الحروب يعلن الحرب على شبح روحي الخالدي

احتوت مراجعة الزميل خالد الحروب لمخطوطة كتاب الصهيونية تحاملات تتجاوز في رأيي حدود النقد التحليلي الموضوعي—وكأن هناك سجالاً شخصياً بين الحروب وروحي الخالدي بعد مائة عام ونيف من وفاة المؤلف المقدسي في استنبول.

تساؤل الحروب عن أهمية نشر مسودة كتاب تركه المؤلف غير مكتمل في محله—ولكنه اشتط في تحميل المؤلف اخطاء ونواقص بل وخطايا (سرقة ادبية، التماثل مع الرواية التوراتية، الخ) لا تحتملها قراءة متمعنة للنص. ذلك أنه عندما يرحل كاتب تاركاً وراءه مخطوطة ليس لديه نية نشرها كما هي في حياته، أفلا يجوز نشر هذا النص خدمة للعلماء والمؤرخين والطلاب وغيرهم وكأمانة للأجيال القادمة، أم يجب العدول عن النشر؟  الجواب على هذا السؤال الاخلاقي يعتمد على عوامل مختلفة، لا سيما الأهمية التاريخية للنص والفترة الفاصلة بين تاريخ كتابة النص وتاريخ نشره (أكثر من 100 عام في هذه الحالة)، والطريقة التي يقدم فيها الناشر النص، والسياق الذي يضعه فيه.

في هذه الحالة، رأت مؤسسة الدراسات الفلسطينية والمكتبة الخالدية أن الأهمية التاريخية للنص تقضي بنشره، لكونه دراسة تحليلية للصهيونية، ومداخلة سياسية تحريضيه فريدة في آن معاً. فهذا النص، الذي كان قيد التحضير قبل وفاة المؤلف سنة ١٩١٣، يلقي الضوء على رؤية أحد المثقفين الفلسطينيين البارزين للحركة الصهيونية، تاريخها، ايديولوجيتها، آلياتها، فرص نجاحها، وبالتالي يوفر لنا فرصة فريدة لدراسة أحد اوائل ردود الفعل الفلسطينية على هذه الحركة التي انتهت بعد حوالي نصف قرن من الزمن في سلب وطنهم.

وفي الوقت ذاته، فإن المقدمة العلمية المسهبة للاستاذ وليد الخالدي تفسر بالتفصيل خلفية النص وعدم اكتماله، وتضع العمل بوضوح في سياقه التاريخي والاجتماعي، وتوضح أن الكاتب لم يكن ينوي نشره كما هو، وأنه يجب قراءته على أنه عمل قيد التنفيذ، وليس كنص كامل مكتمل. تشير المقدمة أيضاً إلى أن النص يعتمد على مصادر أخرى، لا سيما الموسوعة اليهودية وعمل الصحافي والكاتب الفلسطيني البارز نجيب نصار، وهي “ديون” كان لا بد للمؤلف من أن يعترف بها لو أنه كان ينوي نشر النص. اذن انطلقت المؤسسة من مهمتها الاخلاقية لابراز النتاج البحثي والثقافي الفلسطيني، ونشره على اوسع نطاق عندما اخذت القرار في نشر هذا النص، بالاشتراك مع المكتبة الخالدية، ووضعه امام القارئ الفلسطيني والعربي لدراسته وتحليله والحكم عليه.

أما بالنسبة للتهم الموجهة للكاتب فأرجو من الزميل خالد الالتفات الى ما يلي:

1-التماثل مع الرواية التوراتية—في الواقع ان التماثل هنا ينبع من تبني الخالدي رؤيا اسلامية لتاريخ بني اسرائيل هي وليدة خلفيته الثقافية في مدرسة الاقصى التكوينية تم لاحقا في المكتب السلطاني في الاستانة—اضاف اليها تحليلاً علمانياً مستمداً من تدريبه في السوربون. هذا هو السياق التاريخي لكوسمولوجيا روحي الخالدي—فهل نأخذ عليه انه وليد زمانه؟

–2ومن ناحية أخرى، فإن  هناك مغالطة  تاريخية كبرى في الانتقاد الذي يوجهه الزميل خالد إلى محمد روحي الخالدي لأنه استند  إلى الرؤية التوراتية والصهيونية الأسطورية فيما يتعلق بتاريخ فلسطين، “من دون أن يقابلها رؤية تنقدها وتنقضها”!! ويضيف أن الدراسات الآثارية “عبر أكثر من قرنين من البحث”!! أثبتت “أن كل االقصص الكبرى في التوراة ليس لها أي سند جغرافي”.

فهل كان الخالدي قادراً من الناحية العلمية، عندما كتب مخطوطته، على تقديم رؤية “تنقد وتنقض” الرؤية التوراتية؟ ألا يعرف الزميل خالد أن الدراسات الآثارية التي أثبتت أن القصص الكبرى في التوراة “لم يكن لها أي سند جغرافي” لم تبدأ بالظهور سوى اعتباراً من منتصف القرن العشرين –وليس “عبر أكثر من قرنين” كما يزعم -، وخصوصا بعد تنقيبات عالمة الآثار البريطانية كاثلين كينيون في منطقتَي أريحا والقدس في منتصف ستينيات القرن العشرين، وما أعقبها من حملات تنقيب بيّنت أن التوراة ليست مرجعا يعكس بالضرورة الحقائق التاريخية ويمكن الاستناد إليه؟؟.

. 3 الاعتماد او السرقة من نجيب نصار والموسوعة اليهودية—لقد أوضح وليد الخالدي  في مقدمته أن هذه النصوص هى مادة خام استخدمها الكاتب كمصادر للمخطوطة، أضاف اليها القسم الاهم من الدراسة وهى رصده الميداني والتقريري لنمو حركة الاستيطان الصهيوني في بداية القرن العشرين وشعوره الصائب أن هذه ليست مجرد حركة فكرية هامشية كما كان يدعي الصدر الاعظم وأقطاب حزب الاتحاد والترقي في مركز السلطنة في الاستانة.

4- يستغرب الزميل خالد أن تغيب “الرواية البديلة” في مخطوطة الخالدي، إذ يشير إلى أن هذا الأخير يرد على الرواية الصهيونية باللجوء إلى تعبيرات مثل “أوهامهم” و”إدعاءاتهم” و”مزاعمهم”، ويضيف “لا نرى “شعب فلسطين، ولا نحس به ولا نرى لماذا هو الأحق من اليهود بفلسطين”. وهنا أيضاً نتساءل: هل كان الوعي بالهوية الفلسطينية، وتالياً بوجود شعب فلسطين، قد تبلور عندما كتب الخالدي مخطوطته؟ أليس من المعروف أن الوعي بالهوية الفلسطينية كان نتاج سيرورة تاريخية طويلة لم تكتمل سوى في أعقاب احتلال بريطانيا فلسطين وبروز فلسطين الانتدابية ككيان متميز عن بقية مناطق سورية الطبيعية أو الكبرى، وأن هذه السيرورة مرت بمراحل عدة، بحيث انطوت هوية سكان المناطق التي ستتشكل منها فلسطين الانتدابية على أبعاد عروبية وعثمانية ودينية قبل الحرب العالمية الأولى، ثم صارت هويتهم تنطوي، على أبعاد عروبية وسورية ودينية في أعقاب تلك الحرب، عندما صار يُطلق على فلسطين اسم القسم الجنوبي من سورية؟

النقطة الاهم في  معالجة مخطوطة الخالدي واهمية نشرها حالياً في حالتها المنقوصة التي يمكن ان تكون قد غابت عن ذهن زميلنا خالد الحروب انها لم تكن رسالة علمية  شبيهة بكتبه الاخرى (الانقلاب العثماني، المسألة الشرقية، الخ) بل  كانت تحضيراً لمداخله سياسية كان ينوي تقديمها  في مجلس المبعوثان ووسط المعترك السياسي العثماني كصيحة استغاثة وتحذير وتعبئة ضد خطر الاستيطان الصهيوني الداهم في تلك الفترة على وطنه الصغير وعلى الولايات العربية من بلاد الشام في السلطنة العثمانية.

ليته لم يُنشر! كتاب “السيونيزم أي المسألة الصهيونية” لروحي الخالدي

 

 

Author: سليم تماري

1 thought on “الحروب يعلن الحرب على شبح روحي الخالدي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *