الحرب لفرض الهيمنة الإسرائيلية… وحسابات نتنياهو السياسية


تعكس الحرب الإسرائيلية–الأميركية على إيران تحولات عميقة في العقيدة الأمنية والعسكرية الإسرائيلية. ومن المتوقع أن تكون لهذه التغييرات تداعيات كبيرة على مستقبل المنطقة بأسرها.
تشن إسرائيل للمرة الأولى حربًا ضد دولة في المنطقة بهدف مُعلن يتمثل في تغيير نظام الحكم فيها. إذ تعلن إسرائيل للمرة الأولى في تاريخها أن الهدف الرسمي والمُعلن من الحرب هو إسقاط نظام حكم في دولة إسلامية في الشرق الأوسط تُعد من أكبر وأهم دول المنطقة. وقد جاء هذا الموقف عبر تصريحات صريحة لرئيس الحكومة الإسرائيلية، ووزير الأمن، والناطق العسكري الرسمي، وهو الهدف ذاته الذي أعلنه الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، في سياق الحرب على إيران.
كما أقدمت إسرائيل لأول مرة في تاريخها على اغتيال علني واحتفالي، إلى حد بعيد، لقائد لدولة إسلامية، المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي. مع العلم ان خامنئي لا يُعدّ فقط الشخصية السياسية الأبرز في النظام الايراني، بل ربما يُمثّل أيضًا المرجعية الدينية الشيعية الأهم في المنطقة. ويعكس هذا السلوك تحولًا جوهريًا في العقيدة الأمنية الإسرائيلية وفي أنماط عملها، إذ يبدو أن إسرائيل باتت أقل اكتراثًا بردود الفعل الإقليمية والدولية على خطواتها في الحرب ضد إيران.
كما تُعدّ الحرب الحالية على إيران أول حرب تخوضها إسرائيل في شراكة كاملة وعلنية، تخطيطًا وتنفيذًا، مع الولايات المتحدة. فمنذ العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، لم تنخرط إسرائيل في حرب واسعة إلى جانب قوة عظمى كشريك مباشر في الحرب. ولا يدور الحديث هنا عن مشاركة رمزية أو دعم غير مباشر يقتصر على تزويد إسرائيل باحتياجاتها العسكرية، كما كان في العادة، بل عن تنسيق وشراكة ميدانية كاملة في اتخاذ القرار والتخطيط والتنفيذ.
توقيت الحرب مريح لإسرائيل
في الوقت الذي أعلنت فيه معظم دول العالم، على الأقل على المستوى العلني، سعيها إلى تجنّب اندلاع حرب بين الولايات المتحدة مع إيران والدفع نحو إنجاح المفاوضات، تبنّت إسرائيل موقفًا مغايرًا. فقد دفعت، رسميًا وفعليًا، باتجاه إفشال مسار التفاوض، وأعلنت تفضيلها خيار الحرب، معتبرة أن أي اتفاق محتمل سيكون بالضرورة مضرًا بمصالحها الإستراتيجية.
وتشير المعطيات إلى أن قرار الذهاب إلى الحرب كان قد اتُّخذ في وقت سابق، لدى كل من إسرائيل والإدارة الأميركية، وأن المفاوضات لم تكن سوى محاولة لكسب الوقت واستكمال الاستعدادات العسكرية، إلى جانب بناء سردية سياسية داخلية تبرّر الانتقال إلى المواجهة.
بدت إسرائيل معنية بخوض الحرب مع إيران في هذا التوقيت تحديدًا، وفي ظل المعطيات القائمة. فبعد أن نجحت، في أعقاب احداث السابع من أكتوبر، في تجنّب ما وصفته بـ”سيناريو الرعب” المتمثل في فتح جبهات متعددة بالتوازي، مستفيدة من قدرتها على ردع حزب الله وإيران آنذاك، ومن خطأ في تقدير الأخيرَين للتحول الذي شهدته إسرائيل، إضافة إلى التحذيرات الصريحة التي أطلقها حينها الرئيس الأميركي، جو بايدن، لإيران وحزب الله من مغبة التدخل في الحرب، ترى إسرائيل اليوم أن اللحظة باتت مواتية لاستكمال المواجهة وفق شروطها وبالتوقيت الذي يخدم حساباتها الإستراتيجية.
أرادت إسرائيل الحرب في هذه المرحلة لعدة أسباب، أهمها، أنها، وفق تقديراتها، قادرة على تحمّل كلفتها العسكرية والاقتصادية والسياسية. وثانيًا، لوجود إجماع داخلي واسع يؤيد خيار الحرب. فقد أظهرت استطلاعات الرأي خلال الأسابيع الأخيرة دعمًا ملحوظًا في الشارع الإسرائيلي لاستئناف الحرب على إيران، حتى لو جرت بصورة منفردة ومن دون مشاركة أميركية رسمية. ثالثًا، لأن المعارضة البرلمانية لا تعارض هذا المسار، بل إن اندفاعها نحو التصعيد لا يقل عن اندفاع الائتلاف الحاكم. ناهيك بأن الحرب جاءت بالشراكة الكاملة مع الولايات المتحدة.
الحرب لفرض الهيمنة الإسرائيلية
تندرج رغبة إسرائيل في خوض الحرب ضمن سياق أوسع يتمثل في سعيها إلى تكريس هيمنة إقليمية كاملة. فقرار الحرب لا يُفهم باعتباره خطوة تكتيكية معزولة، بل ترجمة مباشرة لتصريحات كبار صناع القرار، منذ السابع من أكتوبر 2023، الذين تحدثوا عن ضرورة إحداث تغيير إستراتيجي شامل في الشرق الأوسط، يتجاوز حدود الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي.
من هذا المنظور، تُقارب إسرائيل الجبهات المختلفة باعتبارها مترابطة ومتكاملة. فإعادة صياغة المعادلة الأمنية في المنطقة، وفق العقلية الإستراتيجية الإسرائيلية، تعني القضاء على أي إمكانية لنشوء تهديد جدي مستقبلي، ومنع إعادة تشكّل موازين قوى قد تُقوّض تفوقها وهيمنتها. لضمان هذه الهيمنة كان لا بد، من منظار إسرائيلي، استكمال تفتيت ما يسمى المحور الإيراني. فعاجلًا او آجلًا، كما ترى إسرائيل، ستحاول إيران إعادة ترميم قدرات الحلفاء وقدراتها العسكرية والصاروخية مما يمكن أن يشكل استئنافًا على هيمنة إسرائيل.
يبدو أن إسرائيل تجاوزت مقاربة الردّ على التهديدات الأمنية، وانتقلت إلى سلوك يُحاكي سلوك قوة إقليمية كبرى تتصرف انطلاقًا من منطق فرض المصالح عبر العمل العسكري المباشر والعلني، بما في ذلك إسقاط أنظمة في المنطقة، ومنع تشكّل أي تهديد مستقبلي يمكن أن يقيّد هيمنتها أو ينازعها السيطرة الإقليمية.
وفي هذا السياق، تستثمر إسرائيل وجود رئيس أميركي لا يتردد في استخدام القوة العسكرية، ويُبدي دعمًا شبه مطلق لمطالبها وأهدافها، وكذلك لسياسات اليمين الحاكم فيها، من أجل الدفع بهذه الإستراتيجية إلى مداها الأقصى وتحقيق أهداف بعيدة المدى تتجاوز حدود المواجهة الآنية.
الأهداف السياسية الضيقة
تكشف الحرب على إيران، مرة أخرى، أنه لم يعد بالإمكان الفصل بين الأهداف والمصالح السياسية والشخصية بل والأيديولوجية لرئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، وبين المصالح الأمنية والإستراتيجية لإسرائيل. فمنذ عودته إلى السلطة عام 2009، عمل نتنياهو على تحويل ما سمّاه “التهديد الإيراني” إلى تهديد وجودي، ويسعى اليوم إلى إغلاق هذا الملف مستفيدًا من المعطيات التي نشأت منذ السابع من أكتوبر، ومن المزاج الإسرائيلي العام الأكثر تقبّلًا للحروب، إضافة إلى وجود رئيس أميركي يتجاوب إلى حد بعيد مع رغبات إسرائيل ومصالحها.
كما يسعى نتنياهو إلى ترسيخ إرث سياسي يُقدَّم فيه بوصفه “منقذ إسرائيل والشعب اليهودي”، في مواجهة الاتهامات التي تحمّله مسؤولية أخطر إخفاق أمني شهدته الدولة منذ قيامها، والمتمثل في هجوم السابع من أكتوبر.
ستؤدي مغامرة نتنياهو العسكرية في عام انتخابات بالضرورة إلى الربط بين مستقبله السياسي وبين نتائج الحرب على إيران. فأي إنجاز عسكري تحققه إسرائيل سيُعاد تقديمه بوصفه إنجازًا شخصيًا له، وسيُسوَّق داخليًا باعتباره أحد أهم التحولات العسكرية في تاريخ إسرائيل. وفي هذا السياق، قد يُنظر إلى اغتيال المرشد الأعلى الإيراني، علي خامنئي، كإحدى “صور الانتصار” التي يسعى نتنياهو إلى توظيفها سياسيًا. هذه التطورات، يمكن أن تعزز، من جهة، مكانته السياسية والانتخابية، وتعيد صياغة صورته القيادية في الداخل الإسرائيلي. أما في حال فشل الحرب في تحقيق أهدافها المعلنة، أو تحقيقها بصورة جزئية لا تلبي توقعات الشارع الإسرائيلي، فقد تنقلب المعادلة لتتحول الحرب إلى عامل انتكاسة سياسية وانتخابية لنتنياهو.
عن عرب48