الجمهور الإسرائيلي منهك، لكن إيران هي من ستقرر مدة المواجهة

يستعدون في المؤسسة الأمنية الإسرائيلية لاستمرار المواجهة مع إيران لبضعة أيام أخرى، ويأملون أن لا تتطور إلى حرب استنزاف طويلة. هذا الصباح، نجحت أنظمة الدفاع الجوي التابعة للجيش الإسرائيلي والأردن والولايات المتحدة في اعتراض جميع الطائرات المسيرة التي اطلقتها إيران من أراضيها ومن العراق، ردًا على الهجوم الإسرائيلي.
مع ذلك، فإنهم في المؤسسة الامنية مقتنعين أيضًا بأنه من المتوقع أن تُحاول إيران إطلاق المزيد من الطائرات المسيرة والصواريخ الباليستية. على أي حال، من الصعب اليوم الحديث عما تفكر فيه إسرائيل . الجيش الإسرائيلي والموساد مهتمان بإنهاء هذا الحدث في أسرع وقت ممكن . لكن يبدو أن رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو يسعى جاهدًا لمواصلة الحرب، لنفس الأسباب الشخصية والسياسية التي تدفعه لمواصلة الحرب في غزة.
على أي حال، ستُحدد إيران ما إذا كانت الضربة الافتتاحية الناجحة، عملية ” شعب كالأسد “، ستنتهي كما يريد الجيش الإسرائيلي. من الجدير بالذكر أن الإيرانيين، المعروفين بعنادهم ، والذين يعتبرون أنفسهم تاريخيًا مظلومين في الأرض، معتادون على الحروب الطويلة والمرهقة . على سبيل المثال، الحرب التي فرضها عليهم صدام حسين، حاكم العراق، الذي كان يأمل في جولة قصيرة، ولكن لدهشته علق بمواجهة دامت ثماني سنوات ، وراح ضحيتها نحو مليون شخص من كلا الجانبين.
لم يصدق معظم المعلقين – صحفيين وأعضاء كنيست ذوي خبرة وخبراء في المؤسسة الامنية – أن رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو سيأمر بشن الهجوم هذه المرة، رغم أنه طرح الفكرة منذ عام 2009 ، وأعد خططًا بالتعاون مع “المؤسسة الأمنية ” . حتى الآن، كان دائمًا يتراجع في اللحظة الأخيرة أو كانت تثنيه عنه الإدارة الأمريكية .
في الوقت نفسه، كان تقدير معظمنا أنه إذا قرر نتنياهو الهجوم، فسيتعين عليه القيام بذلك بعد تنسيق مسبق مع الولايات المتحدة. لم يكن هناك شكٌّ في أن الإدارة الأمريكية، على أي حال، ستساعد إسرائيل في توفير المعلومات الاستخبارية لتحسين القدرات العملياتية للجيش الإسرائيلي والموساد. إلا أن ما لم يتضح من آخر التصريحات الأمريكية الرسمية هو ما إذا كانت الولايات المتحدة تعارض الهجوم الإسرائيلي حقًا، أم أنها اختلقت عرض صورة زائفة، مما ساعد إسرائيل أيضًا على خلق غموض أحاط بهجوم الليلة .
سواءً أكان ذلك غموضًا أم لا، توقعت إيران مثل هذا الهجوم، بل وهددت أمس بأنها ستشن ضربة استباقية إذا لاحظت اقتراب موعد الهجوم الإسرائيلي . وذكرت شبكة فوكس أن إسرائيل نفذت تمرينًا مخادعًا أدى إلى وصول كبار مسؤولي سلاح الجو الإيراني ليلًا إلى غرفة عمليات عسكرية تحت الأرض حيث تمت مهاجمتهم فيها .
وبعد ان حدث ماحدث، يمكن تقدير أن تصريحات ترامب كانت جزءًا من خطة الخداع الإسرائيلية لمفاجأة إيران. وصرح الرئيس الأمريكي بأن بلاده لم تكن مشاركة في الهجوم، ولكن يمكن الافتراض بيقين كبير أنه أعطى الضوء الأخضر لنتنياهو، الذي تحدث معه عدة مرات في الأيام الأخيرة، من أجل تحسين التنسيق قبل العملية . يُشبه هذا الأمر الضوء الأخضر الذي منحته إدارة الرئيس ليندون جونسون لإسرائيل قبل أيام قليلة من شنّ الجيش الإسرائيلي وسلاح الجو الإسرائيلي حربًا على مصر في يونيو/حزيران 1967.
من الواضح أن الجهود الاستخباراتية من جانب الموساد وجهاز الاستخبارات العسكرية، بمساعدة الاستخبارات الأمريكية، مثيرة للإعجاب وتستحق التقدير . فقد عمل الموساد لسنوات على إنشاء بنية تحتية من العملاء والمساعدين والشقق السرية والورش والمركبات والوثائق والقصص السرية ، إلى جانب تطوير وسائل تكنولوجية حديثة سمحت له بإطلاق طائرات مسيرة متفجرة من الأراضي الإيرانية نفسها. وهذه لم تكن المرة الأولى ، فقبل ثلاث سنوات ، تم تدمير طائرات مسيرة إيرانية بواسطة طائرات مسيرة إسرائيلية أُطلقت من الأراضي الايرانية .
ينضم هذا الإنجاز الاستخباراتي إلى إنجاز عملياتي مبهر تمثل في اغتيال رئيس أركان الجيش الإيراني وكبار اخرين في جيشه، بمن فيهم قائد سلاح الجو وقائد الحرس الثوري وعلماء نوويون، والذين سيضرّ مقتلهم بإعادة بناء المنظومة التي تم قُصفها .
إن مقتل مسؤولين كبار يشكل ضربة قاسية ليس فقط من الناحية الأخلاقية والنفسية، بل سيكون له تأثير على المدى القصير أيضاً، إلى أن يتولى خلفاؤهم، الذين تم تعيينهم على الفور كنوع من التحدي لإسرائيل وإشارة إلى استمرارية القيادة، مناصبهم.
اعترفت إيران بالفعل باستهداف موقع نطنز لتخصيب اليورانيوم. هذا الموقع هو المركز الرئيسي ، القلب النابض للبرنامج النووي الإيراني، الذي يحوي حوالي عشرين ألف جهاز طرد مركزي على عمق عشرين مترًا تقريبًا في باطن الأرض، لتخصيب اليورانيوم. لكن السؤال المحوري هو ما إذا كان سلاح الجو قد نجح أيضًا في قصف موقع فوردو الثاني، الأصغر، لتخصيب اليورانيوم، بالقرب من مدينة قم المقدسة لدى الشيعة، والذي كان مقر إقامة مؤسس الجمهورية الإسلامية الخميني . هذا موقع صغير، محصن على سفح جبل على عمق 40 ويحوي عدة آلاف من أجهزة الطرد المركزي من الطرازات المتقدمة . أعلنت إيران أن فوردو لم يتضرر ، لكن علينا انتظار بيان من إسرائيل والوكالة الدولية للطاقة الذرية، التي يُفترض أنها تشرف على الموقع.
ووفقًا لتقارير الجيش الإسرائيلي، فقد دُمرت أيضًا مستودعات ومواقع لبرنامج الصواريخ للجمهورية الإسلامية . في الأيام المقبلة، سنعرف مدى نجاح العملية حقًا، وكم من الوقت أعادت البرنامج النووي الإيراني إلى الوراء .
أمام إيران الآن عدة خيارات. في المرحلة الأولى، أعلنت أنها لن تشارك في جولة المحادثات المقررة يوم الأحد في عُمان بين مبعوث ترامب ستيف ويتكوف ووزير الخارجية الإيراني عراقجي . وقد تذهب بعيدا إلى حدّ إعلان انسحابها من معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية ، كما فعلت كوريا الشمالية آنذاك . وقد تقرر تخصيب اليورانيوم من مستواه الحالي البالغ 60% إلى 90%، أي إلى مادة انشطارية صالحة لصنع قنبلة . كما قد تعلن أنها ستعمل على تركيب قنابل نووية ، وهي عملية قد تستغرق من عدة أشهر إلى عام ، بما في ذلك تركيبها على صواريخ يتم أطلاقها من على منصات إطلاق.
خيار آخر متاح لها هو إطلاق صواريخ على المملكة العربية السعودية ودول الخليج كعقاب وانتقام على علاقاتها مع إسرائيل والولايات المتحدة ، ودفع ترامب ، رغماً عنه، إلى إشراك جيشه بشكل مباشر في صراع عسكري. لكن الأهم من ذلك كله، يجب طرح السؤال: هل كانت إيران قريبة جدًا من امتلاك القنبلة، كما يزعم نتنياهو وكاتس، ولم يكن أمامهم من خيار سوى جر قادة الجيش الإسرائيلي ورائهم ، أم أنه كان من الممكن تجنب الخطوة العسكرية وانتظار توصل الولايات المتحدة وإيران إلى اتفاق دبلوماسي ؟ قال ترامب نفسه إن الجانبين اقتربا كثيرًا من الأتفاق . لكن هذه المسألة أصبحت الأن من الماضي.
الآن، على الجمهور الإسرائيلي، الذي تعب من حرب غزة والأزمة السياسية والانقسام في البلاد، أن يتعامل مع قرار الحكومة، بكل تداعياته الاقتصادية والاجتماعية والنفسية . ليس هناك يقين من أنه عندما ينقشع غبار النشوة الناجمة عن النجاحات العسكرية، ذات الطابع التكتيكي والعملي، ستُترجم إلى إنجاز استراتيجي يضمن وجود إسرائيل للعيش في أمان نسبي، أو ما إذا كانت هذه الخطوة في إيران ستحول إسرائيل إلى دولة ستستمر في العيش إلى الأبد وسيفها بيدها .
المصدر: هآرتس