الحركة الوطنية الفلسطينية: ذُبول الرؤى وتأرجُح الخطاب

تنبع أزمة الخطاب الفلسطيني من أزمة الحركة الوطنيّة الفلسطينية برمّتها. إنّها لا تحمل رؤى بعينها، بل “أطياف” رؤى. ولعلّ أخطر ما في الدّروب، هي تلك التي لا ترتكز الى أرضٍ وسماء. إنّ سجِل التّاريخ الإنساني لا يحمل قضيةً قد حظيت بترسانةٍ طويلة من الاعترافات بحقوقه مثلما حظي به شعب فلسطين، ولكنّها كلّها ظلّت مبتورةً لا يظلّلها سقف سياسي من فوقها، ولا آلية تطبيق على الأرض من تحتها.

إن أخطر ما يواجهه المشروع الوطني الفلسطيني المعاصر الآن، لا يتمثّل في مقترحات صفقة القرن ومشتّقاتها أو مرادفاتها التي تحاول إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية تسويقها، ولكن في حقيقة أن المشروع الوطني الفلسطيني يعاني من غباش الرؤية: إلى أين؟ كيف؟ ومع مَن؟ وأبرز ما ضرب وضوح الرؤى هذا في مرحلة التحرّر الوطني قد تمثّل في “تمييع” مرحلة التحرّر الوطني ذاتها. فإذا كان الطابع الدولاني لمنظمة التحرير الفلسطينية، الذي أكدته دومًا، قد جاء نتاج لجهد سياسي وعسكري ودبلوماسي عسير المخاض، بيد أنّه شكّل في أحيانَ أخرى كثيرة إرباكًا جليًّا بين النّهجين، وسار تأسيس “السلطة الوطنية الفلسطينية” لاحقا على ذات الدرب، على صعيد تماهي مرحلة التحرّر بعملية “بناء الدولة”

لقد تعمّد القائمون على السلطة الوطنيّة إبراز سماتها الدولانية بشكل مبالغ فيه بغياب الدولة، والانطباع بإنهاء الاحتلال مع وجوده على الأرض. كما تمّت عملية الإسراع في نهج المأسسة (ما بعد الدولة) واستبدال المفاهيم والثقافات وبروز النخب وإعادة صوغ التّراث السياسي. لم تكن هذه العمليّة الانتقاليّة «سلسة» بطبيعة الحال، بل دفعت العديد من حركات التحرر الوطني الفلسطيني إلى إرباك سياسي بالحد الأدنى، وإلى موت سريري في الحد الأقصى لم تخرج منه حتى اللحظة. فحركة «فتح» التي قادت المشروع الوطني الفلسطيني لعقود مَضت، أضحت اليوم أقرب إلى حزب سلطة (في مرحلة ما بعد الدولة) منها إلى حركة تحرر وطني. لقد تماهت «فتح» مع منظمة التحرير أولا، ومع السلطة الوطنية ثانيا، وهي أطر دولانية بامتياز، ما دفعها أكثر من غيرها إلى «الانخراط في عملية البناء». غير أن حال الفصائل الأخرى لم تكن أفضل حالًا، فقد تأقلم الكثير من الفصائل الفلسطينية، خصوصًا اليسار، في «الواقع الدولاني» للسلطة الوطنية، مبرراً هذا الانخراط الدولاني بالحفاظ على سِمات مرحلة التحرّر الوطني. كما تبدو حركة «حماس»، في أعقاب سيطرتها على قطاع غزة، تسير بالخطأ نفسه الذي ارتكبته «فتح» قبلها، في استباق الدّولة، وبتبني المنطق ذاته ولو باختلاف المرجعيّات.

لقد شكّل التأرجُح الأيديولوجي صفة ملازمة لتأرجح الخطاب ذاته. لقد شهدت الحركة الوطنية فوضى أيديولوجية مزجت فيها التيارات والمشارب الفكرية المختلفة، فانتقل القوميون مثلا إلى الاشتراكية، مطلقين على أنفسهم اسم «اليسار الجديد» تمييزًا لهم من الأحزاب الشيوعية. وما من شك في ان التأرجح الأيديولوجي للحركات الفلسطينية على قاعدة استيراد الأيديولوجيا وتطبيقها على الواقع الفلسطيني، ومن ثم الانتقال إلى أيديولوجيا أخرى، قد أنهك الفصائل الفلسطينية وكوادرها في محاولات إثبات رشد التوجه الأيديولوجي لكل حزب وفصيل، وأشغلهم بدرجة كبيرة عن تطوير منهج عملي مشترك قادر على التعامل مع الصراع، وتوحيد الرؤية والإستراتيجية والخطاب تجاه الخارج على الأقل.

تتمتع قضية فلسطين بموطني قوة اثنين ومتكاملين. يقوم الأول على صمود أهل فلسطين، ورفضهم التنازل عن حقوقهم والدفاع لإقرار حقوقهم، إنه عظيم الدلالة، لأنه هو من يمنح الفلسطينيين الحق بالادعاء صدقًا بأنهم الوحيدون المخولون منح إسرائيل «الشرعية» لوجودها.

ويتمثل موطن القوّة الثاني، في المد العالمي المناصر لفلسطين. فما من قضية في اليوم، قادرة على تجييش الملايين حول العالم، مثلما تفعل فلسطين. ولكن لم تعط النخب الفلسطينية ولا العقل السياسي الجمعي هذه القضية الاهتمام الذي تستحقه. بل أنها قامت على قاعدة الاختزال في أحيان كثيرة، إلى حدود المانحين، ومراكز صنع القرار المحسومة سلفًا لمصلحة إسرائيل، فيما تمّ اختزال شعوب متضامنة سلفا مع فلسطين. ولعبت الجهود الفلسطينية المبذولة دوليا ضمن ما يتقنه المجتمع الدولي جيّدًا، الغرق في التفصيلات القانونية والإحصاءات وبذل جهود تقصي الحقائق، وتعليم الضحية مبادئ حقوق الإنسان. إن على الخطاب الفلسطيني أن يبلّغ رسالة لا لبس فيها بأن الإحجام عن التعامل مع جذر الصراع، لا يدفع إلى عدم حل المشكلة فحسب، بل هو اشتراك في تأزيمها أيضاً.

إن حال الحركة الوطنية الفلسطينية، ومعها مشروعها المعاصر وخطابها الى الداخل والخارج، يتراوح في مكانه في أحسن تقدير، يُعوَّل ذلك تلقائيا بعظمة المؤامرة وهَوْل البدائل. لكنّا إذا ما موضعنا هذه الحركة في قالب ما يجري في فلسطين، وخصوصا الخطوات المتلاحقة التي يخطوها المشروع الصهيوني، تصبح مراوحة الحركة الوطنية في مكانها تقهقرًا حتميًا. وبالتالي، يظل الخطاب المنبثق عنها خجولًا ومتأرجحًا، لا يؤثر في مسار التاريخ، ولا يسهم في عملية الصنع، ولا يظهر إلا من باب رد الفعل الرافض. وليس لمثل هذا الخطاب مكان لمن أراد أو يريد أن يبني حيِّزه الخاص في التاريخ الإنساني على مرِّ العُصور.

Author: نهاد البقاعي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *