الحرب الأهلية اللبنانية واللاجئون الفلسطينيون… أعراض اجتماعية وخلاصات سياسية

يحلو لكثيرين من الساسة والصحافيين والإعلاميين، وحتى المؤرّخين، أن يتباروا في إعادة السبب الرئيس في اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية في سنة 1975 إلى الوجود الفلسطيني المسلّح في لبنان. وهذا الكلام شائع جدّاً لدى أصحاب المنازع الطائفية والحزبية، ومتواتر في الصحافة والإعلام والمجادلات السياسية. غير أن إنعام النظر في تلك الخلاصات يقود إلى التحفّظ على معظم جوانبها، وإلى الاحتراس من بعض مقولاتها المتسرّعة. فالفلسطينيون (منذ 50 عاماً أو أكثر) كانوا ضحايا تلك الحرب، وضحايا مقدّماتها وفواجعها السياسية والأمنية. ولعلّ البداية كانت في كمين كوع الكحّالة في عام 1970، الذي قُتل فيه 14 فلسطينياً، وخلّف ذيولاً من الريبة وعدم الاطمئنان. والحرب الأهلية إياها افتتحت مشاهدها بمجزرة عين الرمانة (13/4/1975) ضدّ باص يقل فلسطينيين ولبنانيين مدنيين، ثمّ قدمت أقسى عروضها الدموية في مخيم تلّ الزعتر (12/8/1976)، ولم تُنزل ستائرها في مذبحة صبرا وشاتيلا (16و17/9/1982)، مثلما لم تُنزل شارة النهاية في مذابح حرب المخيّمات التي بدأت في 1985، وتوقّفت في 1988.
كانت دوافع الحرب موجودةً أصلاً في ثنايا المجتمع اللبناني. وروافع الحرب إنّما هي القوى السياسية المحلّية التي سارت في خطّة تفجير هذا البلد، وهي خطّة أميركية من بابها إلى محرابها، كانت غايتها ضرب مشروع اليسار اللبناني في الإصلاح والتغيير، الذي وضعته الحركة الوطنية اللبنانية بزعامة كمال جنبلاط، وفكّ تحالف الحركة الوطنية مع منظّمة التحرير الفلسطينية بقيادة ياسر عرفات. وأبعد من ذلك، يمكنني الاستنتاج (بقليلٍ من الاحتراس العلمي) أن الحرب الأهلية في لبنان بدأت “حَنْجَلتها” في 1968، أي بعد هزيمة سورية ومصر في حرب 5 حزيران1967. آنذاك، ظهر “الحلف الثلاثي” (بيار الجميّل وكميل شمعون وريمون إدّة) في مارس/ آذار 1968، ثمّ جاءت الانتخابات النيابية في تلك السنة لتعبّد الطرقات نحو انقسام أهلي على قاعدة طائفية صريحة. وكان واضحاً أن القوى الطائفية اللبنانية، وزعماءها، لا يتّفقون على أيّ أمر أبداً، فقد اختلفوا على تأسيس دولة لبنان الكبير في 1920، وعلى قصّة الأقضية الأربعة وضمّها إلى متصرفية جبل لبنان وبيروت. واختلفوا على صيغة الحكم في لبنان المشهورة بـ”صيغة 1943″، واختلفوا على الموقف من تأسيس دولة إسرائيل (انفرد البطريرك أنطوان عريضة والمطران اغناطيوس مبارك والرئيس إميل إدّة بتأييد قيام هذه الدولة). واختلفوا على الوحدة السورية المصرية، وسياسة الرئيس جمال عبد الناصر، وعلى العمل الفدائي الفلسطيني. واختلفوا على طرائق الحكم وبنية النظام السياسي. وها هم اليوم يختلفون على كلّ شيء تقريباً: على الإصلاحات السياسية والقضائية، وعلى مكانة الشيعة في هيكل النظام اللبناني، وعلى سلاح حزب الله، وعلى النزوح السوري إلى لبنان، حتى أنهم اختلفوا في إحدى الحقب على التوقيت الصيفي الذي جاء مع شهر رمضان، وتحوّل ذلك الخلاف صراعاً طائفياً.

كانت دوافع الحرب الأهلية موجودةً أصلاً في ثنايا المجتمع اللبناني. وروافع الحرب إنّما هي القوى السياسية المحلّية

لنتذكر أن العاصمة بيروت، ومعها معظم المدن اللبنانية الأخرى (طرابلس وصيدا وصور والنبطية وبعلبك) ما كانت تهدأ منذ ستينيّات القرن المنصرم جرّاء صعود أحزاب اليسار اللبناني، وكانت تنام على أخبار انتفاضة فلاحي سهل عكار في سنة 1967، لتستيقظ على تظاهرات عمّال معمل غندور، التي سقط في أثنائها العاملان يوسف العطّار وفاطمة الخواجة، ثمّ تصحو على تظاهرات مزارعي التبغ في النبطية في سنة 1973، التي سقط فيها نعيم درويش من حبوش وحسن الحايك من كفرتبنيت، واعتُقل في سياقها السيّد هاني فحص والشاعر موسى شعيب. وبين النوم والاستيقاظ والصحو، كان طلّاب الجامعة اللبنانية يتظاهرون، صبحَ مساءَ، في سبيل إصلاح هياكل الجامعة وتغيير برامجها التعليمية وتطويرها كي تصبح جامعةً وطنيةً وعصريةً. وفي هذا الميدان كان من غير المألوف أن يتجرّأ طلّاب الجامعة الأميركية على احتلال مباني الجامعة وطرد بعض أساتذتها الأميركيين احتجاجاً على السياسات الأميركية في فيتنام وفلسطين لولا الاستناد إلى اليسار وقوته المتصاعدة. وكان قيدوم جميع تلك التظاهرات اليسار اللبناني، بأحزابه المتعدّدة التي اجتمعت على برنامج الإصلاح المرحلي الذي صاغته الحركة الوطنية اللبنانية (18/8/1975)، الأمر الذي أفزع السلطات العسكرية والأمنية والدينية اللبنانية، خصوصاً غداة اغتيال القادة الفلسطينيين الثلاثة (محمد يوسف النجار وكمال عدوان وكمال ناصر) في قلب بيروت، وما خلّفه ذلك الاغتيال من انقسام خطير في السلطة السياسية اللبنانية (استقالة صائب سلام من رئاسة الحكومة بعد رفض الرئيس سليمان فرنجية إقالة قائد الجيش إسكندر غانم)، ما أعاد إلى الذاكرة عملية الكوماندوس الإسرائيلي في مطار بيروت الدولي (تدمير 13 طائرة مدنية لبنانية في 28/12/1968). ثمّ جاءت عملية بنك أوف أميركا في شارع المصارف ( 18/10/1973)، أي في خضمّ حرب أكتوبر (1973)، التي استشهد فيها علي شعيب وجهاد أسعد، لتضيء الأزرار الحمر في غرف عمليات الاستخبارات الأميركية والبريطانية واللبنانية، وتستنفر جميع أجهزتها لمواجهة اليسار اللبناني، ولا سيّما المجموعات التي تتبنّى نظريات حرب المدن والعمليات الخاصّة والمتحالفة مع اليسار الفلسطيني المماثل لها في الرؤى القتالية مثل مجموعات وديع حداد، العاملة تحت اسم “المجال الخارجي”. وكانت أولى مقدّمات الحرب الأهلية اللبنانية إطلاق الرقيب مارون داود النار على معروف سعد في إحدى تظاهرات الصيادين في صيدا (26/2/1975)، ووفاته في 6/3/1975.
انعكست عقابيل الحرب الأهلية اللبنانية على الفلسطينيين في لبنان في مجالَين رئيسَين: الاجتماعي والسياسي. وسأذكر، في هذا السياق، الخطوط السود، أو العناوين العامّة، لهذين المجاليَن فحسب.

لم تنخرط منظّمة التحرير وفصائلها في الحرب إلا بعد سقوط مخيّمي ضبية وجسر الباشا وتجمعات فلسطينية بمناطق أخرى

المجال الاجتماعي والإنساني
1. تدمير بعض المخيمات وتهجير سكّانها مثل تلّ الزعتر وجسر الباشا وجزء من مخيم ضبية، واقتلاع التجمّعات الفلسطينية التي كانت موجودةً في المسلخ والكرنتينا، وبدرجة أقلّ في برج حمود. وكان سبق تدمير مخيّمات المنطقة الشرقية من بيروت تدمير إسرائيل مخيّم النبطية في سنة 1974.
2. تدمير عشرات المؤسّسات الخدمية والرعائية والصحّية للفلسطينيين مثل مستشفى القدس في الحازمية على سبيل المثال، واحتلال المحلات التجارية والورش الفنية العائدة للفلسطينيين في المنطقة الشرقية من بيروت وضواحيها مثل الدكوانة وسنّ الفيل.
3. أدّى التهجير المتمادي للفلسطينيين من مخيّماتهم إلى تزايد هجرتهم نحو أوروبا بصورة لافتة. فقبل اندلاع الحرب الأهلية لم يكن السفر إلى الدول الأوروبية مسألةً شائعةً في صفوف الفلسطينيين في لبنان، إلا في نطاق محدود جدّاً. لكن، بعد سقوط تلّ الزعتر والمخيّمات المجاورة، باتت الهجرة إلى ألمانيا الغربية ظاهرةً مكثّفةً جراء فقدان الأمان وفقدان الأمل السياسي، وفقدان الأهل والأقارب، وفقدان المنازل، ونشوء مشكلة “المهجّرين”، وازدياد البطالة. وفي شوارع برلين الغربية كان من المألوف رؤية شاب فلسطيني يجري راكضاً أمام شرطي لأنه صعد إلى القطار من دون أن يشتري تذكرة ركوب1. وكان من المألوف أيضاً أن يظهر شاب فلسطيني في التلفزيون الألماني ليروي حكايته فيقول إنه كان من أشبال حركة فتح مثلاً، وإنه تدرّب على استخدام السلاح لقتال الإسرائيليين. ولأنه يرفض القتال والقتل فقد جاء إلى ألمانيا طالباً اللجوء2. وعلم الفلسطينيون لاحقاً أن الموساد ووكالة الاستخبارات الأميركية (CIA) كانا يشرفان على التحقيقات مع الشبان الفلسطينيين في برلين الغربية وفي الدنمارك، وأن خطّةً وُضعت في إحدى المراحل لتشجيع الشبان المنتظمين في صفوف منظّمة التحرير الفلسطينية، بين 20 عاماً و40 عاماً، على الهجرة إلى ألمانيا الغربية والدنمارك. وهناك يتم اختيار عناصر محدّدة منهم للعمل ضدّ حركة فتح. ومَن يرفض التعاون يتحوّل إلى الحياة السوداء في شوارع برلين3.
4. تهلهل النسيج الاجتماعي للفلسطينيين القاطنين في المخيمات وفي خارجها، ولا سيّما للعائلات التي هاجر بعض أفرادها إلى أوروبا. والمجتمع الفلسطيني في لبنان هو من المجتمعات الهشّة التي تعتمد على رعاية وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) وعلى الروابط القرابية والعلاقات الوشائجية. لذلك، لم يكن من المستغرب أن تمتلئ فنادق جزيرة قبرص، ومنازل الفلسطينيين في مدينة دمشق، في فصل الصيف، بالأبناء القادمين من المَهاجر الأوروبية (ألمانيا والدنمارك والسويد وهولندا) للالتقاء بأهاليهم بعدما صار المجيء إلى لبنان محفوفاً بالمخاطر.
5. ضمور التدامج اللبناني الفلسطيني في نطاق الجوار الجغرافي، الذي كان يتخذ أشكالاً متعدّدة أبرزها الزيجات المشتركة، علاوة على العلائق المتبادلة التجارية والخدمية.
6. ظهور “الهُويَّة المجروحة”، والميل إلى إخفائها؛ فالمسيحيون الفلسطينيون المقيمون في الأحياء الشرقية من مدينة بيروت، أو في المناطق التي وقعت تحت سيطرة اليمين اللبناني، اضطرّوا، تحت وطأة الخوف، خصوصاً بعد تدمير جزء من مخيم ضبية، إلى إخفاء هُويَّاتهم، والانقطاع عن التواصل مع أقربائهم في المناطق الأخرى.
7. النزوع إلى الإحساس بالمظلومية. وظهر هذا لاحقاً حين عاد السكّان إلى جميع الأحياء التي هُجّروا منها بعد نهاية الحرب الأهلية مثل النبعة وبرج حمود والمسلخ والكرنتينا، ما عدا الفلسطينيين.
8. زيادة الاستقطاب العربي سياسياً وأمنياً إبّان الحرب، فالانخراط في الحرب تلزمه نفقات شتى مثل شراء الأسلحة والذخائر وتسليح الأفراد ودفع الرواتب لهم واستئجار مكاتب والإنفاق على التجهيزات الضرورية. وقد برع الليبيون والعراقيون في الدعم المالي لبعض الفصائل، الأمر الذي كان يضعف من مكانة منظّمة التحرير ويحاصر قراراتها.
9. الميل إلى الأسلمة وازدياد التطرّف الديني. فمنظّمة التحرير الفلسطينية وفصائلها الأساسية كانت ذات اتجاهات وطنية يسارية علمانية أو شبه علمانية. والمنظّمات ذات الأيديولوجيا الإسلامية لم تظهر في الأوساط الفلسطينية إلا بعد نحو ربع قرن من تأسيس منظّمة التحرير الفلسطينية (حركة الجهاد الإسلامي في 1985، وحركة حماس في 1987). وقد تأثّرت المخيّمات في لبنان بظهور الحركات السلفية الجهادية التي كشفتها الاشتباكات الدامية بين الجيش اللبناني ومجموعة بسام كنج (أبو عائشة) في جرود الضنّية في سنة 2000. وكانت “عصبة الأنصار” قد ظهرت في سنة 1991، ثمّ تبعتها “جند الشام” في سنة 2004. وتناسلت تلك الكائنات بسرعة، واتخذت هيئات وأسماء متعدّدة مثل “أنصار الله” و”الشباب المسلم” و”جند الله” و”كتائب عبد الله عزّام”. وتلك الكائنات أنزلت بالفلسطينيين وباللبنانيين أهوالاً ومصائبَ، وأذاقتهم مرارات لا تُعدّ.

أراد ياسر عرفات الاستفادة من وجوده في لبنان المفعم بالتناقضات من غير أن تنفجر تلك التناقضات في وجهه

المجال السياسي
لم تنخرط منظّمة التحرير الفلسطينية، بفصائلها المختلفة، جدّياً في الحرب الأهلية، إلا في أوائل سنة 1976، فقد أرغمتها تطوّرات الميدان العسكري وتحوّلاته على زجّ قواتها العسكرية في القتال بعد سقوط مخيّمي ضبية وجسر الباشا، وبعد سقوط بعض التجمّعات الفلسطينية في حي الكرنتينا وفي حي المسلخ اللبنانييَن، ثمّ بدء حصار مخيّم تلّ الزعتر. وكان ياسر عرفات يحاول جاهداً أن يتجنب الإنزلاق إلى الحرب الأهلية، لأنه كان يعرف جيداً المخاطر الكبيرة التي ستنجم عنها، ومنها انصراف دول العالم عن دعم قضية فلسطين، وغرق المنظّمات الفلسطينية في وحول الحرب الأهلية، والحيلولة دون تحقيق إنجازات سياسية في المجال الأممي بعد خطبته في الأمم المتحدة في 13/11/1974، وكذلك في الميدان العربي بعد اعتراف المؤتمر السابع للقمة العربية في الرباط في 26/10/1974 بمنظّمة التحرير الفلسطينية ممثّلاً شرعياً وحيداً للشعب الفلسطيني. وجهد عرفات كثيراً في تطمين اللبنانيين، وعلى الخصوص المسيحيين، إلى أنه لا يرغب في أيّ وطن بديل من فلسطين، وأنه لا يريد أن يكون حليفاً لأيّ طرف لبناني في مواجهة طرف آخر. ولهذه الغاية أقام علاقات مكشوفة مع الرئيس سليمان فرنجية، ثمّ مع كميل شمعون وبيار الجميّل وغيرهما من الأقطاب المسيحيين، وأقام أقنية سرّية وعلنية للتواصل مع هؤلاء جميعاً، وكلّف مًن يثق بهم لهذا الغرض أمثال علي سلامة (أبو حسن) ونزار عمّار (نزيه حلمي المباشر) وأبو الزعيم (عطا الله عطا الله)، فضلاً عن عدد من اللبنانيين الذين عملوا في خط التفاهم بين ياسر عرفات وقادة اليمين اللبناني. وعلى سبيل المثال، قرّر ياسر عرفات، بعد عملية اغتيال القادة الفلسطينيين الثلاثة في شارع فردان في بيروت (ليل 9-10/4/1973) أن يزور بيار الجميّل في منزله ليشكر له مشاركته في تشييع كمال ناصر وكمال عدوان ومحمد يوسف النجار. وبعد انتهاء الزيارة صعد إلى سيارة كريم بقرادوني، وطلب إليه التجوّل في منطقة الأشرفية. وحين رآه الناس راحوا يتجمّعون حوله، فيما انصرف هو إلى تحية المارة الذين نظروا إليه غير مصدّقين. ويقول الأباتي بولس نعمان الرئيس العام للرهبانية المارونية اللبنانية بعد لقاء مع ياسر عرفات في منزل حسيب صبّاغ في 15 يونيو 1975: “كان واضحاً لجميع الحاضرين أن الهمّ الأول لياسر عرفات التأكيد لنا أنْ لا رغبة لديه أبداً في محاربة أي طرف لبناني، لأن ذلك يشكّل إشغالاً غير مجدٍ للقضية الفلسطينية”4. أمّا الذين حضروا ذلك اللقاء فهم: وليد الخالدي وحسيب صباغ وهاني سلام والأباتي بطرس قزي وسميح العلمي والأباتي بولس نعمان وياسر عرفات وصلاح خلف.
كان عرفات يريد لبنان قاعدةً سياسية وإعلامية وعسكرية تمنحه أوراقاً قوية عندما يحين موعد تسوية القضية الفلسطينية، ولم يكن يرغب البتة في إشعال لبنان، لأن من شأن ذلك أن يخسره كثيراً من رصيده وأوراقه. ولم يكن يرغب قط في أن تتطوّر الحرب الأهلية، وهي في بداياتها، إلى حريق شامل. لذلك حين وصلت أول شحنة سلاح إلى كمال جنبلاط من ليبيا احتجزها ياسر عرفات، وراح تحت إلحاح جنبلاط واحتجاجه يسلمه السلاح دفعة وراء دفعة، والهدف كان السيطرة بقدر الإمكان على تطورات الميدان. وعندما صدرت الوثيقة الدستورية في 14/2/1976 رفضها كمال جنبلاط زعيم الحركة الوطنية اللبنانية، لأنها أدنى بكثير من طموحاته السياسية، وأدنى من تطلّعات اليسار اللبناني. أمّا ياسر عرفات، فتردّد في الموافقة عليها، لا لأنه معني بأنها جيّدة أم غير جيدة، بل لأنه كان يريد معرفة موقعه فيها وضمان استقلالية قراره السياسي؛ فهو يخشى سيطرة سورية على قراره. وفي جميع الأحوال لم يكن مطلوباً منه الموافقة عليها لأنها وثيقة خاصّة باللبنانيين، وبمستقبل النظام السياسي اللبناني، بل كان المطلوب منه عدم معارضتها واعتراضها.

تتطلع كمال جنبلاط إلى كسر المعادلة اللبنانية التي صيغت في 1943، وإلى إعادة بناء لبنان على أُسس جديدة تأخذ في الحسبان مطالب جنبلاط السياسية والاجتماعية

والمشهور أن كمال جنبلاط كان يتطلّع إلى كسر المعادلة اللبنانية التي صيغت في 1943، وإلى إعادة بناء لبنان على أُسس جديدة تأخذ في الحسبان مطالب جنبلاط السياسية والاجتماعية، وكذلك مطالب اليسار والقوى التقدمية اللبنانية. أمّا ياسر عرفات فكان يريد الاستفادة من وجوده في لبنان المفعم بالتناقضات المتعدّدة من غير أن تنفجر تلك التناقضات في وجهه. وكان يتطلّع، بعد حرب أكتوبر (1973)، وبعد خطبته في الأمم المتحدة في سنة 1974، إلى أن يحجز لنفسه مقعداً في المؤتمر الدولي للسلام الذي كان الحديث عنه آنذاك لا يتوقّف5. ولهذا راح يتقرّب من الأميركيين بأيّ وسيلة، وجعل علي حسن سلامة (أبو حسن) قناته السرّية إلى الأميركيين التي جرى اعتمادها بمعونة من مصطفى الزين6. بيد أن كمال جنبلاط كان في موقع مختلف؛ كان تحقيق شبه انتصار يتيح له تغيير المعادلة السياسية اللبنانية الراسخة. وفي أيّ حال لم يكن عرفات مقتنعاً بمشروع جنبلاط في شأن تغيير المعادلة اللبنانية، وتغيير نسب القوى في لبنان. لكن، هيهات لعرفات أن يتمكّن من تجنّب الحرب؛ فهنري كيسنجر كان يفكّر بطريقة مخالفة، وهو الذي شجع اليمين اللبناني على تفجير الحرب، ودعَمَها بوسائطه المعروفة: السلاح والسياسة والاستخبارات. ومن الأمثلة ذات الدلالة أن الرائد سامي الشدياق أخبر زميله جوني عبده أن جول البستاني كلّفه مراراً نقل مدفع هاون عيار 60 من حي إلى حي، وإطلاق القذائف منه كلّما جرى التوصل إلى هدنة بين فريقي القتال، والهدف هو إفشال أيّ هدنة أو أيّ وقف للنار7. والمعروف أن جول البستاني كان يأتمر بأوامر الاستخبارات الأميركية. أمّا سامي الشدياق فقد انضمّ إلى حزب الكتائب بعد تفكّك الجيش اللبناني، ثمّ التحق بقوات الرائد سعد حدّاد في جيش لبنان الجنوبي، الذي كانت إسرائيل تحرّكه وتشرف عليه، وعاش بعد ذلك في إسرائيل، فيما صار جوني عبده، ذو الأصل الفلسطيني (حنا عبيدو)، والمتحدّر من قرية آبل القمح، مديراً للمخابرات العسكرية اللبنانية، ثمّ سفيراً في فرنسا، ومرشّح رفيق الحريري لرئاسة الجمهورية اللبنانية.

هوامش


[1]  أنظر: صحيفة السفير اللبنانية، 28/10/1980.

[2]  لاحظ أحد المشرفين الألمان حين زار منزلاً لعائلة فلسطينية مهاجرة أن صورة ياسر عرفات كانت معلقة على الجدار، فسأل: كتبتم في طلب اللجوء أنكم هربتم من لبنان لأنكم لا توافقون على سياسة حركة فتح. لماذا إذاً تعلقون صورة ياسر عرفات في منزلكم؟

[3]  صقر أبو فخر، هجرة الشبيبة الفلسطينية إلى ألمانيا الاتحادية، مجلة “جبل الزيتون”، العدد الثاني، تشرين الأول/ أكتوبر 1981، ص 33-38.

[4]  أنظر: مذكرات الأباتي بولس نعمان، إعداد أنطوان سعد، بيروت: دار سائر المشرق، 2009، ص 77.

[5]  راجع: صقر أبو فخر، الحرب الأهلية اللبنانية: لماذا اندلعت ومتى بدأت؟ بيروت – عمان: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2025.

[6]  مصطفى الزين شاب لبناني كان قريباً من حركة القوميين العرب، وانتخب في سنة 1964 عضواً في اللجنة التنفيذية لمنظمة الطلبة العرب في الولايات المتحدة الأميركية، وهو الذي عقد لقاء تعارفياً بين روبرت إيمز وأبو حسن سلامة في مقهى ستراند في بيروت. وكان مصطفى الزين تعرّف إلى أبو حسن سلامة في القاهرة في سنة 1964، وصارا صديقين منذ ذلك اللقاء. وقد قُتل روبرت إيمز في حادثة تفجير السفارة الأميركية في بيروت في 18/4/1983. راجع: كاي بيرد، الجاسوس النبيل: حياة روبرت إيمز وموته، بيروت: الدار العربية للعلوم، 2015

[7]  راجع: نقولا ناصيف، المكتب الثاني، حاكم في الظل، بيروت: دار مختارات، 2005، ص 569.

عن العربي الجديد

About The Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *