الحسابات السياسية للانتخابات الفلسطينية (2006)*

لا يمكن التعاطي مع ظاهرة الانتخابات الفلسطينية (الرئاسية والتشريعية والبلدية) على أنها مجرد انتخابات عادية، لاختيار ممثلين عن الفلسطينيين لهذه المؤسسات، إذ إن هذه الانتخابات أهم وأشمل من ذلك بكثير. فهذه العمليات، في شقّها الداخلي، هي بمثابة فرصة للفلسطينيين، لتمكينهم من إعادة صوغ نظامهم السياسي، في محاولة منهم لمأسسته ودمقرطته وتجديده، وإدخال الحيوية والفاعلية عليه. وعلى المستوى الخارجي تكتسب الانتخابات أهمية سياسية كبيرة، بكونها بمثابة فرصة للفلسطينيين تمكّنهم من تجديد الشرعية السياسية لكيانهم الناشئ (في الضفة والقطاع)، عربياً ودولياً، وفي مواجهة إسرائيل، كما بالنسبة لإثبات أهليتهم أمام العالم بشأن قدرتهم على إدارة أوضاعهم.

في هذا الإطار السياسي يمكن التعاطي مع الانتخابات الحاصلة للمجلس لتشريعي الفلسطيني الثاني (في 25/1/2006)، بعد عشرة أعوام على انتخابات أول مجلس تشريعي (1996). وقد تمتّعت هذه الانتخابات، تحديداً، بأهمية خاصة، للأسباب التالية:

أولاً، إنها الأولى التي جرت في إطار من المنافسة الفصائلية والتعددية السياسية، مع وجود أحد عشرة قائمة متنافسة (فصائل ومستقلين). والمعروف أن الفصائل المعارضة لم تشارك في انتخابات المجلس الأول، حيث اقتصرت المشاركة، آنذاك، على حركة فتح (حزب السلطة) والفصائل المتحالفة معها؛ أي من دون حركتي حماس والجهاد الإسلامي والجبهتين الشعبية والديمقراطية.

ثانياً، إن هذه الانتخابات ربما تمهّد لتحقيق نقلة نوعية في النظام السياسي الفلسطيني، من نظام “الكوتا” (المحاصصة الفصائلية)، أو نظام الزعيم، أو نظام “الشرعية الثورية”، إلى نظام المشاركة الشعبية والشرعية التمثيلية والانتخابية، بالاحتكام إلى صناديق الاقتراع. وإضافة إلى ما تقدم فقد خاض الفلسطينيون، في هذه الانتخابات، تجربتهم الأولى، وفق طريقة الانتخاب النسبي (ولو بمقدار نصف مقاعد المجلس)، قاطعين، بتبنّيهم هذه الطريقة، شوطا كبيرا باتجاه توليد نظام سياسي جديد، يكفل لكل القوى السياسية الفاعلة التمثّّل في المجلس، بغضّ النظر عن أحجامها. علماً بأن الانتخابات النسبية، التي جرت على اعتبار الوطن (الضفة والقطاع) بمثابة دائرة انتخابية واحدة، أسهمت في وضع الأسس اللازمة لتسييس طابع التصويت، وإخراجه من إطار الارتهان العشائري والجهوي، إلى الإطار السياسي/ الوطني، بالحدود الممكنة.

ثالثاً، أضفت مشاركة حركة حماس على العملية الانتخابية، نوعا من الحيوية والجدية السياسية عليها. فهذه أول انتخابات تجد فيها حركة فتح نفسها في مواجهة تحدٍ حقيقي، عبر صناديق الاقتراع، في صراع مكشوف على أصوات الناخبين، لتأكيد مكانتها القيادية وترسيخ شرعية خياراتها السياسية، خصوصا إزاء الزخم الذي باتت تتمتع به حماس في الساحة الفلسطينية. ولا شك بأن مشاركة حركة حماس في الانتخابات، وفوزها بغالبية المقاعد، سيؤدّي إلى انخراطها بشكل أكبر في النظام السياسي الفلسطيني، بعد أن عملت من خارجه طيلة عقدين من الزمن، وهذا أمر على غاية في الأهمية لاستقرار وإنضاج النظام الفلسطيني، بنتيجة التفاعل المباشر بين كل مكوناته.

رابعاً – جرت الانتخابات في غياب الرئيس الراحل ياسر عرفات، الذي احتل مكانة الزعامة للشعب الفلسطيني، طوال ما يقارب العقود الأربعة الماضية، مع كل ما يمثله وما يرمز إليه في التاريخ الفلسطيني المعاصر. ولا شك أن هذا الأمر عكس نفسه سلباً مكانة فتح، الأمر الذي أفاد الوضع التنافسي لحركة حماس.

وقد بيّنت تجربة العام الماضي أن النظام السياسي القديم كان يدين بوجوده واستمراره، بالشكل الذي ظل عليه، إلى الرئيس الراحل عرفات، فهو صانع هذا النظام وهو الذي كفل وجوده وإعادة إنتاجه، بالرغم من كل التطورات والتغيرات التي أحاطت بواقع العمل الفلسطيني، طوال تلك المرحلة. والواقع فإن الرئيس الراحل كان عنيداً إزاء أية محاولة لتعديل النظام القائم؛ حتى أنه يمكن الاستنتاج بأن كثيراً من الشخصيات القيادية والتنظيمات الفلسطينية، التي تراجع أو أفل دورها، كانت تدين ببقائها، وإلى حد كبير، للرئيس عرفات.

وهنا ينبغي أن نضع ملاحظة استدراكية، على غاية في الأهمية، مفادها أنه مثلما يجب تجنّب الاستهتار بالانتخابات وبالتطورات الحاصلة في بنية النظام الفلسطيني وعلاقاته، فإنه ينبغي عدم المبالغة الزائدة بها. بمعنى أنه من السذاجة بمكان إحالة مسألة تطور النظام السياسي الفلسطيني، باتجاه المأسسة وسيادة القانون وتعزيز المشاركة السياسية وتكريس العلاقات الديمقراطية وتقبّل الاختلاف والتنوّع واحترام الرأي الآخر واعتماد التبادلية، إلى مجرد عملية انتخابية، أو حرية رأي، أو تعددية حزبية، على أهميتها.

عموماً فإن التحول الفلسطيني، نحو الاتجاهات المذكورة، يبدو جدّ صعباً ومعقداً ومقيّداً، لأسباب داخلية وخارجية، أهمها: 1ـ سيادة البني التقليدية (العشائرية والعائلية) في المجتمع. 2 ـ غلبة الروح العاطفية والشعاراتية في الخطابات السياسية، وشيوع النزعة الغرائزية/العنفية/ والعسكرتارية في بني وأساليب عمل الفصائل السائدة، وفي أشكال صراعها ضد إسرائيل. 3 ـ ضعف الحراك الداخلي في الفصائل الموجودة، وغياب العلاقات الديمقراطية (على الصعيدين الداخلي والبيني). 4 ـ سياسات إسرائيل التي تسيطر على حياة الفلسطينيين، وتقيّد مجالات التطور لديهم، وضمنها نظامهم السياسي. وبديهي أن أعمال القمع والحصار والاغتيالات والتضييق على الفلسطينيين، من النواحي: الأمنية والسياسية والاجتماعية والمعيشية، تعوق مسارات تطور النظام الفلسطيني، وتحول دون قيام حياة سياسية سليمة للفلسطينيين، وتحدّ من تواصلهم وتفاعلهم، وتعزّز من قيم وعلاقات العنف لديهم، على حساب القيم والعلاقات الديمقراطية. 5 ـ قيام الكيان الفلسطيني (السلطة) في الضفة والقطاع (1994) محاطاً بعديد من الالتباسات والإشكاليات، أولها، قيامه قبل إنجاز حركة التحرر الوطني الفلسطينية، لمهامها (أي قبل دحر الاحتلال)، وأنه قام بوسائل المفاوضة. وثانيها، إنه كبّل بالقيودات والمحددات الإسرائيلية، كنتيجة لانعكاس واقع موازين القوى والمعطيات الدولية والإقليمية التي أحاطت بعملية التسوية. وثالثها، إنه لم يعبّر عن الوحدة المجتمعية للفلسطينيين، في كافة أماكن تواجدهم. ورابعها، إنه لم يكن وريثاً طبيعيا لمنظمة التحرير (الكيان السياسي المعنوي للفلسطينيين)، على الرغم من أنه همّش المنظمة وحلّ محلها، الأمر الذي خلق نوعاً من الازدواجية، والأصحّ نوعا من الاضطراب، في تمثيل الساحة الفلسطينية. 6 ـ لا شكّ، أخيراً، بأن المداخلات والتدخّلات والاحتكاكات العربية (والدولية أيضاً)، في شؤون الساحة الفلسطينية، أسهمت، في بعض النواحي، بالحدّ من استقلالية النظام الفلسطيني، وأضعفت مسارات تطوره، خصوصا في المراحل السابقة (مرحلة العمل من الخارج).

لكن، وكما قدمنا، فإنه على الرغم من كل هذه المعيقات والتعقيدات والإشكاليات فإن النظام الفلسطيني يتجّه نحو طيّ مرحلة ماضية من تاريخه، وفتح صفحة جديدة منها، وهذا ما سنحاول عرضه وتحليله، في استعراضنا لوقائع انتخابات المجلس التشريعي، ودراسة معطياتها ودلالاتها.

أولا، العملية الانتخابية:

طوال يوم 25 (يناير/كانون الثاني) توجّه الفلسطينيون إلى مراكز الاقتراع المحدّدة، في القدس والضفة والقطاع، والتي بلغ عددها ألف مركز، لاختيار 132 عضواً يمثلونهم في المجلس التشريعي (الثاني). وكان عدد الناخبين المسجّلين في اللوائح الانتخابية بلغ مليون و340 ألفاً، منهم 736 ألفاً في الضفة الغربية و75 ألفاً في القدس المحتلة و529 ألفاً في قطاع غزة. وحظيت الانتخابات بمراقبة دولية و محلية، واتسمت بالنزاهة والشفافية.

وكما ذكرنا، فقد جرت هذه الانتخابات وفق نظام انتخابي مختلط،  (بحسب القانون رقم 9 لسنة 2005 الذي أقرّه المجلس التشريعي بتاريخ 18/6/2005 )، في حين جرت الانتخابات التشريعية السابقة (1996) على أساس نظام الأغلبية البسيطة.

جدير بالذكر أن النظام المختلط يجمع بين الانتخابات وفق النظام النسبي، التي تجري على اعتبار الضفة والقطاع دائرة انتخابية واحدة (حيث يجري التصويت للقوائم لا لمرشحين بشخصهم)، والانتخابات المناطقية، التي تجري على أساس تقسيم مناطق الضفة الغربية وقطاع غزة إلى 16 دائرة (11 للضفة، و5 لقطاع غزة) وعلى أساس شخصي، وفق نظام الأغلبية البسيطة.

على ذلك فقد تمّ تقسيم عدد أعضاء المجلس (132) مناصفة، بين النظامين النسبي والمناطقي (66/66). وتمّ توزيع مقاعد المجلس على كل منطقة انتخابية، بحسب عدد الفلسطينيين فيها، وعلى النحو التالي: القدس 6 مقاعد (2 منهم للمسيحيين)، جنين 4 مقاعد، طولكرم 3 مقاعد، طوباس مقعد واحد، نابلس 6 مقاعد (منهم مقعد للسامريين)، قلقيلية مقعدان، سلفيت مقعد واحد، رام الله والبيرة 5 مقاعد (منهم واحد للمسيحيين)، أريحا مقعد واحد، بيت لحم 4 مقاعد (منهم 2 للمسيحيين)، الخليل 9 مقاعد، شمال غزة 5 مقاعد، مدينة غزة 8 مقاعد (منهم واحد للمسيحيين)، دير البلح 3 مقاعد، خان يونس 5 مقاعد، رفح 3 مقاعد( أي للضفة 42 مقعداً ولقطاع غزة 24 مقعداً).

في هذه الانتخابات كان الناخب مطالباً بأن يصوّت ببطاقتين. البطاقة الأولى طولب فيها باختيار مرشحيه في دائرته، بما لا يتجاوز المقاعد المخصّصة لها، مع الإشارة إلى اسم المرشح واسم حزبه؛ وفي البطاقة الثانية طلب إلى الناخب فيها تحديد اسم الحزب الذي يختاره على المستوى الوطني (الضفة والقطاع)، بحيث يتمّ اختيار قائمة انتخابية واحدة فقط. وقد حدّدت نسبة الحسم، على المستوى الوطني بنسبة مقدارها 2 في المئة من أصوات الناخبين. واشترط القانون في تشكيل القوائم الانتخابية أن لا يقلّ عدد مرشحيها عن 7 ولا يزيد عن 66، على أن تلتزم القائمة بتضمين الأسماء الثلاثة الأولى اسم امرأة واحدة على الأقل، وامرأة واحدة على الأقل في كل أربعة أسماء تلي ذلك، وامرأة واحدة على الأقل لكل خمسة أسماء تأتي بعد ذلك، وهكذا حتى نهاية القائمة. كما اشترط القانون “كوتا” (حصّة) من المقاعد عددها ستة (في الدوائر) للطائفة المسيحية، يفوز بها الشخص (المسيحي) الذي يجمع أكثر عدد من الأصوات في دائرته. وتعتبر المقاعد الستة المخصّصة للمسيحيين حداً أدنى لتمثيلهم في المجلس، ووزّعت على النحو التالي: دائرة القدس (مقعدان)، ودائرة رام الله (مقعد واحد)، ودائرة بيت لحم (مقعدان)، ودائرة غزة (مقعد واحد). كذلك خصّص القانون السابق مقعداً واحداً للطائفة السامرية في دائرة نابلس.

وفي حالة نظام الأغلبية (الدوائر) يفوز بالمقاعد المخصصة، لكل دائرة انتخابية، المرشحون الذين يحصلون على أعلى عدد من أصوات الناخبين في تلك الدائرة، ويفوز في الانتخابات النسبية القائمة التي تحصل على نسبة من الأصوات تفوق الحد الأدنى (2 بالمئة)، على أن تنال كل قائمة نسبة مئوية من عدد مقاعد المجلس، بحسب عدد الأصوات التي حصلت عليها.

ترشّح للانتخابات وفق النظام النسبي 11 قائمة (ضمت 314 مرشحاً)، وترشّح للانتخابات وفق نظام الدوائر 414 مرشحاً، في 16 دائرة. ولم تشهد هذه الانتخابات تحالفات تذكر، إذا استثنينا التحالف في قائمة “البديل”، والذي ضم ثلاثة فصائل، هي: الجبهة الديمقراطية وحزب الشعب و”فدا”، إذ خاضت حركتا فتح وحماس والجبهة الشعبية (وفصائل صغيرة أخرى لم تحرز النجاح) الانتخابات منفردة، ما أكد على طابعها الصراعي. كما شهدت هذه الانتخابات تشكّل خمسة قوائم لشخصيات فلسطينية مستقلة، لكن قائمتين منها فقط (البديل والطريق الثالث) استطاعتا الحصول على مقعدين لكل منهما، الأمر الذي عكس حدّة الاستقطاب في المعركة الانتخابية، والذي تمحور حول حركتي فتح وحماس، كما أكدت النتائج.

بحسب المعطيات التي نشرتها لجنة الانتخابات المركزية الفلسطينية، بعيد الانتخابات، فقد بلغ المجموع الإجمالي لأصوات المقترعين 1.042.424 صوتاً، بنسبة 77 بالمئة من الناخبين المسجّلين في القوائم الانتخابية، ما عكس سخونة المناخ الذي جرت فيه الانتخابات. وبلغ عدد الأصوات الصحيحة 990.873، فيما بلغ عدد الأوراق البيضاء 21.687، وعدد الأوراق الباطلة 29.864. ووصلت نسبة التصويت في قطاع غزة 82 بالمئة وفي الضفة الغربية 74 بالمئة. كما لوحظ ارتفاع نسبة التصويت في القدس المحتلة إلى أربعة أضعاف نسبة إلى لتصويت في الانتخابات السابقة.

بالنتيجة فقد تمخّضت النتائج عن فوز كبير لقائمة “التغيير والإصلاح” (قائمة حماس)، بحصولها على 74 مقعدا (56 بالمئة من أصوات الناخبين)، بواقع 29 مقعداً وفق نظام القائمة النسبية، و45 مقعداً وفق نظام الدوائر. بالمقابل فقد حصلت قائمة حركة فتح على 45 مقعداً (34 بالمئة من أصوات الناخبين)، بواقع 28 مقعدا وفق نظام القائمة النسبية، و17 مقعدا وفق نظام الدوائر. (راجع الجدول رقم 1)

وقد توزّعت القوائم الأخرى والمرشحون المستقلون 13 مقعدا، في النظامين النسبي والدائري، حيث حصل المستقلون على أربعة مقاعد وفق نظام الدوائر، في حين لم يفز أي من مرشحي الفصائل وفق هذا النظام. وحصلت أربعة قوائم، تمكّنت من تجاوز نسبة الحسم والفوز،  على تسعة مقاعد وفق الطريقة النسبية، على النحو التالي: الجبهة الشعبية (3 مقاعد)، الطريق الثالث (سلام فياض وحنان عشراوي) مقعدان، البديل(ائتلاف الجبهة الديمقراطية وفدا وحزب الشعب) مقعدان، فلسطين المستقلة (مصطفى البرغوثي) مقعدان.

وقد بيّنت نتائج الانتخابات النسبية حصول قائمة “التغيير والإصلاح”، التابعة لـ “حماس”، على 440.409 أصوات، في حين حصلت قائمة حركة “فتح” على 410.554 صوتاً، بينما حصلت قائمة الجبهة الشعبية “قائمة الشهيد أبو علي مصطفى” على 42.101، و”البديل” على 28.973 صوتاً، و”فلسطين المستقلة” على 26.909 أصوات، و”الطريق الثالث” على 23.862 صوتاً.

أما على مستوى الدوائر فقد حقّقت حماس فوزاً ساحقاً إذ حصدت معظم المقاعد، بحصولها على 45 مقعدا (من أصل 66 للدوائر)، في حين حصلت حركة فتح على 17 مقعدا، فقط(!) وذهبت أربعة مقاعد لمرشحين مستقلين مقربين من حماس.

ثانياً، الحسابات السياسية لمعطيات الانتخابات

بناء على تفحّص معطيات التصويت، في الانتخابات، يمكن الاستنتاج بأن هذه الانتخابات أسّست لشرعيات جديدة، في الساحة الفلسطينية، وأبطلت مفعول شرعيات قديمة، استمرأت العيش على نظام “الكوتا” الفصائلي، الذي بات عبئا وقيدا على الساحة الفلسطينية، وعلى قواها الفاعلة، وعلى مسارات تطور النظام الفلسطيني. إذ كشفت صناديق الاقتراع عن أوزان القوى السياسية العاملة في الساحة الفلسطينية، وبالتالي فهي وضعت حدا للجدل حول أحجام هذه القوى، في المجال الشعبي، وبالأخص فإنها قرّرت حصّتها من القرار الفلسطيني.

أما بالنسبة لعملية التسوية، فقد عبّرت النتائج، بشكل واضح، عن انقسام الفلسطينيين، إزاء الخيارات السياسية المعتمدة أو المتاحة، وعدم حسمهم لها تماماً.

وبشكل أكثر تحديداً، فقد شكّلت نتائج الانتخابات التشريعية انعطافة حادة في النظام السياسي الفلسطيني، فقد منح الفلسطينيون، في الأراضي المحتلة، حركة حماس، التي تعبر عن تيار “الإسلام السياسي” في فلسطين، ثقتهم والأحقية بقيادتهم، للمرحلة المقبلة، في حين مثّل تدهور وضع حركة فتح، انحسار التيارات الأخرى: الوطنية والقومية واليسارية، على الرغم من أن هذه الحركة هي التي أسّست للوطنية الفلسطينية المعاصرة، وبادرت إلى إطلاق المقاومة المسلحة، وقادت كفاح شعب فلسطين، طيلة العقود الأربعة الماضية.

وقد فاجأت النتائج معظم المراقبين والمحللين، للشأن الفلسطيني، كما للأطراف المشاركة في العملية الانتخابية، إذ أن معظم التكهّنات المتعلّقة بالانتخابات الفلسطينية لم تكن تتوقّع تدهور مكانة حركة (فتح)، إلى هذه الدرجة! مثلما لم تكن تتوقّع، بالمقابل، هذا الصعود المدوّي لحركة (حماس). والواقع فإن معظم هذه التكهنات كانت ترجّح انحسار نفوذ فتح، وتنامي نفوذ حماس، من دون أن يصل الأمر حد خسارة فتح لمكانتها كفصيل أول في الساحة الفلسطينية، إلى هذه الدرجة، أو تحوّلها من مكانة القيادة إلى مكانة المعارضة.

أما الأسباب التي أدّت إلى هذا الانقلاب السياسي الدراماتيكي، في النظام الفلسطيني، فيمكن تمثّلها في العوامل التالية:

1 ـ تحمّل حركة فتح لوحدها مسؤولية الإخفاق في المهمات التاريخية التي أخذتها على عاتقها منفردة، كونها، أولاً، لم تنجح في خيار المفاوضة؛ ثانياً، لم تستطع التحكم بخيار الانتفاضة؛ ثالثاً، فشلت في بناء الكيان (السلطة)، على مرتكزات مؤسساتية وقانونية؛ رابعاً، اتهمت بإشاعة الفساد السياسي والمالي والمحسوبية والفوضى الأمنية؛ خامساً، تهميشها لمنظمة التحرير، من دون أن تنجح في بناء السلطة.

في مقابل كل ذلك دخلت حركة حماس الانتخابات من دون تحمّل أية مسؤولية عن فشل الخيارات السابقة، على الرغم أنها تتحمّل قسطا كبيرا في ذلك، لاسيما لجهة تعثر خيار المفاوضة والانتفاضة وبناء الكيان، بحرصها على فرض خياراتها السياسية والميدانية على الشعب الفلسطيني. وفي الحقيقة فإن غالبية النقد السياسي، في المرحلة السابقة، انصبّ على قيادة فتح والسلطة، في حين أنه سكت عن مواقف حماس وعن الوضع الذي تأخذ إليه الساحة الفلسطينية، لأسباب أو لأغراض شتّى لا مجال لذكرها الآن.

2 ـ  إقدام فتح (حزب السلطة) على إجراء الانتخابات في توقيت سياسي وتنظيمي غير مناسب لها (ويمكن أن يحسب ذلك لحسابها)، حيث أصرّ الرئيس الفلسطيني (أبو مازن) على إجرائها، بالرغم من ظروف حركته الصعبة، والأهم أنه رفض الضغوطات لاستبعاد حماس من العملية الانتخابية.

جدير بالذكر أن فتح تعيش إرهاصات مرحلة انتقالية صعبة، وصلت بها حد الفوضى، بعد رحيل زعيمها ياسر عرفات. فليس ثمة إجماع فيها على مرجعية قيادية (سياسية وتنظيمية وميدانية)، على الرغم من كل ما بذله الرئيس محمود عباس، وثمة عدم توافق وانسجام بين قيادتها. وثمة تجاذب بين القيادة والقواعد. ومشكلة فتح، أنها ليست تنظيما بالمعنى المتعارف عليه، فهي أقرب للتجمع، والعضوية فيها جد هيولية. وهذه الحركة تفتقد للحراك الداخلي، بالنظر إلى تحكم القيادة (اللجنة المركزية والرئيس عرفات سابقا) بكل شاردة وواردة فيها. واللافت أن قيادة هذا الحركة كانت كأنها لا تعي، الواقع الذي ينشأ حولها، وظلت تعيش على تاريخها وإمكانياتها ونفوذها، دون مراجعة حساباتها وطريقتها في العمل؛ وضمن هذا السياق جاء تأجيل مؤتمر الحركة.

والثابت أن فتح استمرأت وجودها في السلطة، وبالغت في المراهنة على رصيدها الشعبي المتآكل، وتجاهلت الوهن والترهل في بنيتها، والعطب في إطاراتها وقياداتها، ما أدى إلى خسارتها لمكانتها.  وكانت نتيجة ذلك كله سلبية، عليها، وعلى إمكانيات ومسارات تطور النظام الفلسطيني، بحكم الموقع التاريخي، والمكانة القيادية لهذه الحركة، في إطار حركة التحرر والسلطة الفلسطينيين.

3 ـ انحسار مكانة الفصائل الوطنية الديمقراطية، أو اليسارية، الأخرى (الجبهتين الشعبية والديمقراطية وحزبي الشعب وفدا). إذ حصلت هذه القوى، التي تشكلت من قائمتين على 5 مقاعد فقط (3 منها للجبهة الشعبية)، في حين لم تحصل قوائم الفصائل الأخرى (جبهات التحرير والنضال والعربية) على أي مقعد، نتيجة لعدم تمكنها من تجاوز نسبة الحسم! وهي نتيجة هزيلة ولا تتناسب لا مع تاريخ هذا التيار ومكانته في المجتمع الفلسطيني. الأمر الوحيد الذي حصل هنا فقط هو إثبات أحقية الجبهة الشعبية باحتلال مكانة الفصيل الثالث في الساحة الفلسطينية (وهو أمر لم يعد له معنى الآن)، في مواجهة ادعاءات الجبهة الديمقراطية، التي كانت تنكر ذلك.

وفي الواقع فإن هذا التراجع جاء نتيجة استمراء هذه القوى العيش على “فضائل” نظام “الكوتا”، وعلى تاريخها الكفاحي السابق، بدل التوجه نحو إعادة صياغة أوضاعها، وتوحيد أطرها، وتطوير خطاباتها وبناها وأشكال عملها. والحاصل فإن هذه الفصائل لم تتمكن في معمعان المعركة الانتخابية، أو قبل ذلك، من تقديم نفسها كطرفٍ ثالث، أو كبديلٍ وطني، الأمر الذي عكس نفسه بتراجع شعبيتها في إطار المجتمع الفلسطيني، وبضعف قوتها التصويتية.

ويخشى أن الساحة الفلسطينية باتت تفتقر للتيار الوطني الديمقراطي أو اليساري أو التيار الثالث، الذي بات جد ضعيفا ومنهكا، ومستهلكا، بعد أن خبت ادعاءاته الأيدلوجية وتمايزاته السياسية، خصوصا أنه لم يعوض عن كل ذلك بفعالية نضالية أو بحراك تنظيمي داخلي أو بحيوية فكرية وسياسية وجماهيرية. والمحصلة أن هذا التيار لم يعد مقنعا للأوساط التي تشكل قاعدة له، بعد أن انتفت المبررات الفكرية والسياسية والتنظيمية لتوزّعه على عدة فصائل وأحزاب. والأنكى أن هذا التيار، طوال المرحلة الماضية، لم يعرّف نفسه تماما، ولم يميّز سياساته جيدا؛ على العكس من ذلك، فقد مارست أطراف هذا التيار نوعا من السياسة التبعية أو الانتهازية الضيقة بين قطبي الساحة الفلسطينية الرئيسين (فتح وحماس)، ولم يكن لها دور نقدي واضح، يساهم في إبراز التيار الثالث، أو يحوله من مجرد تيار افتراضي، إلى تيار سياسي فاعل.

هكذا أفضت الانتخابات إلى انكشاف واقع القوى (الديمقراطية أو اليسارية..الخ)، التي بدت متآكلة جدا، وغير قادرة على توحيد ذاتها، أو طرح مشروعها البديل، في مواجهة مشروعي حماس وفتح. كما تكشفت عن غياب قطب ثالث أو رابع في الساحة الفلسطينية، يمكن أن تتكئ عليه حركتا حماس أو فتح في التجاذب السياسي القائم بينهما، وربما أن هذا الأمر ليس في صالح فتح أو حماس، لأنه يمكن أن يشلّ النظام الفلسطيني، من الناحية السياسية، كما يمكن أن يضعف من مسارات التحول الديمقراطي فيه.

4 ـ تنامي النفوذ السياسي لحركة حماس، التي كانت ركّزت جهودها في مجال الصراع ضد “إسرائيل”، أكثر من الانشغال بالخلافات السياسية في الساحة الفلسطينية، وهو حال الفصائل المعارضة الأخرى. فقد استطاعت حركة حماس تحديداً تعزيز مكانتها، خصوصا خلال السنوات الخمس الماضية (مرحلة الانتفاضة) بفضل خطابها الحماسي الإسلامي الشعبوي، وعمليات المقاومة التي شنّتها ضد إسرائيل (وضمنها العمليات التفجيرية)، التي تشيع شعورا عند الفلسطينيين بامكان التغلب على عدوهم المدجّج بالسلاح. كما يعود ذلك إلى تمتع حماس بإمكانيات مادية كبيرة، مكنتها من إنشاء شبكة واسعة من المؤسسات الخيرية والخدمية في كثير من المجالات، في الأراضي الفلسطينية المحتلة. وكانت هذه الحركة، وبسبب من تردد السلطة وعدم حسمها لأمرها، استطاعت أن تشكل نوعا من السلطة الموازية، في الضفة والقطاع، كما استطاعت امتلاك حق النقض “الفيتو” على قرارات القيادة الفلسطينية. أيضا يمكن النظر إلى نتائج هذه الانتخابات وصعود حماس، في سياق صعود تيار الإسلام السياسي، في العالم العربي، كردة فعل على السياسات التدخلية والابتزازية الأمريكية، وكاستجابة طبيعية لهبوط التيارات الأخرى (الماركسية والقومية والوطنية).

5ـ طبعا يمكن الحديث أيضا عن أسباب أخرى موضوعية، أدّت إلى هذا الانقلاب في النظام السياسي الفلسطيني، ضمنها التدخلات الخارجية في الانتخابات وفي خيارات الفلسطينيين (لا سيما الأمريكية والإسرائيلية)، وهذه التدخلات أضعفت السلطة وعززت حماس، بالنظر لنزعة التحدي عند الفلسطينيين. وبديهي فإن إسرائيل تتحمل مسؤولية كبيرة، عن نتائج الانتخابات، كونها دأبت على تقويض خيار التسوية، والتملص من استحقاقاتها، كما دأبت على إضعاف السلطة وإنهاكها وابتزاز التنازلات منها.

الجدير ذكره، في هذا السياق، أنه ثمة تحليلات أحالت جزءا من خسارة فتح، في الانتخابات (بين أسباب أخرى) إلى نسبة معينة من التصويت الاحتجاجي، في الخيار الانتخابي للفلسطينيين. بمعنى أنه ثمة قطاع من الناخبين لم ينتخب فتح، ليس انحيازا لحماس، أي لأنه يؤيد برنامجها، بقدر ما صوّت لها لمعاقبة حركة فتح والسلطة، احتجاجا على واقع الفساد والفلتان الأمني وخيبات الأمل من القيادة والسلطة، الأمر الذي يفسّر صعود حماس وهبوط فتح. ويمكن محاججة هذا الادعاء بواقع أنه ثمة قسم لا بأس به من المصوتين، تجنّبوا التصويت لحماس، بالمقابل، تخوّفا من طابعها الأيدلوجي ودرءاً لتزمّتها الديني.

ويمكن من تفحّص طبيعة التصويت، وفق كل نظام على حدة، ملاحظة أنه يمكن تفنيد الحجّة الأولى، بدراسة حجم التصويت في الانتخابات التي جرت بالطريقة النسبية، على المستوى الوطني ووفق المعيار السياسي، فهنا ثمة تعادل بين حركتي فتح وحماس (28 لفتح و29 لحماس)، وهنا حصلت قوائم الجبهات الأخرى على تسعة مقاعد، وهي أقرب لفتح عموما. (راجع الجدول رقم2)

أما في الانتخابات التي جرت وفق نظام الدوائر (الأكثرية البسيطة)، على أساس مناطقي وشخصي، فيمكن ملاحظة أنه ثمة هنا نوع من الحساب، أو العقاب، العسير لحركة فتح، على ممارساتها الخاطئة وعلى الرموز التي رشّحتها، إذ حصلت الحركة على 17 مقعدا، مقابل 45 مقعدا لحماس (+ أربعة مقاعد لمستقلين مقربين من حماس). ولكن حتى في هذا المجال يمكن إحالة خسارة فتح (في انتخابات الدوائر) إلى خلافات فتح ذاتها، إذ تقدم إلى انتخابات الدوائر 75 مرشّحا فتحاويا، بصفة مستقلين، من خارج القوائم الرسمية لفتح، ما أدى إلى تفتّت قوّة فتح التصويتية، وخسارتها حوالي 15 مقعدا، حظيت بهم حركة حماس. ومن المعروف أن قيادة هذه الحركة قررت فصل هؤلاء المرشحين، من صفوفها، لاتهامهم بالتسبب بخسارتها لعديد من المقاعد(راجع الجدول رقم 3).

النتيجة في كل الأحوال أنه ثمة نوع من التعادل في خيار الفلسطينيين بين فتح وحماس، بغض النظر عن رجحان كفة هذا الطرف أو ذاك، في هذا الظرف أو غيره. لكن هذا الكلام لا يخفّف من حقيقة أن فتح خسرت في الانتخابات، وأن مكانتها تراجعت في الشارع الفلسطيني، بالقياس للسابق، لصالح حركة حماس.

على ذلك، وسواء حققت فتح الفوز أو حماس، يخشى القول بأن الساحة الفلسطينية باتت تشهد استقطابا حاداً لصالح هاتين الحركتين، وأنها باتت (أو كادت) تفتقر للتعددية والتنوع، اللذان كانت تفتخر وتغتني بهما، طوال المرحلة السابقة. والمشكلة أن هذين الاتجاهين يمارسان هيمنتهما على المجال السياسي والاجتماعي والأمني والمالي، كل من موقعه في السلطة والمعارضة.

ثالثاً، إشكالية المكانة القيادية لفتح

هكذا فإن نتائج هذه الانتخابات، وبغض النظر عن العوامل السابقة، نقلت حركة فتح، مرة واحدة، من القيادة إلى المعارضة، ومن الفصيل الأول إلى مكانة الفصيل الثاني (على الرغم من إشكالية احتفاظها بقيادة منظمة التحرير ورئاسة السلطة). وبالمقابل فقد تحولت حركة حماس (فجأة) من موقع المعارضة والفصيل الثاني والعمل من خارج النظام الفلسطيني، إلى موقع القيادة والفصيل الأول والعمل من داخل النظام الفلسطيني. ومع هذه النقلة تحول النظام الفلسطيني من نظام الحزب الواحد، أو الحزب القائد، إلى نظام ثنائي القطبية (على الرغم من النجاح الساحق الذي حققته حماس)، وإلى نوع من نظام ازدواجية السلطة.

وكما قدمنا، فإن حركة فتح ذاتها هي التي عمّدت هذه النقلة في النظام الفلسطيني (الأمر الذي يعد مأثرة لصالحها)، فهي التي أقرّت إجراء الانتخابات التشريعية، في هذه الظروف الذاتية والموضوعية، غير المناسبة لها، لحسم الجدل الدائر حول الخيارات التي يريدها الشعب الفلسطيني، في شأن المفاوضة والتسوية والانتفاضة والمقاومة، ولإجراء إصلاحات في النظام الفلسطيني ذاته. وفوق ذلك فإن فتح بالذات، ومن موقعها في السلطة، هي التي أخضعت الانتخابات لمعايير الشفافية والنزاهة والمراقبة الدولية والمحلية. ومعلوم أيضا أن قيادة فتح والسلطة قاومت بدأب بالغ الضغوطات والابتزازات التي تعرضت لها والمتعلقة بضرب البنية التحتية لحركة حماس، أو المتعلقة بإخراجها من النظام السياسي الفلسطيني، وبالتالي من العملية الانتخابية.

وبالإجمال، فإن هذه التجربة في تداول السلطة (إن جاز التعبير) تحسب لصالح حركة فتح، ولعلها التجربة الأولى من نوعها عربياً، على الرغم من كل ثغرات ومحدّدات التجربة السياسية الفلسطينية، وعلى الرغم من كونها تجري تحت الاحتلال.

الآن إذا كانت كل هذه الأمور يمكن احتسابها لصالح فتح (وقيادة السلطة)، فإن ما يحسب عليها، أن هذه الحركة لم تتّجه نحو مراجعة أوضاعها الداخلية أولاً، قبل الذهاب إلى الانتخابات التشريعية، بل إنها تعمدت تأجيل مؤتمرها (السادس) إلى ما بعد الانتخابات، ما جعلها تدخل هذه المعركة وهي غاية في التشوّش والتشرذم والترهّل.

أيضاً، كانت قيادة حركة فتح تدرك بأنها في الانتخابات ستخضع لنوع من المحاسبة، وربما العقاب، لتفرّدها في القيادة، وفشل خياراتها (في المفاوضة والانتفاضة)، وطريقتها المزاجية في إدارة السلطة، وعلى مظاهر الفساد السياسي والمالي والمحسوبية والفوضى الأمنية، التي أشاعتها في الساحة الفلسطينية. وربما أن قيادة هذه الحركة لم تكن تدرك أن مكانتها تراجعت إلى هذه الدرجة المريعة، وربما أنها، بهذه الطريقة الدراماتيكية، أرادت أن تضع حداً للجدل، الذي أرهقها، من حول دورها، ومكانتها القيادية، في الساحة الفلسطينية، أو أنها كانت تود أن تحسم النزاعات والتشويشات في داخلها، بين جيل الشباب وجيل الشيوخ، أو بين ما بات يعرف بجماعة “تونس” وما يطلق عليه اسم جماعة الداخل!

وينبغي أن يحسب على قيادة فتح، أيضا، أنها هي المسؤولة عن تآكل التعددية والتنوع والروح النقدية والديمقراطية في الساحة الفلسطينية، بإخضاعها الساحة الفلسطينية لتفردها ووصايتها، وتجاهلها الفصائل الأخرى، الأمر الذي أتاح صعود حركة حماس، التي كانت تعمل من خارج النظام الفلسطيني السائد.

معروف أن حركة فتح ذاتها كانت تتمثّل في داخلها مختلف التيارات (الوطنية والقومية والماركسية والإسلامية)، معتبرة نفسها حركة الشعب الفلسطيني. لكن هذه الحركة، في مرحلة ما بعد الخروج من بيروت (1982)، أي في ما يمكن تسميته المرحلة “التونسية” (1982ـ1994)، ومرحلة السلطة (1994ـ 2005)، باتت تفتقر لهذا التنوع والتعددية والروح النقدية، التي كانت تغنيها وتضفي عليها الحيوية، في مرحلة افتقرت فيها قوى الساحة الفلسطينية (وبالأخص فتح)، أو كادت، للحراك الداخلي، وللمجادلات الفكرية والسياسية (إلا في ما ندر)، إذ طغى عليها الجدل المحتدم بشأن شرعية وجدوى عملية التسوية، ووضع السلطة، ومكانة هذا الفصيل أو ذاك، ومرتبة هذه الشخصية أو تلك. وبالمحصلة، فقد أدى كل ذلك إلى ترهل فتح، ببنيتها وعلاقاتها وخطاباتها، وانصراف معظم كادرها عنها، وبالمقابل تعظيم وضع حماس، وتهميش التيارات والفصائل الفلسطينية الأخرى.

وما يحسب على فتح أنها هي تحديداً، في السنوات الخمس الأخيرة (مرحلة الانتفاضة)، ساهمت في تعزيز وضع حماس، أيضاً، أولاً، لجهة استهتارها بالانتقادات الشعبية الموجّهة لها؛ وثانياً، لجهة تهربها من مراجعة أوضاعها الداخلية المترهلة، وترشيد خياراتها وخطاباتها، ونبذ طرقها القديمة والبالية في العمل؛ وثالثاً، وأخيراً، في انجرارها إلى مربع حماس ذاته، السياسي والميداني، فبدلا من أن تدفع فتح حركة حماس للتماثل مع برنامج الإجماع الوطني (دولة في الضفة والقطاع)، وبدلاً من أن تجعلها تخضع لبرنامجها، في قصر المقاومة المسلحة على المستوطنين والعسكريين الإسرائيليين في الأراضي المحتلة في الضفة والقطاع، اتجه عديد من قياديي فتح للمزايدة الشعاراتية على حماس، ووصل الأمر حد أن الذراع العسكري لفتح في الانتفاضة (كتائب الأقصى) اتجه نحو تنفيذ العمليات التفجيرية في المدن الإسرائيلية.

لكن مع كل ما يحسب لحركة فتح وعليها، وعلى ضوء نتائج  الانتخابات، فإنها مضطرة لإعمال النقد والمحاسبة في مراجعة أوضاعها، ونفض الترهل عن بنيانها وتفعيل أطرها، وإعادة الاعتبار للتنوع والتعددية في صفوفها وخطاباتها، وتكريس العلاقات الديمقراطية داخلها، لاستعادة جوهرها باعتبارها حركة وطنية للشعب الفلسطيني.

الواقع فإن هذه الحركة مازالت تحظى على قبول ما يقارب 50 بالمئة من الناخبين الفلسطينيين، كما دلت على ذلك نتائج الانتخابات النسبية، التي صوت فيها الفلسطينيون لصالح فصيل معين ولخياره السياسي. وهذه الحركة مازالت تمسك بأوراق عديدة، فلديها الرئاستين، رئاسة السلطة ورئاسة منظمة التحرير الفلسطينية، كما لديها نفوذ قوي في مختلف أجهزة السلطة ومنظمة التحرير، فضلا عن مكانتها الرمزية والتاريخية في الكفاح الفلسطيني، وصورتها باعتبارها حركة معتدلة ومتوازنة في مختلف القضايا الفكرية والسياسية والاجتماعية؛ لكن كل ذلك يتوقّف على كيفية مراجعة الحركة لسياساتها وإدارتها لأوضاعها.

رابعاً، إشكالية الفوز الحماسي

نقلت نتائج الانتخابات الفلسطينية حركة حماس، مرة واحدة، من العمل من خارج النظام الفلسطيني، إلى العمل من داخله، ومن الكفاح في خنادق المعارضة إلى العمل من مقاعد السلطة.

وبغض النظر عن الأسباب الداخلية والخارجية للانقلاب الحاصل في النظام السياسي الفلسطيني (عبر صناديق الاقتراع)، فمن الواضح أن “حماس”، التي صعدت صعودا باهرا، في المشهد الفلسطيني، باتت في مأزق كبير إزاء انتصارها الساحق بالذات. وإذا كانت مشكلة فتح، وتعبيرات التيار الثالث، تتعلق بضرورة الإقدام على مراجعة ذاتية، لاستخلاص الدروس والعبر مما جرى، وتهيئة الأوضاع المناسبة للنهوض في مرحلة قادمة، فإن مشكلة حماس أكبر وأعقد من ذلك بكثير.

الثابت أن حركة حماس باتت تقف أمام العالم الواقعي، في مواجهة حسابات ما بعد الفوز، أي في مواجهة التحديات والتبعات: الداخلية والخارجية، التي يرتّبها عليها موقعها الجديد، في قيادة السلطة، وربما في قيادة الساحة الفلسطينية.

فعلى الرغم من الحديث الايجابي عن الانقلاب الديمقراطي الحاصل، وسلاسة تداول السلطة، في الساحة الفلسطينية، إلا أنه ثمة تخوّف مشروع جرّاء المبالغة بما حصل، أو جرّاء الاستهتار بالعوائق التي قد تحول دون تحقيق هذه النقلة السياسية الكبيرة بشكل ناجز. وفي هذا الوضع فإن حركة حماس ربما تكون معنية أكثر من غيرها، بكبح المشاعر المشوّشة، الناجمة عن نشوة الفوز، وحراسة التغيير الحاصل، عبر استنتاج الدروس اللازمة منه، والتأنّي في التعاطي معه، والتحلّي بالحكمة في قيادته، وبالأخصّ عبر عدم استدراج ردود أفعال انقلابية أو انفعالية عليه؛ على جاري عهدها في المبالغة في مرحلة المعارضة.

وبالخصوص، فإن حركة حماس، على الصعيد الذاتي والداخلي، معنية بتكييف ذاتها للتعامل، بمرونة وبمسؤولية وجدية، مع التحديات المهمة التالية:

1 ـ التعامل مع مؤسّسة الرئاسة. فالساحة الفلسطينية باتت فجأة في مواجهة واقع جديد، من “إزدواجية السلطة”، إذ أن رئاسة السلطة في يد حركة فتح، في حين أن رئاسة الحكومة باتت في يد حركة حماس. وفي هكذا وضع، فإن الرئيس محمود عباس، رئيس السلطة (وهو من قيادة فتح)، هو الذي يتحكّم بإصدار القوانين والتشريعات وإدارة القضايا الخارجية والأمنية والتفاوضية. ومشكلة حماس، أيضا، (مع النواب المستقلين المقربين لها) أنها تملك 78 مقعدا من مقاعد المجلس التشريعي، بمعنى أنها لا تتّمتع بأغلبية الثلثين (88 مقعدا) التي تؤهّلها لاستصدار تشريعات وقوانين أساسية من المجلس. والمفارقة أن فتح باتت لوحدها تتمتّع بميزة الثلث المعطّل، ما قد يؤدّي إلى شلّ فاعلية التشريع في المجلس، من خارج التوافق مع حركة فتح. ومعنى ذلك أن رئاسة حركة حماس للحكومة، كما أغلبيتها في المجلس التشريعي، لن تتيحا لها التحكّم، تماماً، في دفّة القرار الفلسطيني، سواء تعلق الأمر بالسلطة أو بالساحة الفلسطينية عموما.

ولا شكّ أن هكذا وضع يتطلّب من حركة حماس (وفتح أيضا) نوعا من المرونة  لتسير دفّة النظام الفلسطيني، لأن البديل عن ذلك، أي عن انعدام التوافق بين مؤسّستي الرئاسة والحكومة، كما عن الشلل في المجلس التشريعي، ربما إجهاض التغيرات الحاصلة، وبالأحرى قطع الانتصار على حماس والتوجه نحو انتخابات تشريعية ورئاسية جديدة، من الصعب الآن التكهن بطبيعة نتائجها.

2ـ التعامل مع أجهزة السلطة. فممّا لا شكّ فيه أن حركة حماس تنظر بعين القلق والتوجّس إزاء التركة التي وجدت نفسها معنية بإدارتها، والمتمثلة خصوصا بالأجهزة الأمنية والإدارية والمالية، والتي ستظل موضع شبهة بالنسبة لها، وعبئا عليها، بدعوى ولاء هذه الأجهزة للسلطة السابقة (سلطة فتح)، وبدعوى فساد القيمين عليها، كما بدعوى حقها في وضع محازبيها ومناصريها في المراكز المهمة لتسهيل إدارتها. بديهي أن واجب حركة حماس في موقعها القيادي الجديد، بالإضافة إلى مشروعية ووجاهة كل المبررات السابقة،  العمل على ترشيد أجهزة السلطة، ولكن شرط أن يتم ذلك بمعزل عن الولاءات والعصبيات الفصائلية، ومن دون التسرّع بالإيحاء بالسعي لإحداث حالة انقلابية/استئصالية في أجهزة السلطة، لأن هذا وذاك ربما يخلقان ردود فعل غير محسوبة، وقلاقل تساهم في زعزعة استقرار وجود حماس في السلطة، أو تقصير أمده، بوسيلة أو بأخرى. المعنى أن معالجة وضع الأجهزة، والقائمين عليها، ينبغي أن يخضع لحسابات الشراكة السياسية، ولمعايير الكفاءة والنزاهة الشخصية والخضوع للمراقبة والمحاسبة. وفي كل حال فإن حركة حماس ينبغي أن تكون معنية بالتمييز بين مؤسسات السلطة، وبين منافستها لفتح، في سعيها لتكريس المأسسة في النظام الفلسطيني، بحيث تتكرس حيادية أجهزة السلطة، عن الصراعات السياسية، وبحيث تخضع لرقابة المجلس التشريعي وسلطة القانون.

3 ـ التعاطي مع واقع منظمة التحرير الفلسطينية. فإضافة إلى النقطتين الأوليتين، فثمة مشكلة أخرى تقف حجر عثرة أمام تحكم، أو أمام قيادة، حماس للنظام الفلسطيني، تتعلق، أولا، بكونها كانت تعمل من خارج مؤسسات المنظمة، وثانيا، بحكم هيمنة فتح على المنظمة. هكذا فثمة نوع من الفيتو من قبل حركة فتح على قيادة حماس وتوجهاتها السياسية، في المؤسستين القياديتين، (رئاسة السلطة ورئاسة المنظمة)، حيث محمود عباس (أبو مازن) يترأس هذين الإطارين القياديين. والمعلوم أن منظمة التحرير هي المرجعية القيادية للسلطة، وهي الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني، وهي بمثابة الرمز والموحد للفلسطينيين والمعبر عن قضيتهم، وبدون دخول حماس إلى المنظمة، وعكس واقعها (القيادي) الجديد عليها، من الصعب على حماس إدارة الوضع الفلسطيني، أو التحكم بتوجهاته السياسية، أو تكريس ذاتها باعتبارها قائدا للشعب الفلسطيني.

من كل ما تقدم يمكن الاستنتاج بأن حركة فتح، من موقعها المتحكم بالرئاستين، وهيمنتها على أجهزتي المنظمة والسلطة، بمستطاعها، ربما، تقييد نفوذ حماس،  والحد من قدرتها على فرض خياراتها السياسية على عموم الساحة الفلسطينية. هكذا يمكن القول بأن الانتخابات التي أنهت تفرّد حركة فتح في قيادة الساحة الفلسطينية، لم تمكّن، بذات الوقت، حركة حماس من فرض تفرّدها أيضا.

4 ـ واقع المنافسة مع فتح. فعلى الرغم من الفوز الساحق الذي حققته حماس في الانتخابات، فإن تعميد هذا الفوز وتأكيد شرعيته، لتكريس قيادتها، ربما يتطلب جولة انتخابية أخرى؛ لأسباب عدة، أهمها: أولا، أن فتح مازالت تمتلك العديد من أوراق القوة، وضمنها: 1 ـ شعبية كبيرة في الوسط الفلسطيني، 2 ـ رئاسة السلطة؛ 3ـ رئاسة المنظمة؛ 4 ـ نفوذ قوي في أجهزة السلطة والمنظمة؛ 5 ـ تماثلها مع الواقع العربي والدولي، وهي أوراق تتيح لفتح الحد من دور حماس القيادي والشك بمشروعيته. ثانيا، من تفحّص نتائج الانتخابات، يمكن تبيّن أن نجاح حماس جاء، في نسبة لا بأس بها، ليس لخيار حماس السياسي، وإنما نتيجة لتردّي واقع فتح، أي بسبب خلافاتها وترهلها واستهتارها (بمعزل عن إخفاقاتها في المفاوضة والانتفاضة وبناء الكيان). وهذا يفسر التعادل في الانتخابات النسبية (الوطنية) بين حركتي فتح، كما قدمنا.

5 ـ معادلة المشاركة والتفرّد. فقد أدت نتائج الانتخابات، وبغض النظر عن مداخلاتها الداخلية والخارجية، إلى فوز حماس، وهذا أمر بحكم المنتهي. ولكن هذه الانتخابات بيّنت أيضا انقسام الشعب الفلسطيني، إلى اتجاهين رئيسين، كما أثبتنا. وفي مثل هذا الواقع فإن حماس، رغم أكثريتها العددية في المجلس التشريعي، لا تستطيع أن تفرض خياراتها على الفلسطينيين، فهذه الأغلبية البسيطة لا تمنحها الحق والمشروعية في ذلك. وبمعنى أخر فإن احترام الديمقراطية بتمكين حماس من قيادة السلطة في هذا المرحلة، بكل سلاسة وبروح تعاونية وتكاملية، ينبغي أن يقابل من حماس ذاتها، بتفهم واقع الانقسام الحاصل في الساحة الفلسطينية، وخصوصا تقبل واقع التعددية والتنوع والديمقراطية واحترام الرأي الآخر. وبالتحديد عدم تحويل الديمقراطية التي جاءت بها إلى السلطة إلى دكتاتورية للأغلبية في المجلس التشريعي، فهي ستخسر، فضلا عن أنها لن تستطيع ذلك في الواقع الفلسطيني السائد. فقط عندما تصبح حماس مع مؤيديها بمثابة أغلبية مطلقة، يمكن لها فرض خياراتها السياسية والميدانية، في الشأن العام، من دون أن يشمل ذلك بالطبع الحيز المجتمعي وشأن الحريات الشخصية والمدنية، التي ينبغي احترام خصوصيتها وكونها مجالا شخصيا. وإلى حين ذلك فإن حركة حماس ينبغي أن تبحث عن معادلات تمكنها من قيادة الساحة الفلسطينية، والشأن العام الفلسطيني، على قاعدة التوافقات والمشاركة، بعيدا عن التفرد والتهميش أو الوصاية والإلغاء والإقصاء، التي عانت منها الساحة طويلا.

6 ـ ينبغي أن تجهد حماس، في المجال الشعبي والخارجي وفي مجال الصراع ضد إسرائيل، لتمييز نفسها عن الحركات الإسلامية العالمية، وعن اعتبار نفسها مجرد حركة دينية (بغض النظر عن كونها كذلك)، والتركيز على أنها جزء من نسيج الحركة الوطنية الفلسطينية، وتكييف نفسها في المهمات السياسية.

ولا شكّ أن حماس (بوصفها جزءا من تيار الإسلام السياسي) تدرك بأنها صعدت إلى السلطة، في مناخات دولية ترمي الحركات الإسلامية بشبهة الإرهاب، وفي ظل شبهات تحوم حول صلاحية التيارات الإسلامية للحكم، بدعوى اتهامها بالتزمّت الديني، وبإمكان انقلابها على الديمقراطية، وفرض الشمولية والتضييق على الحريات الشخصية. كما تدرك حماس أنها صعدت إلى السلطة، من أقصى التطرف السياسي والميداني، أي من جهة مشروعها المتعلق بتحرير فلسطين، وتبنيها المقاومة المسلحة، على نمط العمليات التفجيرية في المدن الإسرائيلية. ولا شك أن حماس معنية من مكانتها الجديدة، بتوضيح ذاتها وردّ الادعاءات المذكورة، والتعامل بحكمة ومسؤولية ومرونة معها. ومعنى ذلك أن حماس ستكون معنية تكييف برنامجها، بنقله من عالم الأيدلوجيا والرموز إلى عالم السياسة والواقع، وإن كان الأمر بمصطلحاتها أو بتعبيراتها الخاصة.

إضافة إلى كل ما تقدم فإن حركة حماس تقف أمام العالم الواقعي في مواجهة حسابات وتحديات متعددة، لعل أهمها يمكن في شكل الإجابة على الأسئلة التالية:

أولا، هل تستطيع حركة حماس تحمل مسؤولية الخروج من عملية التسوية، وبالتالي تقويض السلطة الفلسطينية، التي جاءت بنتيجة اتفاقات أوسلو، بدعوى الحفاظ على ثوابتها المتعلقة بتحرير كامل فلسطين، وحقها في المقاومة المسلحة (وفق نمط العمليات التفجيرية /الاستشهادية) في المدن الإسرائيلية؟

ثانيا، هل تستطيع حماس تشكيل حكومة وتحمّل مسؤولية إدارة السلطة، في نفس الوقت الذي ترفض فيه الدخول في عملية تفاوضية مع إسرائيل؟

ثالثا، هل ستحاول حماس تمثّل واقع مرحلة التحرر الوطني، ونشر ثقافة التسامح ومراعاة الوضع التعددي الفلسطيني، أم أنها ستحاول فرض أجندتها الإسلامية في القوانين وفي المجتمع الفلسطيني؟

رابعا، ما هو شكل الرد “الحمساوي” على مخططات إسرائيل لرسم الحدود من جانب واحد، من خارج عملية التسوية؟

على ذلك فإن حركتي فتح وحماس تحديداً تتحملا معا مسؤولية إدارة الوضع الفلسطيني، على قاعدة من التعاون والتكامل والتفهم المتبادل، من دون أن يعفي ذلك القوى الفلسطينية الأخرى من مسؤوليتها عن استنهاض أوضاعها، وإعادة الاعتبار لواقع التنوع والتعددية في الساحة الفلسطينية.

 

جدول (رقم 1)

المصدر: لجنة الانتخابات المركزية الفلسطينية، راجع موقع اللجنة على الانترنيت  (http://www.elections.ps/)أو (http://www.elections.ps/atemplate.aspx?id=463)

جدول (رقم 2)

المصدر: لجنة الانتخابات المركزية الفلسطينية، راجع موقع اللجنة على الانترنيت  (http://www.elections.ps/)أو (http://www.elections.ps/atemplate.aspx?id=463)

جدول (رقم 3)*

نتائج الانتخابات بحسب نظام الدوائر (المناطق) الانتخابية

لكل من حركتي فتح وحماس

(حساب القوة التصويتية)

اسم الدائرة المقاعد المخصصة للدائرة عدد المقاعد التي فازت بها حماس عدد المقاعد التي فازت بها فتح عدد مرشحي فتح من خارج القائمة الرسمية القوة التصويتية لفتح

بعدد المقاعد

القوة التصويتية لحماس

بعدد المقاعد

     القدس 6 4 2       14 4 2
     جنين 4 2 2 6 3 1
    طولكرم 3 2 ـ 3 1 1
   طوباس 1 1 ـ 1 1 _
    نابلس 6 5 1 6 2 4
   قلقيلية 2 2 2 2 _
    سلفيت 1 1 ـ 2 1 ـ
رام الله والبيرة 5 4 1      12 3 2
   أريحا 1 1 _ 1 _
    بيت لحم 4 2 2 4 4 ـ
   الخليل 9 9 _     12 3 6
   شمال غزة 5 5 _ 3 _ 5
   غزة 8 5 _ 4 ـ 5
   دير البلح 3 2 1 ـ 1 2
   خان يونس 5 3 2 6 3 2
     رفح 3 3 ـ 3 ـ
    المجموع 66 45       17     75

 

32

 

30

 

  • هذا الجدول من إعداد الكاتب، بالاعتماد على الجداول المتضمنة نتائج الانتخابات (بحسب الدوائر) في كل دائرة على حدة، والتي ورد فيها عدد الأصوات التي نالها كل مرشح في دائرته؛ وهي الجداول الرسمية الصادرة عن لجنة الانتخابات المركزية الفلسطينية، راجع موقع اللجنة على الانترنيت (http://www.elections.ps/ ) أو (http://www.elections.ps/atemplate.aspx?id=463)
  • وقد جرت المقارنة على النحو التالي:

1 ـ مقارنة أسماء المرشحين من حركة فتح من خارج القوائم، وقد صدرت قائمة باسمهم عن حركة فتح، في إعلان قرار فصلهم من الحركة.

2 ـ احتسبت القوة التصويتية لحركة فتح في كل دائرة، بجمع الأصوات التي نالها الأشخاص المرشحون على قائمة فتح رسميا + الأصوات التي نالها الأشخاص الذين ينتمون لفتح ورشحوا أنفسهم كمستقلين من خارج القوائم الرسمية لحركتهم في مختلف المناطق، وقد بلغ عددهم 75 مرشحا.

3 ـ في المقارنة يتبين أن فتح خسرت 15 مقعدا، لصالح حماس. أي أن فتح كان يمكن أن تحصل على هذه المقاعد (لولا الخلل الداخلي)، زيادة عن المقاعد السبعة عشر التي نالتها في الانتخابات، بحيث يصل عدد مقاعدها إلى 32 مقعدا، وبهذا المعنى فإن حركة حماس، وبسبب تشرذم قوة فتح التصويتية، حصلت على 15 مقعدا زيادة على قوتها التصويتية، وأن قوتها التصويتية في الدوائر كان يمكن أن تصل إلى 30 مقعدا بدلا من 45 مقعدا، هي التي حصلت عليها بنتيجة الانتخابات، وبسبب ظروف فتح.

4 ـ يستنتج في كل الأحوال أنه ثمة نوع من التعادل بين حركتي فتح وحماس، وثمة نوع من الصعود لحماس والهبوط في مكانة فتح، في مجمل العملية الانتخابية.

*ملاحظة: هذه الدراسة نشرت في مجلة الدراسات الفلسطينية/بيروت، العدد 66 ربيع 2006، ويعاد نشرها بمناسبة الحديث عن الانتخابات الفلسطينية الجديدة.

About The Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *