الحل واللا حل


اشترك معنا في قناة تلغرام: اضغط للاشتراك حمل تطبيق الملتقى الفلسطيني على آندرويد: اضغط للتحميل

تتعامل دولة الاحتلال مع الصراع الفلسطيني/ الإسرائيلي باعتباره صراعا غير قابل لحل يوافق عليه الشعب الفلسطيني ونظامه السياسي. وهي تعتقد بأن الحل الوحيد للصراع هو الحل الإسرائيلي الذي يعتبر حق تقرير المصير على أراضي فلسطين التاريخية “حقا حصريا للشعب اليهودي” جاء ذلك في قانون القومية 2018 وفي برنامج حكومة نتنياهو – بن غفير 2023. الحل الإسرائيلي يعتبر الاستيطان عملا مشروعا ومفتوحا في عموم الأراضي الفلسطينية التي تعتبر أراضي للشعب اليهودي، وهي غير محتلة، ومدينة القدس “الموحدة عاصمة لإسرائيل”، ولا حقوق للاجئين الفلسطينيين وقضيتهم منتهية.
من الطبيعي ألا يقبل الشعب الفلسطيني ولا أي جهة فلسطينية رسمية بشطب قضيتهم وحقوقهم جملة وتفصيلا. ومع هذه الرؤية الاستعمارية العنصرية، تمارس حكومة الاحتلال الإسرائيلي سياسة الاستيطان والضم والتهويد والتطهير العرقي والقمع المنهجي، وشطب الحقوق الفلسطينية من طرف واحد.
حظي الموقف الإسرائيلي بموافقة مباشرة أو غير مباشرة من إدارة ترامب التي قدمت “صفقة القرن” بمضمون الرؤية الإسرائيلية للحل، حين اعترفت بضم القدس الشرقية، وأزالت قضية اللاجئين من البحث واعتبرت الاستيطان عملا شرعيا، ورعت اتفاقات التطبيع بين دول عربية واسرائيل بمعزل عن إنهاء الاحتلال الإسرائيلي، بما في ذلك تذليل العقبات. وكانت الإدارة الأميركية الحالية والسابقة تدفعان بقوة لإنجاز التطبيع مع السعودية واسرائيل. ولم تميز إدارة بايدن مواقفها عن إدارة ترامب، إلا بالأقوال التي تتحدث عن حل الدولتين، وشكلت المواقف الأميركية غطاء سياسيا للموقف الإسرائيلي العدمي من الحقوق الفلسطينية المشروعة.
وشارك الاتحاد الأوروبي في إزاحة القضية الفلسطينية من الأجندة الدولية متبعا مواقف غير مبالية، وممتنعا عن تقديم مبادرات جديدة لحل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، متساوقا مع الموقف الأميركي، وقد خدم موقفه هذا سياسة حكومة نتنياهو. الموقف الأوروبي يتناغم مع الموقف العربي الرسمي الذي تراجع عن مبادرة السلام العربية لصالح إبرام اتفاقات منفردة لا تشترط إنهاء الاحتلال أو الحد من الاستيطان ولا حتى وقف التطهير العرقي في القدس والأغوار ومحافظة الخليل.
الموقف الدولي والعربي الرسمي تراجع عن الحل الذي اعتمدته الأمم المتحدة عبر مجموعة من القرارات والمشاريع، كقرار التقسيم رقم 181، وقرار حق العودة رقم 194، ومجموعة القرارات التي دعمت حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره بما في ذلك إقامة دولته فوق الأراضي المحتلة العام 1967 وعاصمتها مدينة القدس الشرقية، وقرار الاعتراف بدولة فلسطين كعضو مراقب في الأمم المتحدة وقرارات قبولها في عشرات المنظمات والاتفاقات الدولية. التراجع الدولي والعربي أخذ صيغة العمل بنقيض تلك القرارات كدعم السياسات الإسرائيلية كما هو حال الإدارة الأميركية والمملكة المتحدة، وصيغة التعايش مع السياسة العدمية الإسرائيلية واستمرار تأييد تلك القرارات تأييدا لا يسمن ولا يغني من جوع ولا يؤثر قيد أنملة في التدمير الإسرائيلي للحل السياسي الذي تقبل به أكثرية الشعب الفلسطيني.
مقابل ذلك، يبرز موقف رافض للحل من قِبَل محور دول الممانعة وتنظيمات المقاومة التي تحظى بدعمها. فهذا المحور يرفض الحل السياسي الذي اعتمدته الأمم المتحدة، ويتبنى الحل الذي يتأسس على هزيمة إسرائيل وإقامة دولة فلسطينية من النهر إلى البحر. يزدهر هذا الموقف وتزداد شعبيته مع كل نجاح للحل العدمي التصفوي الذي تترجمه حكومة نتنياهو على الأرض. ومع كل تساوق دولي وعربي مع هذا الحل، ومع حالة الحصار والخنق المعيشي والمعاناة الفلسطينية. يتبارى كثيرون في سوق الحجج وما أكثرها للقول إن الاستيطان جعل هذا الحل مستحيلا، فضلا عن المزاج العام الفلسطيني غير المقتنع بهذا الحل.
إذا كان هدف معسكر اليمين الديني القومي وحكومته تدمير هذا الحل، فهل نعترف بأنهم فازوا وحققوا هدفهم. ولكن هل فاز أيضا محور الممانعة والمقاومة الذي رفض هذا الحل – من مواقع مختلفة-؟ القوى النافذة في محور الممانعة ترفض حلا سياسيا يلبي الحد الأدنى من الحقوق الفلسطينية، وفي الوقت نفسه لا يقدم رؤية أو استراتيجية بديلة تلبي الحقوق الفلسطينية المطلقة. لا يقدم رؤية لتحقيق أهداف جزئية كتحرير الجولان ومزارع شبعا لأقطاب المحور، ونجده يتعاطى مع حلول سياسية في ترسيم الحدود البحرية وقد تمتد إلى ترسيم الحدود البرية، وفي مواجهة حرب الإبادة في غزة فإن أقصى ما طُرح هو العودة إلى ما قبل 7 أكتوبر، أي هدنة جديدة يضاف إليها الإفراج عن أعداد من الأسرى. الرؤية البديلة للحل السياسي المعتمد دوليا التي يقدمها المحور الممانع هي المقاومة التي تملك سحرا جاذبا للأجيال الجديدة، بينما المقاومة هي وسيلة لتحقيق أهداف وليست هدفا بحد ذاتها. ولأن المقاومة وسيلة فإن القوى النافذة في محور الممانعة تستخدمها كورقة لتحسين شروطها في الإقليم، ولا يهمها انتزاع الشعب الفلسطيني لحقوقه المعرفة في المؤسسة الدولية، أو أجزاء منها.
لا يملك الشعب الفلسطيني ترف الاختيار بين حقوق الحد الأدنى وحقوق الحد الأقصى. الواقع الموضوعي أقوى من الرغبات والأيديولوجيا. إن مصلحة السواد الأعظم من الشعب الفلسطيني تكمن في قبول حقوقه المعرفة دوليا، وفي البحث الدائم عن ترجمة الحل الذي يحققها. رغم أنها مرفوضة بالمطلق من المعسكر اليميني القومي الديني الإسرائيلي، وتتعرض للتدمير على أرض الواقع. السياسة هي فن إيجاد الحل في شروط العلاقات وموازين القوى، وفن بناء المجتمع ومؤسساته كحامل لهذا الحل واهم عنصر في ميزان القوى. الحل يضع الشعب الفلسطيني على الخرائط رغم الصعوبات والتعقيدات، واللا حل يخرجه من الجغرافيا والتاريخ. الموقف من الحل يترك بصماته على فصول الصراع والمعارك مع المحتلين والبوصلة هي مصالح المجتمع. أن يكون لنا كيان شرعي باعتراف دولي، مركز سياسي ديمقراطي يدافع عن حقوق الشعب حيثما كان، وان نكون جزءا من المجتمع الدولي. هذا الخيار يتطلب الموافقة على المنظومة القانونية من اتفاقات ومعاهدات وقوانين وقرارات والالتزام بها كقناعة وليس كتكتيك. الخيار الثاني أن نكون جزءا من معارضات خارج القانون ويوتوبيا خارج الواقع. أو أن تكون فلسطين ورقة للاستخدام على مقاس مصالح أنظمة الإقليم. الانحياز لخيار الحل لا يكفي القبول بالانتظار، خيار الحل بنية ديمقراطية وتعبير عن إرادة عامة، وحرية تعبير وكرامة وطنية ومساءلة ومحاسبة وحساسية لنبض الناس.

عن الأيام

اشترك معنا في قناة تلغرام: اضغط للاشتراك

حمل تطبيق الملتقى الفلسطيني على آندرويد: اضغط للتحميل

Author: مهند عبد الحميد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *