الحرب الظالمة على قطاع غزة: نفاذ الغذاء والدواء والوقود

بعد ما يزيد عن تسعة عشر شهراً من القصف الوحشي الذي يستهدف الإنسان والبنيان والمكان في قطاع غزة من قبل القوات الإسرائيلية الغازية، وصلت الأمور إلى ما وصلت إليه: ما يزيد عن (١٧٠)  ألفاً بين قتيل وجريح، عدا آلاف المفقودين تحت الركام، وتدمير ما لا يقل عن ثلثي المنازل والأماكن الخدمية والعامة، وذلك إضافة الى تدمير معظم المشافي والعيادات الصحية وشبكات المياه والكهرباء والطرق وسيارات الإسعاف والدفاع المدني. وبعد ما يزيد عن سبعين يوماً من الحظر التام على دخول المساعدات الإنسانية، يشمل تلك المنقذة للحياة، وصلت الأمور إلى ما وصلت إليه: نفاذ شبه تام للغذاء والدواء والوقود، وما يتبع ذلك، أو يقترن بذلك، من خطر الموت جوعاً أو نتيجة لنقص الدواء أو الوقود اللازم لأغراض الطهي والخبز وتشغيل المعدات الطبية ومضخات المياه وغيرها. ويعترف بكل ذلك القاصي قبل الداني، والعدو الذي يتعمد فعل ذلك قبل الصديق الذي يسخط على فعل ذلك. وبسبب القتل والتخريب الصاخبين، كما بسبب التجويع والتمويت الصامتين، فقد اتهمت حكومة الاحتلال أمام محكمة العدل الدولية بارتكاب جريمة الإبادة الجماعية، أم الجرائم كلها، كما اتهم رئيس حكومتها الحالي ووزير دفاعها السابق من قبل محكمة الجنايات الدولية بارتكاب جرائم حرب وأخرى ضد الإنسانية.

ومن المحزن والمحبط حقاً أن صرخات الجوعى والمرضى والجرحى من الرجال والنساء والأطفال في غزة تحط على آذان وأذهان صماء في الدولة العبرية. ومثلها نداءات الاستغاثة الصادرة عن المؤسسات الإنسانية الدولية، ومثلها ما صدر عن محكمة العدل الدولية بشأن الإجراءات الاحترازية الواجب اتخاذها. ورغم مطالبات وقرارات الدول الكثيرة والهيئات والمحاكم الدولية، ما زالت آلاف الشاحنات المحملة بالغذاء والدواء والوقود واقفة على الجانب المصري من معبر رفح الحدودي منذ أكثرمن سبعين يوماً. ومن المحزن والمخجل بصورة خاصة أن ما يزيد عن عشرين دولة عربية وما يزيد عن خمسة وخمسين دولة إسلامية غير قادرة على إدخال وجبة طعام واحدة أو قطرة وقود واحدة أو جرعة دواء واحدة منذ ما يزيد عن سبعين يوماً. تفطر القلوب ألماً تلك الحشود من الأجساد الهزيلة للغزيين والغزيات، خاصة الأطفال منهم، وهم يتزاحمون حول ما تبقى من “تكيات” للحصول على مغرفة غذاء تسد الرمق. كما تفطر القلوب غضباً وحزناً مشاهد مرضي وجرحي في المشافي يعانون من الجوع ونقص الدواء والعقاقير الطبية.

وإذا سأل سائل من أهلها: “إلى متى هذآ القصف الوحشي وهذا الحرمان الظالم من الغذاء والدواء والوقود؟”، يكون الجواب كالتالي: الأمر منوط بما يقرره ساكن البيت الأبيض والإدارة التي يقف على رأسها. فلهذا الساكن في البيت الأبيض وحده أمر مطاع لدى حكومة إسرائيل، والتي ما زالت تتفاخر وتتباهى بتجويع الغزيين تمهيداً وطريقاً لإخضاعهم وتنزيحهم. ولكن لساكن البيت الأبيض هذا مصالحة وأولوياته الخاصة. فهو، من جهة، ملتزم بدعم وحماية إسرائيل؛ وهو، من جهة أخرى، طامع في الحصول على أموال طائلة من دول الخليج العربي. بكلمات أخرى، بعد ما يزيد عن (١٩)  شهراً من الحرب المدمرة على قطاع غزة، وبعد ما يزيد عن (٧٠) يوماً من حظر دخول المساعدات الإنسانية إلى القطاع وبدء تفشي المجاعة، وحده الرئيس الأميركي  ترامب قادر على تغيير مسار الأمور لهذا الاتجاه أو ذاك. فقراره هو الحاسم وأمره هو المطاع. وإذا كنا نعرف عن دوافعه واعتباراته الكثير، وإذا كنا نعرف أن قراره سوف ينطوي على موازنة بين دعم إسرائيل وحمايتها وبين أطماعه في أموال السعودية وجارتيها من الدول الخليجية الغنية، إلا أننا لا نعرف عن طبيعة قراره بعد، عدا ذلك الشق الذي يعنى بوجوب إدخال المساعدات الإنسانية لقطاع غزة قريباً. وفي جميع الأحوال، لن “يبيع” ترامب إسرائيل مقابل أموال الخليج العربي، حتى ولو كانت مبالغها فلكية.

ما ورد في الفقرة أعلاه يفترض أن للسعودية وسحر مالها تأثيراً على ما قد يتخذه الرئيس ترامب من قرارات وما يصدره من أوامر بشأن مسار الحرب على قطاع غزة، يفوق تأثير بقية الدول العربية والإسلامية وغيرها من دول أخرى في العالم الأوسع. وهناك ما يبرر، في اعتقادي، مثل هذا الافتراض. ولكن مخاوف ومصالح السعودية تتعدى ما يحدث لغزة وفي غزة. وليس واضحاً أنّ ما يحدث لغزة وفي غزة يحتل موقع الصدارة في أولويات المملكة. فلها مخاوف كبيرة من النفوذ الإيراني في شبه الجزيرة العربية، ولها طموحات وطنية ومآرب أخرى في الإقليم وأبعد. ولكن المملكة السعودية تقول وتكرر بانها لن “تبيع” غزة وتتخلى عن الفلسطينيين فيها وخارجها. وفي هذا الصدد، يجب أن لا يغيب عن الأذهان أن للمملكة مبادرة سلام علّى الطاولة منذ العام ٢٠٠٢، ولها مبادرة أخرى  بالتعاون مع فرنسا موعدها شهر يونيو/ حزيران القادم، ولها، ثالثاً،  التزام تجاه مخرجات القمة العربية التي انعقدت في القاهرة ربيع العام الماضي، تلك القمة التي باركت المبادرة المصرية بشأن وقف الحرب على قطاع غزة، إدارته وإعادة إعماره.

وللإجمال أقول: تستطيع المملكة العربية السعودية، وبالتعاون مع زميلتيها الخليجيتين قطر والإمارات، التأثير كثيراً على الرئيس ترامب، الطامع بالحصول على أموال طائلة، باتجاه وقف الحرب على قطاع غزة وإعادة إعماره (بالطبع دون تهجير سكانه الأصليين أو تنزيحهم قسراً). ويمكن لكفة تأثيرها في هذا الشأن، لو أرادت وأصرت، أن تعادل كفة تأثير حكومة إسرائيل اليمينية المتطرفة ومن يناصرها. فالسعودية وزميلتاها في الخليج العربي هي بلاد الخيال، هي تلك “الالدورادو”، التي يعرج إليها  عاشق المال والأعمال، والذي يدرك مسبقاً أن الوصول إليها والتمتع بخيراتها يتطلب جهداً وعملاً يتعديان تحمل مشاق السفر! وباختصار شديد، يستطيع الرئيس ترامب، إذا أراد وأصر، إنهاء الحرب على غزة وإغاثتها تمهيداً لإعادة إعمارها. وتستطيع السعودية وزميلتاها المذكورتان، إذا أرادت وأصرت، التأثير على الرئيس ترامب لتحقيق ذلك. ولسوف تبدي لنا الأيام والأسابيع القليلة القادمة ما الذي أراده وأصر عليه ترامب، وما الذي أراده وأصر عليه بن سلمان وكل من نظيريه الخليجيين، وما الذي جناه الغزيون بخاصة والفلسطينيون بعامة من كل ذلك. فإذا انتهت لقاءات ترامب مع بن سلمان وزملائه الخليجين دون قرار نافذ بوقف الحرب على غزة، إغاثة أهلها، والالتزام بإعادة الإعمار، يكون حكام الخليج العربي الثلاثة، وعلى رأسهم بن سلمان، قد “أطاعوا رومهم”، وخذلوا بذلك شعب فلسطين (أقل ما يقال).

About The Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *