الحق في الوجود… شعار مرحلي جديد للفلسطينيين

وسط تراكم الشعارات وتضارب الرؤى حول مستقبل القضية الفلسطينية، تبدو الحاجة ملحّة اليوم لإعادة صوغ المقاربة السياسية الفلسطينية في ضوء واقع يتغير بسرعة، وحقائق تُفرض بالقوة على الأرض، ومخاطر وجودية تتهدد الشعب الفلسطيني في كل مكان. فمنذ ثلاثة عقود، ظلّ النقاش محصوراً بين حلّ الدولتين، والدولة الواحدة، ومشروع التحرير الكامل. إلا أنّ هذه الخيارات، مهما حملت من شرعية تاريخية أو سياسية، تجد نفسها اليوم أمام مأزق عملي غير مسبوق.

حلّ الدولتين الذي حظي بأوسع دعم دولي ممكن، بات شبه مستحيل تطبيقياً. فالمشهد الجغرافي والسكاني الذي فرضه الاحتلال يجعل قيام دولة فلسطينية متصلة وقابلة للحياة أمراً بالغ التعقيد، إن لم يكن مستحيلاً. ومع ذلك، لا يمكن إنكار أنّ الاعتراف الدولي بالدولة الفلسطينية يظل مكسباً سياسياً ومعنوياً، لأنه يؤكد وجود الشعب الفلسطيني وحقه، ويناقض كل محاولات نفيه أو محوه من الخريطة.

في المقابل، بدا حلّ الدولة الواحدة لبعض الوقت حلاً “عادلاً” نظرياً، لكنه عملياً أشد تعقيداً، نظراً لعمق التناقضات البنيوية بين النظامين الواقعين على الأرض، ولمدى استعداد كل طرف للقبول بمساواة كاملة في الحقوق.

أما مشروع التحرير الكامل من النهر إلى البحر، فهو وإن ظلّ حلماً استراتيجياً لدى كثيرين، إلا أنه أبعد عن متناول الواقع الراهن من كل الطروحات الأخرى، ويحتاج إلى تحولات تاريخية كبرى لا تبدو قريبة.

أمام هذا الانسداد السياسي، تصاعد خطاب “الصمود” باعتباره الخيار الممكن الوحيد في ظل الحرب والتهجير والضغط الوجودي. غير أنّ الصمود، رغم ضرورته، ليس مشروعاً سياسياً بحد ذاته، ولا يقدّم إجابة عن الأسئلة الكبرى: إلى أين؟ وبأي أفق؟ وما هو الهدف المرحلي الذي يمكن أن يجتمع عليه الفلسطينيون؟

**من هنا يبرز شعار مرحلي جديد:

“الحق لكل فلسطيني أن يعيش في فلسطين التاريخية، من البحر إلى النهر.”**

إنه شعار يقوم على الوجود قبل الحدود، وعلى الحق الإنساني قبل الصيغ السياسية. وهو لا يلغي أي من الطروحات السابقة، بل يمنحها أرضية مشتركة تنطلق منها، فهو أساس الدولة الواحدة، ولا يتناقض مع حلّ الدولتين، ويفتح الباب لحق العودة، ويعزز قدرة الفلسطيني على البقاء والصمود والتجذر.

هذا الطرح لا يدعو إلى تغيير الخرائط بالقوة، ولا يطرح نموذجاً جاهزاً للحل السياسي. إنه ببساطة يعيد الاعتبار لحقّ أساسي تم انتهاكه: أن يعيش الفلسطيني في أي مكان من وطنه التاريخي، دون منع أو طرد أو قسر. وهو حقّ، إذا جرى تبنيه وترسيخه، يمكن أن يشكّل نقطة ارتكاز جديدة للخطاب الفلسطيني، بعيداً عن الاستقطابات التقليدية التي عطلت أي تقدم سياسي.

أهمية هذا الشعار أنه يجمع ولا يفرّق. فهو يُخرج النقاش من أسر الخيارات المتصارعة، ويعيد توجيه الجهد نحو هدف إنساني شامل يمكن أن تتوحد حوله القوى السياسية والاجتماعية الفلسطينية، داخل الوطن والشتات، وفي مواجهة سياسات الإقصاء والتهجير. كما أنه يعكس حقيقة تاريخية لا يمكن تجاوزها: الوجود الفلسطيني في كل مناطق فلسطين لم ينقطع يوماً، رغم كل المحاولات الهادفة إلى تقليصه أو حصره.

قد يبدو الطريق إلى تحقيق هذا الشعار طويلاً وشاقاً، لكنه — على عكس الشعارات الكبرى الأخرى — يقع ضمن حدود الممكن تاريخياً وسياسياً، إذا ما حشدت له الإرادة والطاقات والمؤسسات، وتم تقديمه للعالم بوصفه مطلباً إنسانياً مشروعاً وليس طرحاً صدامياً.

في النهاية، قد يكون هذا الشعار هو ما يحتاجه الفلسطينيون اليوم: هدف واقعي، جامع، قابل للتطوير، ويعيد تعريف النضال بوصفه معركة من أجل الوجود الإنساني قبل أي شيء آخر.
وجودٌ يفتح الباب لكل الحلول، ولا يغلقه أمام أيّ أفق سياسي مستقبلي.

About The Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *