيين. وهو ما انعكس في توسيع المستوطنات، والمقاطعة السياسية للسلطة الفلسطينية، وارتفاع أعداد اليهود الذين يدخلون إلى حرم المسجد الأقصى الذي يشكل منذ مئة عام مبرراً لـ “تصاعد العنف الفلسطيني”. وخلال الإحاطات منذ بداية الحرب، التي تستند إلى التحقيقات مع أسرى حماس، قال رجال استخبارات في إسرائيل إن زعيم حماس، يحيى السنوار، بدأ بالتخطيط للهجوم بعد أحداث عملية “حارس الأسوار” في ربيع 2021. ففي ذلك الوقت، اقتحم أفراد الشرطة الإسرائيلية البلدة القديمة والمسجد الأقصى. وليس اعتباطاً تمت تسمية الحملة التي قامت بها حماس بـ”طوفان الأقصى”، بالضبط مثل “انتفاضة الأقصى” التي اندلعت في صيف 2000، بعد أن قام زعيم المعارضة، حينها، أريئيل شارون، بالدخول إلى حرم المسجد الأقصى. ووصل الاستفزاز والاستهتار إلى القمة عندما أكد نتنياهو نيته التوصل إلى سلام مع السعودية، من دون مفاوضات مع الفلسطينيين، وهو ما كان يبدو أنه دعوة إلى المواجهة. غير أنه على الرغم من الفجوات في تقديرات شعبة “أمان”، وأخطاء الاستخبارات في تحليل خطة السنوار وتدريبات حماس، يشدّد ألوف بن على أنّ نتنياهو هو المسؤول الأساس عن سوء استعداد إسرائيل لمواجهة أحداث 7 أكتوبر، فلقد تجاهل التحذيرات بشأن التصعيد، ولم يفحص جهوزية الجيش، ودفع الفلسطينيين بكل قوة إلى المواجهة… وهذه هي بنود الاتهام الأساس الموجهة إليه.

    بالتوازي مع هذا تتراكم أيضاً اجتهادات كثيرة تحمّل نتنياهو وحكوماته المتعاقبة منذ العام 2009 المسؤولية عما حدث ليس فقط بسبب تجاهله إنذارات المؤسسة الأمنية الإسرائيلية وانشغاله بدفع أجندته الداخلية المخصوصة التي وقفت في صلبها خطة الانقلاب على الجهاز القضائي، إنما أيضاً على خلفية سياسته العامة إزاء القضية الفلسطينية والاحتلال. ومن أولى علائم ذلك ما طرحه المشروع المشترك الذي أطلقته “مؤسسة بيرل كتسنلسون” و”مركز مولاد لتجديد الديمقراطية في إسرائيل” تحت عنوان “انهيار المفاهيم ـ الطريق إلى إخفاق 7 أكتوبر 2023″، وأشير فيه إلى انهيار “مفهوم السلام من دون الفلسطينيين” الذي عمل نتنياهو على ترسيخه، وإلى ضرورة مراجعته. وبموجب ما كتب في ذلك المشروع الذي تمّ التطرّق إليه بتوسع في مادة سابقة من إصدارات مركز مدار، تبدأ مراجعة مفهوم “السلام بدون الفلسطينيين” من الإشارة التهكمية إلى أن نتنياهو، كان قد ظنّ أنه اجترح خدعة عبقرية تقول إنه بالإمكان تجاهل الصراع مع الفلسطينيين، وعقد اتفاقيات سلام مع دول عربية مختلفة. وقد فاخَر نتنياهو حتى بالاسم الذي أطلقه على خدعته تلك ـ “السلام مقابل السلام”- عِوضاً عن الشعار الذي حكم الصراع مع الشعب الفلسطيني وهو: “الأرض مقابل السلام”. لكن “في يوم 7 أكتوبر، تبيّن لنا جميعاً، بمزيد من الدم والألم، ما قيمة تلك الخدعة”! (راجع: سليم سلامة، من تداعيات أحداث 7 تشرين الأول: انهيار مفهوم أن بإمكان إسرائيل تحقيق السلام بدون الفلسطينيين…، مركز مدار 21/11/2023).   

    ولا شك في أنه سيحين الوقت الذي سنتوقف فيه بالتفصيل عند هذا الموضوع بما في ذلك المفهوم العام الذي تبناه نتنياهو ومن خلاله حاول الالتفاف على القضية الفلسطينية ومدّ جسور التطبيع مع دول عربيّة عبر “اتفاقيات أبراهام”، التي تطرّق إليها في مناسبات من الصعب حصرها من أحدثها آخر كتبه وهو بعنوان “بيبي: قصة حياتي” الصادر في العام 2022، والذي سخر فيه من زعماء إسرائيليين سابقين على غرار إيهود باراك وإيهود أولمرت بسبب ما وصفه بأنه “إيمانهم بأسطورة مركزية القضية الفلسطينية في الشرق الأوسط”، مدعيّاً أن “الطريق إلى السلام الشامل بين إسرائيل والعالم العربيّ لا يمرّ عبر المقاطعة في رام الله بل من خلال الالتفاف عليها”!  

    إن النتيجة المطلوب استخلاصها من ذلك هو أن ما شهدناه في الفترة القليلة الماضية أعاد القضية الفلسطينية إلى صدارة الأحداث، وأكد مرة أخرى مركزيتها في قضايا الشرق الأوسط عموماً. ومثل هذه النتيجة يتوصل إليها المزيد من الإسرائيليين والأطراف الدولية وفي مقدمها الولايات المتحدة، بحيث سيكون من الصعب عدم أخذها في الاعتبار في اليوم التالي للحرب ضد غزة.  

    عن المشهد الاسرائيلي- مدار/ المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية

    اشترك معنا في قناة تلغرام: اضغط للاشتراك

    حمل تطبيق الملتقى الفلسطيني على آندرويد: اضغط للتحميل

    Author: أنطوان شلحت

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *