التّحرر من الاستعمار العقلي: دراسة حالة فلسطين

مقدمة
إنّ أقوى سلاح في يد الظالم هو عقل المظلوم . حرّر عقلك والباقي سيتبع . هذا ما قاله ستيف بيكو من حركة الحقوق المدنية في الخمسينيات . يجادل فانون في كتابه معذبوا الأرض أنه خلال فترة الاستعمار ، تطوّر علم الأمراض العقليّة الدقيق والمستمر داخل النفس الاستعماريّة ومحاولات إصابة المستعمر (Fanon ، 1968). يريد المستعمرون بناء ثقافةٍ جديدة تستبعد السكان الأصلييّن والثقافات القديمة المرتبطة بهم ، بينما يريد السكان الأصليون في نفس الوقت الحفاظ على ما لديهم ، أو إعادة بناء الحياة التي دمّرها المستعمرون (Morris et al. ، 2015).

يُعرَّف الاحتلال العقلي الاستعماري بأنه تصوّر الدونية العرقية والثقافية ، وهو شكلٌ من أشكال الاضطهاد العنصري الداخلي ( 2009 Dascal  2014Decenal)   .يُظهر Stoler (2010) و Sternhell (1997) إنّ المستعمرين كانوا دائمًا مهووسين بجمع المعلومات ، وتشكيل الأفكار ، وبشكل عام امتلاك “السيطرة” على السكان الأصلييّن بطريقة تؤكّد هيمنتهم ومفاهيم التفوق .يبدأ الاستعمار العقلي باللغة التي تشكّل عقول المستعمِرين والمستعمَرين ، وقد أطلق Tsuda (2013) على هذا “استعمار الوعي”. وهذه تقنية استعمارية شائعة للاستيعاب النفسي أو الجسدي ، وتؤدي إلى تنافر نفسي تقريبًا (Stoler ، 2010). مهمتنا اذا ضخمة أثناء الاستعمار وبعده ، وهي لا تقل عن “إزالة استعمار العقل” (Wa Thiong’o ، 1992 ، 1998). هذا ما يفسّر تفضيل الأطفال السود اللعب بالدمى البيضاء خلال حقبة قوانين جيم كرو (كلارك وكلارك ، 1950 ؛ انظر أيضًا جوبول-مكنيكول ، 1988).
ولهذا السبب نجد الفلسطينيّين يعملون في الأسواق الإسرائيلية كعمالة بالسخرة (Farsakh ، 2002) . وأولئك الذين يقولون إنّ المنتجات والأنظمة الإسرائيلية أفضل من أي شيء يمكن أن يبتكروه : إنه شكل من أشكال الهزيمة الداخلية  ( (Ganim 2001.
بعد الاستعمار  نشأت علاقة نفسيّة مؤلمة بين المستعمِرين والمستعمَرين تؤدي إلى “التأثير العميق على وجهاتِ نظرهم حول العالم ،والشعوب الأخرى ، وأنفسهم (2012Licata) ” مسببة ضررًا كبيرًا (Tunteng1974).. في أفريقيا ، على سبيل المثال ، حتى بعد انتهاء الاستعمار ، بقيت الآثار التي بدت على أنها ” فرح وتوقعات متنامية للمستقبل ، سرعان ما أفسحت المجال لخيبة الأمل واليأس ، لأنّ الاستعمار ترك وراءه إرثًا دائمًا ، ليس فقط الموروثات السياسيّة والاقتصاديّة ، ولكن أيضًا الثقافيّة والفكريّة والاجتماعيّة. هذه الموروثات – التي تحافظ على بقاء الهيمنة الأوروبية’ (” ، Bulhan 2015: 240. وكل هذه المتغيرات مفهومة جيدًا الآن في سياقات استعمارية أخرى . ومع ذلك ، فإنّ فلسطين تقع في قلب النضال ضد الاستعمار الأخير الذي لم يتم حلّه على المدى الطويل .ولكن أيضا لم يتم إنجاز سوى القليل من العمل بشأن قضايا الاستعمار العقلي . ويرجع ذلك جزئيًا إلى حذف فلسطين من معظم أبحاث أدب ما بعد الاستعمار (Said ، 1985 ، 1989 ، 2012’ Mignolo ، 1993 ؛ Loshitzky، 2013).
طبعا لا يمكننا معالجةَ العديد من جوانب الاستعمار العقلي في عجالة لذلك سنركز على قضايا مقاومة الاستعمار العقلي ونستعرض مستقبل التحولات الاجتماعيّة ما بعد الاستعمار . سوف نتتبع تكتيكاتِ واستراتيجياتِ وتفاعلات هؤلاء المستعمرين بالإضافة إلى مجموعةٍ متنوعةٍ من ردود أفعال السكان الأصليّين المستعمَرين

الحالة الفلسطينية

تحتل فلسطين موقعًا استراتيجيًا يربط بين قارتي إفريقيا وآسيا ، ووفّرت بلادنا طريق التوسع البشري خارج إفريقيا . وفلسطين أيضًا جزء من الهلال الخصيب حيث طوّر البشر الزراعة لأول مرة واستقروا لأوّل مرة في المدن . أتى غزاة مختلفون إلى فلسطين ورحلوا ، لكن حدث تطهيرٌ عرقيٌّ واسعُ النطاق من قبل الغزاة المستعمرين فقط في القرن العشرين (على الرغم من أساطير  الكتب السماوية).
كانت هذه العملية للتطهيرٌ العرقيٌّ ضروريةً لإنشاءِ دولةٍ يهوديّة (Pappe 2006) . ومع أن 7.5 مليون فلسطيني هم لاجئون أو نازحون ،فإن أكثر من 6 ملايين ما يزالون في فلسطين التاريخيّة . ولمواصلة إخضاع هؤلاء الفلسطينيّين ، تمت هيكلة برنامج دقيق للاحتلال العقلي ، من شأنه أن يضمن هيمنةً طويلةَ الأمد على الفلسطينيّين الباقين في وطنهم ، الذين يتم عزلهُم بشكل متزايد في الأحياء الفقيرة ( 2012 ( Said.وإلى جانب ذلك ، كانت هناك محاولةٌ فريدةٌ لفبركة تاريخ وأساطير سمحت للمستعمرين أن يعتبروا أنفسَهم مختلفين إلى حد ما عن سائر المستعمرين الآخرين)  2001 Kimmerling ؛ Sand 2009 2012.(

وهكذا نشأ وضعٌ فريد خلال العقدين الماضيين يتميز بما يلي
1-البيروقراطيون الفلسطينيون يديرون (تقريبًا) مناطق تتمتع بالحكم الذاتي ، ولكن وظيفتهم الأساسية هي تأمين إدامة الوضع الراهن للاحتلال (Said 1995(
2-مجتمع دولي مُجبر على الإيمان بـ “مفاوضات ثنائية” لا نهاية لها بين المستعمرِين والمستعمَرين ، والالتزام بـ “حل” أسطوري لـ “دولتين” (انظر Qumsiyeh ، 2004(
3- تنامي سرقة الأراضي والموارد الطبيعيّة من السكان الأصليّين .
4- ترسيخ مفاهيم السيادة اليهوديّة الإسرائيليّة مع إفلات إسرائيل من الخضوع للقانون الدولي ، بالتوازي مع استبطان الهزيمة والعجز لدى العديد من الفلسطينيّين .

بعد التطهير العرقي الكبير ، ولكن غير المكتمل Masalha)  1992  Pappe 2006 ،( الواقع القائم حاليا يشمل حوالي 7.5 مليون من أصل 13 مليون فلسطيني لاجئون أو نازحون . وفي فلسطين التاريخية (الانتدابية) ، هناك 12.4 مليون شخص ، 51٪ منهم فلسطينيون (مسيحيون ومسلمون) و 49٪ من اليهود الإسرائيليّين . يستخدم السكان اليهود الاسرائيليون (معظمهم من المهاجرين) 91.7 في المائة من الأرض ، تاركين للفلسطينيين 8.3 في المائة فقط من الأرض. ومع ذلك ، لا يمكن أن يكون هذا الوضع مستدامًا ؛ لأنه لا يوفر أي حل للوضع الاستعماري . تنتهي المواقف الاستعمارية بواحد من ثلاثة سيناريوهات محتملة:
1- النموذج الجزائري حيث يغادر المستعمرون وذريتهم .
2–النموذج الاسترالي والأمريكي للإبادة الجماعية للسكان الأصليّين
3-نموذج التعايش الموجود في معظم البلدان الأخرى (أمريكا اللاتينية ، وسط أمريكا ، كندا ، جنوب شرق آسيا ، جنوب إفريقيا ، إلخ).

إنّ مهمتنا ، أثناء الضغط من أجل السيناريو الثالث هي قول الحقيقة ، ومقاومة الاستعمار الفعلي والعقلي. على وجه الخصوص ، يجب أن نفهم طيف الأساطير والدعاية وهياكل السلطة التي تحيط بنا لضمان عدم فقدان الثقة في مستقبل أفضل والاستسلام لمحاولات إجبارنا على قبول وضع أدنى (Ganim، 2001؛ Dabbagh  2005 ؛ Abdelnour 2010 ؛ Meari 2015). لكن هذا يستلزم أيضًا تحرير الإسرائيليّين من الاستعمار العقلي لكونهم مُستعمِرين مؤهّلين للاعتقاد في الأساطير ، بما في ذلك أساطير التفوق ، والتاريخ المخترع الذي يبرر قمع الفلسطينيين الأصليّين ، (Weizman ، 2007 ؛ Peled-Elhanan ، 2008 ، 2012 ؛ Sand ، 2009 ، 2012 ؛ Ra’ad ، 2010 ؛ Whitelam ، 2013 ؛ Halper ، 2016). والتّاريخ  يقول لنا   أنّه بينما عاشت أكثر من 100 دولة خلال فترة الاستعمار ، وانتقلت إلى فترة ما بعد الاستعمار ، تظل فلسطين هي الاستثناء .

يكمن جزء من المشكلة أيضًا في أن دراسات ما بعد الاستعمار ، تجاهلت على الدوام فلسطين ، وهذا ضار في هذا المجال (2018 Moore-Gilbert) . ومنذ إنشاء أول مستعمرة صهيونيّة في عام 1880 عن طريق جمعية الاستعمار اليهودية ، ظل الصراع قضية رئيسيّة ليس فقط محليًا في غرب آسيا ولكن أيضًا على الصعيد العالمي لأن المشروع الصهيوني اعتمد بشكل كبير على الدعم الغربي . بالمقابل أظهرت العديد من الدراسات أن الفلسطينييّن يتمتعون بالمرونة نفسها التي تمتع بها سكان جنوب إفريقيا تحت حكم الفصل العنصري الاستعماري واي شعب اخر Andoni) 2001؛ King، 2007؛ Qumsiyeh 2012 2017b
قد يكون الوضع في جنوب إفريقيا عبرة لأنه ما يزال يخضع لعملية إنهاء الاستعمار حتى يومنا هذا 2016 Ramantswana   طبعا تواجه فلسطين تحدياتٍ أكبر بكثير من جنوب إفريقيا ، بما في ذلك لوبي صهيوني على مستوى عالمي ، وموارد ماليّة ضخمة متاحة للمستعمرين ، وطول الفترة التي يستمر فيها الاستعمار . لذا يجدر بنا  التفكير في تاريخ المقاومة من زاوية المقاومة العقلية .

الاستعمار قبل 1948
حاولت الحركة الصهيونيّة التعاون مع الإمبراطورية العثمانيّة في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين لكنها فشلت في ذلك . كان عليها أن تنتظر ترتيبات سايكس – بيكو في عام 1916 ووعد بلفور (المملكة المتحدة) وكامبون (فرنسا) في عام 1917 وبدء تنفيذها في عام 1921 في مؤتمر سان ريمو ، وتكريس الانتداب البريطاني في فلسطين . (Qumsiyeh ، 2004). وتبع ذلك جهد رئيسي لتغيير النظم التعليمية ، وخلق قوانين الفصل العنصري مباشرة ، بعد أن عين المحتلون البريطانيون هربرت صموئيل كأول مفوَّض سام بريطاني لفلسطين .قبل ذلك بقليل ، كان صموئيل ممثل المنظمة الصهيونية العالمية (WZO) في مؤتمر باريس عام 1919. علاوة على ذلك ، فهو الشخص الذي فصل المدارس العامة وأعطى الصهيونية حق التحكم في المدارس اليهودية ومكّن المجتمعات الصهيونية المحلية من الاستيلاء على الموارد الطبيعية للبلاد ، بما في ذلك معادن البحر الميت .

من عام 1921 إلى عام 1948 ، عمل البريطانيون مع المنظمة الصهيونيّة العالميّة والحكومات العربيّة المتعاونة على حد سواء ، لتنفيذ وعد بلفور ، الذي عجل بثلاث انتفاضات في تلك السنوات (1921 ، 1929 ، 1936 ؛ انظر Qumsiyeh ، 2012).بين عام 1917 ونهاية الثورة الكبرى / من عام 1936 إلى عام 1939 / ، أنشأت الحكومة البريطانيّة برامج “الاستعمار البديل” من خلال التعاون مع المنظمة الصهيونيّة العالميّة والعاهل الأردني (Atran ، 1989).وكانت السياسة البريطانية لتطوير مجموعة سكانية بديلة لكن متحررة من الاستعمار العقلي .
لقد أوضح ونستون تشرشل بشكل جلي تأجيل السيادة في عام 1921: “خطوة بخطوة سنطوّر مؤسسات تمثيلية تؤدي إلى حكم ذاتي كامل … [لكن] أطفال أطفالنا سوف يموتون قبل أن يتحقق ذلك” (Klieman ، 1970: 272).
وقد لخّص Atran مرتكزات السياسات البريطانية في هذه الفترة (1989: 737): بالحفاظ على النظام البيروقراطي الزراعي للفلاح المطلوب تعديله بما يكفي لجعله قابلا للسيطرة الإداريّة والماليّة. وكان التغيير الذي حدث هائلاً . من خلال فرض نظام تسويات الأراضي شجّع البريطانيون تجزئة ونزع ملكية الأراضي ، واعادة التموضع الاجتماعي والتضييق ، وأدى ذلك الى اضطرار المتبقين. للعمل في المدن مع مواصلة العيش في القرى  لأنهم لا يستطيعون تحمل تكاليف العيش في المدن.

قبل الاحتلال البريطاني من عام 1918 إلى عام 1948 ، نجحت المقاومة الفلسطينيّة مع الإمبراطورية العثمانية في وقف دعمها للصهيونية. ومع ذلك فقد حققنا نجاحًا محدودًا مع الاحتلال البريطاني عبر الانتفاضات الثلاث (1921 و 1929 و 1936) (َQumsiyeh ، 2012). حصل الإحباط النفسي بسبب تواطؤ القيادة العربيّة مع الصهيونية الذي يعود إلى عهد وايزمان-فيصل ، ويمتد إلى اتفاقيات عبد الله – جولدا مئير (انظر Shlaim ، 1988). هناك الكثير من ما يجب دراسته حول التأثير النفسي والاجتماعي في تلك الفترة لتحديد إلى أي مدى كان الاحتلال العقلي والاستيعاب الداخلي لمفاهيم سياسة القوة مهمينًا وأثر في الحد من المقاومة الميدانية .

الاستعمار بعد 1948

تطوّرت إسرائيل بعد عام 1948 لأنّ النكبة والتطهير العرقي أسفرا عن تدمير 530 قرية وبلدة فلسطينية . بقي نحو 150 ألف فلسطيني فقط رغم كل الصعاب ويبلغ عددهم الآن حوالي 1.6 مليون فلسطيني .  الطريقة التي تعاملت بها إسرائيل مع “الأقليّة” المتبقية هي تهميشهم ووضع قوانين تمييز ضدهم في كل مجالات الحياة . ويستمر المجتمع الصهيوني في التعامل معهم على أنهم “الآخر” المرتبط بما يسمى “المجتمع الحدودي” في الهياكل الاستعمارية (Peled & Shafir ، 1996).
إنّ الفكرة القائلة بأن إسرائيل هي دولة “الشعب اليهودي” وأن الشعب اليهودي هو الوحيد الذي يحقُّ له تقرير المصير في دولة إسرائيل ، منصوص عليه فعليًا في قانون الكنيست الأخير . العنصرية في اسرائيل متفشية في السياسات المؤسساتيّة ، والمواقف الشخصيّة ، والإعلام ، والتعليم ، وحق الهجرة ، والإسكان ، والحياة الاجتماعيّة والسياسات القانونية وكل أوجه الحياة.  العنصرية ايضا داخل المجتمع اليهودي بين اليهود الإسرائيليين الأشكناز تجاه اليهود من خلفيات أخرى ، بما في ذلك اليهود الإثيوبيين واليهود الهنود واليهود الشرقيين واليهود السفارديم . كانت الضغوط على الفلسطينيين المتبقين شكلاً من أشكال الاستعمار الداخلي ( Zureik ، 1979) ولم تمنح مساحة كبيرة للتعبير عن الذات ، على الرغم من وجود قصص مذهلة عن الأمل والتمكين داخل هذا المجتمع (Qumsiyeh ، 2012). وكان على الفلسطينيّين الذين بقَوْا في المناطق المحتلة عام 1948 ، وكذلك فلسطيني المناطق المحتلة عام 1967 ، الاعتماد على أنفسهم في مواجهة التواطؤ العالمي والعربي.

 إنّ  النظام التعليمي المطبق في إسرائيل  يعمل على محو وتشويه التاريخ الفلسطيني وحتى الجغرافيا (Ben-Ze’ev ، 2015) ، وتعلّم الكتب المدرسية الإسرائيلية الأطفال التفكير في “اليهود” على أنهم متفوقون على “العرب” ، وتجرّد الفلسطينيين من إنسانيتهم ​​من نواح كثيرة (Peled-Elhanan ، 2008 ، 2012). يستخدم الفلسطينيون أحيانًا مصطلحات وتعابير تشير إلى التأثير العقلي للمستعمر ، مثلا عندما يقولون إن “الإسرائيليين يستحقون الأرض أكثر منا لأنهم يحافظون على المكان أكثر نظافة وحداثة وتطورًا”. ويبدأ الفلسطينيون في استخدام كلمات باللغة العبرية ، مثل رمزون (الاشارة الضوئية) ومحسوم (الحاجز) ، ويستخدمون تعبيرات مثل “عرب إسرائيل” أو “عرب 1948 ” للإشارة إلى الفلسطينيين الذين ما زالوا يعيشون داخل الخط الأخضر ، وكأن فلسطين غير موجودة،.
تطوّرت المنظمات المجتمعيّة الشعبية مثل النقابات النسائيّة والعماليّة والتجاريّة ولجان المقاومة بعد فترة وجيزة من صدمة النكبة ،  وقدّمت هذه المنظمات الدعم الاجتماعي والنفسي المطلوب لضحايا الاضطهاد الاستعماري الإسرائيلي )، Hiltermann 1991 ؛ Qumsiyeh ، 2012) . نلاحظ بفخر كيف كانت الحركات النسائيّة الشعبية المنظمة مهمة في الحفاظ على التماسك الاجتماعي، والتكيف الاجتماعية خلال سنوات الانتفاضة الصعبة منذ 1987،Sosebee 1990) (

عندما شعر  البعض أنّ القضية الفلسطينية قد تلاشت من جداول الأعمال العربيّة والعالميّة بحلول عام 1986/1987 ، أعادها المجتمع المدني الفلسطيني إلى جدول الأعمال مرة أخرى من خلال انتفاضة الحجارة التي اندلعت في أكتوبر 1987. لم تكن هذه الانتفاضة الأولى ولكن كانت هناك غيرها سبقوها (Qumsiyeh ، 2012). ومع ذلك ، ساد شعور باختلاف هذه الانتفاضة عن سابقاتها ، وبالنسبة للجماهير التي انخرطت بها ، كان يُنظر إليها على أنها ربما التغيير الأخير الذي من شأنه أن يطيح مرة واحدة وإلى الأبد بالحكم الاستعماري . قدمت الانتفاضة أيضًا مثالًا جيدًا للنجاح في تحدي الاستعمار العقلي . تم حشد المنظمات والمجموعات والجمعيّات التي تم إنشاؤها بين الاعوام 1967 و 1987 ، وكان المجتمع بأكمله يعجُّ بالنشاط ، وتضمّن ذلك برامج تتراوح من الاكتفاء الذاتي إلى العمل المباشر والعصيان المدني.
وللحصول على ملخّصٍ جيد لعمل المجتمع المدني في هذه الفترة ، انظر 2007 King) ). التكلفة التي تحملتها إسرائيل من حيث الدعم الدولي والتأثير على الاقتصاد الإسرائيلي كانت عالية  (Rosen،       1991)  لم يتم إنقاذ إسرائيل إلا من خلال اللوبي  الصهيوني الذي شجّع شن حروب جديدة في الشرق الأوسط ما حرف الأنظار عن مأزق الإنتفاضة  (Mearsheimer and Walt ، 2006) . عندما وقع صدام حسين في الفخ الذي نُصب له في الكويت فكان قرار تدمير لعراق  بعد ذلك مباشرة لخدمة إسرائيل وجذبت الحرب اهتمام وسائل الإعلام بعيدا عن القمع الإسرائيلي للانتفاضة .

في عامي 1991 و 1992 ، عقدت حكومة الولايات المتحدة – بدعم من المجتمع الدولي – اجتماعات “السلام” في مدريد ، التي كادت برغم  المؤامرات أن تنجح في جني ثمار الانتفاضة كاملة ،لكن إسرائيل انتقلت إلى مفاوضات سريّة مع منظمة التحرير الفلسطينية المهمشة التي سيطر  عليها عرفات  وحاشيته مثل أبو مازن  بعد اغتيال شرفائها مثل أبو جهاد . ما حصل هو قبول الفتات (الإعتراف بالمنظمة) مقابل  خسارة الكثير: تقويض حق العوده والقبول بمفاوضات قد تقود إلى دويلة على 22% من أرض فلسطين. راضية عن حصاد القليل من الثمار “المنخفضة” (انظر Said ، 1995).  قلّة من الفلسطينيين كلّفوا أنفسهم عناء قراءة الاتفاقيات (إعلان المبادئ ، أوسلو 1 ، وأوسلو 2 بشكل خاص) . وتتبخر أحلام “حل الدولتين” وما هي إلا حيلة دعائية بدأها بن غوريون في عشرينيات القرن الماضي ، حيث كانت الخطة الإسرائيلية واضحة للعيان. (Qumsiyeh ، 2012).

في ظل السلطة الفلسطينيّة بعد أوسلو 1993 ، تم حل العديد من المنظمات الشعبية  واستعيض عنها بعصر المنظمات غير الحكوميّة / NGOs/ و تم انشاء النظام الحكومي البيروقراطي مصحوبا بفساد متفشي .عندما اندلعت انتفاضة عام 2000 ، كان شعبنا قد غدا يتيما ومهمشا  ولم يكن لدى شباب الإنتفاضة شبكة دعم  كما كان الحال في انتفاضة 1987 إلى 1991 (Makkawi ، 2009).
شهد عصر أوسلو تدميرا نفسيا ممنهجا (انظر Haj-Yahia، 2007 ؛ Makkawi ، 2009).
منذ عام 1993 ، أعادتنا فترة أوسلو إلى استعمار عقلي أسوأ مما كان عليه قبل عام 1967 ، لكن هذا لا يعني أنه لم يتم تعلم الدروس (انظر Qumsiyeh ، 2017 أ ، 2017 ب).

اليوم لا يزال معظم الفلسطينيّين يتذكّرون بشوق وإعجاب جيل الحجارة من 1987 إلى 1991 ، وهو جيل تحدّى ونجح في تحدي ليس فقط الاحتلال المادي ولكن الاحتلال العقلي. يطمح الكثيرون إلى إعادة خلق مثل هذه الظروف لإعادة إنتاج هذه التجربة الفريدة في المقاومة الفلسطينية (Andoni ، 2001 ؛ King ، 2007 ؛ Qumsiyeh ، 2012). والعائق الأكبر أمام ذلك هو الاستعمار العقلي ، خاصة بعد عملية أوسلو .

التحرر من الاستعمار العقلي

مشكلتنا الرئيسية في التحرر من الاستعمار العقلي هي مساهمة عملية أوسلو . كما أوضح Meari 2015: 77( الهدف من اتفاقيات أوسلو هو تغيير العلاقات الاستعماريّة المناهضة للاستعمار مع الحفاظ على ظروف الهيمنة الاستعماريّة أي أن تكون إطارًا لـ “التعايش” المستقبلي بين الفلسطينيين والإسرائيليين في ظل استمرار وتكثيف الاستعمار والهيمنة والسلب. وقد وجّه هذا ضربة قاصمة لثقافة المقاومة والصمود. أدى  الاتفاق إلى ما كان متوقعا منه: التنسيق الأمني ​​مع إسرائيل (Weizman ، 2007 ؛ Umbreti ، 2016) ، المحسوبية والفساد (Abdelnour ، 2010 ؛ Nakhlah ، 2012) ، والانقسام بين حماس وفتح (Qumsiyeh 2012) .
هنالك حاجة الى مزيد من الجهود لمحاربة هذه  الظواهر ويبدأ العمل بالمقاومة الشعبية (Qumsiyeh ، 2015) وحركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات (BDS) الناشئة (Qumsiyeh ، 2017 أ).

كانت المواجهة الفلسطينيّة مع الصهيونيّة اصطدم فيها السكان الأصليون مع استعمار منظم قوي  يحظى بدعم كبير من المنظمة الصهيونيّة العالمية وقوى دولية أخرىزد على ذلك غدر القضية من القيادات الرجعية في العالم العربي بما فيها فلسطين . كان الفلسطينيّون المحليُّون في الغالب فلاحين لا يعرفون سوى القليل عن مكائد القوة . وواجه تثقيف المواطنين أو تحدي عملية الاستعمار صعوبات لا تصدق (انظر Qumsiyeh، 2012 2015 ) شملت مجموعة الفظائع المرتكبة ضد الفلسطينيين المذابح والتطهير العرقي وهدم المنازل والقيود على الحركة والحرمان الاقتصادي وغير ذلك الكثير .
إن التعامل مع مثل هذه الفظائع ليس بالأمر السهل ، وقد عانى المجتمع من أمراض التأقلم وأفنحباط النفسي بعد النكبة وبعد النكسة  وشمل ذلك حتى مرحلة انتشار الإنتحار (Dabbagh ، 2005) ، كل هذا مرتبط بشكل مباشر بتأثير الاستعمار (العقلي والمادي ). ومع ذلك استمر الكثيرون في المقاومة.
لقد رأينا شجاعة مذهلة ، كما حدث ، على سبيل المثال ، في مسيرات العودة الكبرى الأخيرة التي بدأت في 30 مارس 2018 ، عندما حاول عشرات الآلاف من فلسطينيي غزة الذهاب إلى الحدود وواجهوا الذخيرة الحية التي قتلت المئات وجرحت الآلاف.

ينظر العديد من الفلسطينيين إلى المقاومة على أنها صمود ففي سياق محاولات الإبادة الجماعيّة و التطهير العرقي فإن مجرد البقاء والتكاثر يصبح شكلاً من أشكال المقاومة التي تساعد جسديًا وعقليًا (Kanaaneh ، 2002).  رداً على الاستعمارتتطور الهويات الجماعيّة ، ويترتب على ذلك ظهور قوميّة أقوى (Khalidi ، 1997). لكن القوة المهيمنة مرتبطة أيضًا بنوع من العنف الذي يفسد روح ونفسية المستعمَرين بطرق تعزز السلطة Avelar  2004.

في حالة فلسطين ترتبط السرعة التي ستأتي بها الحرية ارتباطًا مباشرًا بمدى سرعة تفكيك مصفوفة السيطرة الفكرية (Halper 2016). يؤثر الاستعمار على الهيكلة الاجتماعيّة عادة بطرق سلبيّة وإيجابيّة. على سبيل المثال في المجتمعات العشائرية الذكورية لبدو النقب تشمل مكونات المقاومة (Rabia ، 2011) ولكن هنالك مقومات ضعف. لاحظ Koensler (2015) أن بعض البدو أخبروه أن اليهود يهتمون بقضية هدم المنازل أكثر من العرب أنفسهم . تركز تفسيره على المنهجياّت والبنية الاجتماعيّة الأنثروبولوجية بدلاً من التفكير في ظواهر مثل الانهزاميّة والاستعمار العقلي والتي تعد جزءًا لا يتجزّأ من برامج الاستعمار المنظمةز ومن البديهي أن المستعمرين يغرسون الانهزاميّة ويدمرون الترابط الاجتماعي لدى السكان الأصليين ثم ويلقون اللوم على السكان الأصليّين لكونهم ضعفاء اجتماعيًّا  وبدون قيادة جيدة. يشير Said (1978) في عمله عن الاستشراق إلى أن الاستخدام المستمر للغة اللاإنسانية يتم تنميتها في كل من المجتمعات المستعمِرة والمستعمرة.

يطرح Oren وزملائه (2004) فكرة أنّ الصراع الطويل -ما وصفه بأنه “مستعصٍ على الحل ” – يمكن أن يخلق روحًا وتركيبات اجتماعية بين كل من المستعمَرين والمستعمرين التي بدورها تساهم فعليًا في إطالة مدة الصراع . إنّنا نتفق على أنه في بعض الحالات ينجح المستعمرون في إطالة أمد الصراع ، وهناك العديد من العناصر التي تؤثر على طول عمر المؤسسات الاستعماريّة ، بما في ذلك إجراءات مثل التدخل الدولي (على سبيل المثال الحملة العالميّة للمقاطعة وسحب الاستثمارات والعقوبات في حالة جنوب إفريقيا) . بالتالي فإنّ التفكير في استراتيجيات فعّالة لمواجهة الاحتلال / الاستعمار العقلي يصبح عاملاً مهمًا ليس فقط في الحد من تداعيات الاستعمار ولكن أيضًا في تسريع إنهائه .

يرى Belizaire (2008) بأنّ الطريق أمام الشعوب المستعمَرة لتجاوز الاستعمار العقلي هو التوقّف عن إلقاء اللوم حول جميع المشاكل على عاتق المستعمِرين ، وتحمل مسؤولية تحرير الذات العقلي . وهذا بالضبط ما أكّده المثقفون الفلسطينّيون في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين –
أمثال يوسف ضياء الدين الخالدي ، نجيب عازوري ، روحي الخالدي وعوني عبد الهادي (Qumsiyeh ، 2012). إنّ قيمة هذا التحرر العقلي وقوة الخطاب التحرري الفكري قوية لدرجة أنه الحرب الشرسه علىيها تكون أضر ولذا تم قمع حريات التعبير منذ بداية أي استعمار. على سبيل المثال تحت الضغط الصهيوني ، تم إغلاق صحيفة فلسطين (التي أسّسها عيسى العيسة في يافا عام 1911) عدة مرات ، بما في ذلك في كانون الثاني (يناير) 1914 ، بعد سلسلة من المقالات التي تحذر من مخاطر الصهيونية (Qumsiyeh 2012: 45).

يرى Bobowik et al. (2017) بأنّ التجارب التاريخيّة الاستعماريّة بعد الاستعمار تشترك في هذه الخصائص الخمس:
الأولى :تشكّل الهويّات الاجتماعيةّ (لكل من الأمم المستعمرة والأمم المستعمرة سابقًا) .
الثانية: تعزّز التغيير الاجتماعي للمجموعات المعنية .
الثالثة: محمّلة بالعواطف لأنها تثير على سبيل المثال الشعور بالذنب والعار الجماعي بين الشعوب المستعمرة سابقًا والغضب الجماعي ولكن أيضًا مشاعر الدونية

 الرّابعة: يتم نقل الهوية على سبيل المثال من خلال الذكرى السنوية وغيرها من الرموز التاريخية
الخامسة : إحياء ذك الجماعة يخدم احتياجات وأهداف الفئات المختلفة أو المتصارعة .

وفقًا ل Hirsh & Kang (2016) ، تنتج من هذه التحديات النفسية
(1)  تقويض الهوية والإنتماء ويمكن أن يتسبّب هذا في تدني احترام الذات ، ويتسبب بمشاكل خصوصا في حالات نقص الدعم الاجتماعي .
(2)  تعزيز الهوية المستعمرة المهيمنة.
(3) تجنب الأفكار المتضاربة الموجودة في ذهن المرء وإنكارها ولكن الصراع ينشأ بشكل متكرر في المواقف التي تجعل السمة للفرد والهوية المهمة (مثل كونك فلسطينيًا) في محاولة المواسمة اتصال مع السمات الأخرى مثل أن تصبح أقلية في بلدك
(4) تعديل أو إعادة تفسير القواعد بحيث تتوافق مع بعضها البعض ( التكيف ).

وحسب ما نعتقد، فإن ّالجانب الأكثر أهمية لا يكمن في المجالات التشخيصية الأربعة ، ولكن في الجوانب العلاجيّة للاستعمار العقلي. هناك استراتيجيات للتعامل فما هي آليات “إنهاء استعمار العقل” ، كما ناقشها Wa Thiong’o (1992 ، 1998)؟ هناك حاجة إلى المزيد من العمل في هذا الصدد ، يتجاوز ما سيتم مناقشته أدناه . ولكن هذا يتطلب أيضًا التعامل مع المتغيرات في بيئات استعمارية مختلفة .

في جنوب إفريقيا وفلسطين كانت محاولات المستعمِرين وضع الناس في معازل مثل البانتوستانات و “مستودعات الناس” ، والتأكد من وجود سلطة خاضعة لتقوم ب “الحكم الذاتي” التي تفتقر إلى السيادة ، تكتيكًا مهمًا (Qumsiyeh 2017 أ ، 2017 ب). مظاهرة ومواجهة المستعمرين شيء ومواجهة أبناء الوطن من قبل شرطة وأمن فلسطيني له تأثير آخر .إن تجاوز الأذى النفسي الناتج عن مثل هذا النظام أمر صعب ، لكنه ممكن. من الممكن تحدّي كل من المحتلين وأي شخص آخر يساعد المحتلين .هناك استراتيجية أخرى يستخدمها المستعمرون هي “فرّق تسد” (في حالة فلسطين ، تأليب الفلسطينيين ضد بعضهم البعض). وبالتالي ، أصبحت الوحدة الفلسطينيّة قضية مهمة في محاربة الاستعمار العقلي ( Halper ، 2016) .هنا في فلسطين يصبح الصراع اذا فكري وليس فقط جسدي مثلا تحدي  المفاهيم القائلة بأننا ضعفاء أو أن هذا الصراع عربي – يهودي ، أو أن القضية صراع ديني.

في تموز 2005 ، أصدرت أكثر من 170 منظمة مجتمع مدني فلسطينية وثيقة تاريخيةّ . وأوضحت انتهاكات إسرائيل المستمرة للقوانين والمواثيق الدوليّة وحقوق الإنسان ودعت منظمات المجتمع المدني الدوليّة وأصحاب الضمير في جميع أنحاء العالم إلى فرض مقاطعة واسعة وتنفيذ مبادرات سحب الاستثمارات وفرض العقوبات ضد إسرائيل على غرار تلك المطبّقة على جنوب إفريقيا في عصر الفصل العنصري. (انظر bdsmovement.net  ). كانت هذه علامة مهمة وإيجابيّة على الوحدة الفلسطينيّة وتحدّي الاستعمار العقلي .
في فلسطين ، هناك حاجة لمعالجة قضايا الصحّة النفسيّة في ظل ممارسات الاستعمار الحاليّة (Rabaia وآخرون ، 2010) ، وهذا يصبح شكل من أشكال العلاج من الاستعمار العقلي . ولكن حتى بعد نهاية الاستعمار ، يواجه السكان الأصليّون العديد من تحديات الصحة العقلية (Lavallee & Poole 2010).

يحاول الناس فهم وإعطاء أهميّة لظواهر اجتماعيّة متنوعة – بما في ذلك ماضيهم وحاضرهم ومستقبلهم  في حقبة ما بعد الاستعمار  التي قد تكون مؤلمة في بعض الأحيان . ومع ذلك ، فإنّ البشر يتمتعون بقدرة عالية على التكيف ويمكنهم تجاوز الصدمات في فترة ما بعد الاستعمار والنهوض بمجتمعاتهم (Ashcroft ، 2013).. فإذا الشعب يوما أراد الحياة فلا بد أن يستجيب القدر

النظر للمستقبل

في هذا المقال القصير لم نناقش التداعيات النفسيّة للنماذج الاستعماريّة الجديدة للسيطرة على الاقتصاد والسياسة وأشكالها المشتقة التي تنكّرت تحت ستار العولمة (بولهان ، 2015). يرى بولهان (2015) أننا بحاجة إلى مجال نفسي خالٍ من الهياكل الاستعماريّة .

نحن نرفض الفكرة القائلة بأنّ هذا صراع عرقي “مستعص على الحل” كما صوره الكاتبون الصهاينة (Kriesberg، 1998؛ Salomon & Nevo، 2001؛ Coleman، 2003؛ Oren et al.، 2004). بنفس الطريقة  وصفت النُّخب البيضاء في جنوب إفريقيا نضالها بأنه صراعٌ عرقيٌّ مستعصٍ (Smith ، 1979 ؛ Rothschild ، 1986). مع أنّ  التاريخ يقول  خلاف ذلك ؛ لأن جميع الأنظمة الاستعماريّة الاستيطانيّة قد تم حلها أو استقرارها ، سواء أكان ذلك  كما في  سيناريو جزائري أو سيناريو أمريكي / أسترالي (إبادة جماعيّة)،أو سيناريو بقية العالم (الاندماج في بلد واحد). آخرها كان انهاء الفصل العنصري في جنوب إفريقيا (على الرغم من استمرار الفصل العنصري الاقتصادي) .

إنّ أحد المكوّنات الأساسية للمقاومة هو تحرير أذهاننا من الأفكار المتخلفة التي تنتشر حولنا. نحن بحاجةٍ إلى معرفة حقوقِنا وقيَمِنا حتى نتمكّن من الدفاع عنها وكسبها (Leone ، 2018) . والجزء الآخر المهم هو فهم عقل المستعمر وإدراك أنهم ونحن لسنا مستعمَرين ماديًّا فحسبب بل وعقليًا أيضًا ، مما يساعد الاستعمار المادي ويحافظ عليه. نحن مهتمون بالطرق التي يتعامل بها الأشخاص المضطهدون مع اضطهادهم وتحدي القوة المهيمنة التي تحاول إخضاعهم ( Freire   Meari 1970  2015(

يمكن للمرء أن ينظر إلى كخطابين أو طريقين يجب الإختيار بينهما منفصلين : –
( 1) الصدمة والإستضعاف – هذا الخطاب يثبط قدرة الناس ويشجعهم على إبراز جانب الضحية في تجاربهم .
و (2) نموذج الصمود والمقاومة الإيجابية الذي يؤكّد على الفاعلية الفرديةّ الاستباقيّة للتغيير الإيجابي

قبل حوالي مئة عام كتب جبران خليل جبران في كتابه كتاب البدائع والطرائف فصل مهم في هذا الموضوع تجدونه هنا 

نرى أنه من الممكن التعرّف على صدمة الظلم والتعامل معها بدقة ، من خلال الانخراط بشكل استباقي في المقاومة  ، علاوة على ذلك ، يجب أن لا نقلّل من قيمة المثقفين الذين يجب أن يشاركوا في تأطير التاريخ والثقافة والسياسة بطرق تتحدّى الاستعمار المادي والعقلي (اليعقوبي ، 2005).

لا ينبغي لعملية “إنهاء الاستعمار” أن تركّز على الاستعمار واعتباره محددا لثقافتنا ناهيك عن حياتنا  ولا ينبغي أن تضفي طابعًا رومانسيًا على ماضينا أو قوتنا. يجب أنّ نسير بواقعية وثقة  ونطرح برامج عملية تساعدنا في التحرر من الإستعمار العقلي: نقبل ماضينا كما هو واقعيا ونتعلم منه وننخرط بحاضرنا بهمة وهكذا نبني مستقبل  مشرق  رغم العقبات.

References

Abdelnour, S. (2010). A new model for Palestinian development. Al-Shabaka Policy Brief, Ramallah. https://al-shabaka.org/briefs/new-model-palestinian-development/

Andoni, Gh. (2001). A comparative study of Intifada 1987 and Intifada 2000. In Carey, R. (Ed.), The New Intifada: Resisting Israel’s Apartheid, (pp. 209-218). London: Verso.

Angrist, J. D. (1996). Short-run demand for Palestinian labor. Journal of Labor Economics14(3), 425-453.

Ashcroft, B. (2013). Post-colonial transformation. New York: Routledge.

Atran, S. (1989). The surrogate colonization of Palestine, 1917–1939. American Ethnologist, 16(4), 719-744.

Avelar, I. (2004). The letter of violence: Assays on narrative, ethics, and politics. New York: Palgrave Macmillan.

Belizaire, J. C. (2008). Cutting the shackles of mental occupation: Understanding the effects of racial line, and the colour of god on the sanity of minorities. Indianapolis: Dog Ear Publishing.

Ben-Ze’ev, E. (2015). Blurring the Geo-Body: Mental Maps of Israel/Palestine. The Middle East Journal,69(2), 237-254.

Brand, L. A. (2014). Official stories: Politics and national narratives in Egypt and Algeria. Stanford: Stanford University Press.

Bobowik, M., Valentim, J. P. and Licata, L., (2017). Introduction to the special issue: Colonial past and intercultural relations. International Journal of Intercultural Relations, 62, 1-12.

Bulhan, H. A. (2015). Stages of colonialism in Africa: From occupation of land to occupation of being. Journal of Social and Political Psychology, 3(1), 239-256.

Clark, K. B. & Clark, M. P. (1950). Emotional factors in racial identification and preference in Negro children. The Journal of Negro Education, 19(3), 341-350.

Coleman, P. T. (2003). Characteristics of protracted, intractable conflict: Toward the development of a metaframework-I. Peace and Conflict: Journal of Peace Psychology,9(1), 1-37.

Dabbagh, N. T. (2005). Suicide in Palestine: Narratives of despair. London: Hurst.

Dascal, M. (2009). Colonizing and decolonizing minds. In Kuçuradi, I. (Ed.), Papers of the 2007 World Philosophy Day (pp. 308-332). Ankara: Philosophical Society of Turkey.

Douglas, M. (1986). How Institutions Think. Syracuse: Syracuse University Press.

Fanon, F. (1968). The wretched of the earth: The handbook for the black revolution that is changing the shape of the world. New York: Grove Press.

Farsakh, L. (2002) Palestinian labor flows to the Isreali economy: A finished story? Journal of Palestine Studies, 32(1), 13-27.

Figueiredo, A., Martinovic, B., Rees, J. & Licata, L. (2018). Collective memories and present-day intergroup relations: Introduction to the special thematic section. Journal of Social and Political Psychology, 5(2), 694-706.

Freire, P. (1970). Pedagogy of the oppressed. New York: Continuum.

Ganim, A. (2001). The Palestinian-Arab minority in Israel, 1948-2000: a political study. New York: Suny Press.

Gopaul-McNicol, S. A. (1988). Racial identification and racial preference of black preschool children in New York and Trinidad. Journal of Black Psychology, 14(2), 65-68.

Haj-Yahia, M. (2007). Challenges in studying the psychological effects of Palestinian children’s exposure to political violence and their coping with this traumatic experience. Child Abuse & Neglect, 31, 691–7.

Halper, J. (2016). Obstacles to peace: A reframing of the Israeli-Palestinian Conflict. Palmap, Jerusalem: ICAHD publications. Retrieved from https://icahd.org/wp-content/uploads/sites/1/2017/07/Obstacles-to-Peace-May-2016.pdf

Hernandez, P. (2002). Resilience in tamilies and communities: Latin American contributions from the psychology of liberation. The Family Journal: Counseling and Therapy for Couples and Families, 10(3), 334-43.

Hiltermann, J. (1991). Behind the Intifada: Labor and women’s movements in the occupied territories. New Jersey: Princeton University Press.

Hirsh, J. B. & Kang, S. K. (2016). Mechanisms of identity conflict: Uncertainty, anxiety, and the behavioral inhibition system.Personality and Social Psychology Review,20(3), 223-244.

Kanaaneh, R. A. (2002). Birthing the nation: Strategies of Palestinian women in Israel (Vol. 2). Berkeley: University of California Press.

Khalidi, R.. (1997). Palestinian identity: The construction of modern national consciousness. New York: Columbia University Press.

Kimmerling, B. (2001). The invention and decline of Israeliness: State, society, and the military. Berkeley: University of California Press.

King, M. E. (2007). A quiet revolution: The first Palestinian Intifada and nonviolent resistance ). New York: Nation Books.

Klieman, A. (1970). Foundations of British policy in the Arab World: The Cairo Conference of 1921. Baltimore: The Johns Hopkins Press.

Koensler, A. (2015). Israeli-Palestinian activism: shifting paradigms. Burlington, Vermont: Ashgate Publishing, Ltd.

Kriesberg, L. (1998). Intractable conflicts. In E. Weiner (Ed.), The handbook of interethnic coexistence (pp. 332–342). New York: Continuum.

Lavallee, L. F. & Poole, J. M. (2010). Beyond recovery: Colonization, health and healing for Indigenous people in Canada. International Journal of Mental Health and Addiction, 8(2), 271-281.

Leone, G. (2018). Is there a space for post-colonial theory in the socio-psychological research on consequences of colonial past? Integrative Psychological and Behavioral Science, 1-10.

Licata, L. (2012). Colonialism and postcolonialism: Psychological dimensions. In D. J. Christie (Ed.), The Encyclopedia of Peace Psychology.  New York: Blackwell Publishing Ltd.

Loshitzky, Y. (2013). Orientalist representations: Palestinians and Arabs in some postcolonial film and literature. In Cultural Encounters, (pp. 65-85). Oxon: Routledge.

Makkawi, I. (2009). Towards an emerging paradigm of critical community psychology in Palestine. The Journal of Critical Psychology, Counselling and Psychotherapy 9.75-86.

Masalha, N, (1992). Expulsion of the Palestinians: The concept of “transfer” in Zionist political thought, 1882-1948. Washington, DC: Institute for Palestine Studies.

Meari, L. (2015). Reconsidering trauma: towards a Palestinian community psychology. Journal of Community Psychology43(1), 76-86.

Mearsheimer, J. J. & Walt, S. M. (2006). The Israel lobby and US foreign policy. Middle East Policy, 13(3), 29-87.

Mignolo, W. D. (1993). Colonial and postcolonial discourse: cultural critique or academic colonialism? Latin American Research Review28(3), 120-134.

Mills, J. H. & Waite, T.A. (2009). Economic prosperity, biodiversity conservation, and the environmental kuznets curve. Ecological Economics, 68(7), 2087-2095.

Moore-Gilbert, B. (2018). Palestine, postcolonialism and pessoptimism: Palestine and postcolonial studies. Interventions20(1), 7-40.

Morris, M. W., Chiu, C.Y. & Liu, Z. (2015). Polycultural psychology. Annual Review of Psychology66, 631-659.

Mungazi, D. A. (1996). The mind of black Africa. London: Praeger Publishers.

Nakhleh, K. (2012). Globalized Palestine: The national sell-out of a homeland. Red Sea Press: Trenton.

Oren, N., Bar-Tal, D. & David, O. (2004). Conflict, identity and ethos: The Israeli-Palestinian case. Psychology of ethnic and cultural conflict, 133-154.

Pappe, I. (2006). The ethnic cleansing of Palestine. London: Oneworld Publications.

Peled-Elhanan, N. (2008). The denial of Palestinian national and territorial identity in Israeli schoolbooks of history and geography, 1996–2003. In R. Dolón & J. Todolí (Eds.), Analysing identity in discourse,  (pp. 77-107). Amsterdam: John Benjamins Publishing Company.

Peled-Elhanan, N. (2012). Palestine in Israeli school books: Ideology and propaganda in education (Vol. 82). London: IB Tauris.

Peled, Y. &Shafir, G.(1996). The roots of peacemaking: The dynamics of citizenship in Israel, 1948–93. International Journal of Middle East Studies, 28(3), 391-413.

Petersen, R. (1995). Colonialism as seen from a former colonized area. Arctic Anthropology  32 (2), 118-126. .

Qumsiyeh, M. B. (2012). Popular resistance in Palestine: A history of hope and empowerment. London: Pluto Press.

Qumsiyeh, M. B. (2015). Chapter 4: Evolution of armed to unarmed resistance in Palestine. In V. Dudouet (Ed.), Nonviolent resistance and conflict transformation (pp. 77-99).  London and New York: Routlegde.

Qumsiyeh, M. B. (2017a). Critical and historical assessment of BDS (Boycotts, Divestment, and Sanctions). in Palestine. In A. Ozerdem, Ch. Thiessen & M. Qassoum (Eds.), Conflict transformation and the Palestinians: The dynamics of peace and justice under occupation (pp. 98-113).New York and London: Routledge.

Qumsiyeh, M. B. (2017b). Is a ‘third’ intifada possible? In J.Weiner (Ed.),Moment of truth: Tackling Israel-Palestine’s toughest questions (pp. 245-248). New York: OR Books.

Ra’ad, B. L. (2010). Hidden histories: Palestine and the astern Mediterranean. London: Pluto Press.

Rabaia, Y., Giacaman, R. & Nguyen-Gillham, V. (2010). Violence and adolescent mental health in the occupied Palestinian territory: A contextual approach.Asia Pacific Journal of Public Health,22(3), 216-221.

Rabia, R. A.(2011). Redefining polygamy among the Palestinian Bedouins in Israel: Colonization, patriarchy, and resistance. American University Journal of Gender, Social Policy & the Law ., 19,  459-493.

Ramantswana, H. (2016). Decolonising biblical hermeneutics in the (South) African context. Acta Theologica, 36, 178-203.

Rothchild, D. (1986). Interethnic conflict and policy analysis in Africa. Ethnic and Racial Studies, 9(1), 66-86.

Said, E. W. (1978). Orientalism. New York: Pantheon.

Said, E. W. (1985). Orientalism reconsidered. Race & Class, 27(2), 1-15.

Said, E. W. (1989). Representing the colonized: Anthropology’s interlocutors. Critical inquiry15(2), 205-225.

Said, E. W., (2012a). Culture and Imperialism. New York: Vintage Books

Said, E. W. (2012b). Peace and its discontents: Essays on Palestine in the Middle East peace process. New York: Vintage Books.Said, E. W. (2012c). Representations of the Intellectual. New York: Vintage Books.

Said, E. W. & Hitchens, C. (1988). Blaming the victims: Spurious scholarship and the palestinian question. London: Verso.

Salomon, G. & Nevo, B. (2001). The dilemmas of peace education in intractable conflicts. Palestine-Israel Journal of Politics, Economics, and Culture, 8(3), 64-77.

Sand, S. (2009). The Invention of the Jewish People. London: Verso.

Sand, S. (2012). The Invention of the land of Israel: from holy land to homeland. Verso.

Shlaim, A. (1988). Collusion across the Jordan: King Abdullah, the Zionist movement and the partition of Palestine. Oxford: Clarendon Press.

Smith, A. D. (1979). Towards a theory of ethnic separatism. Ethnic and Racial Studies2(1), 21-37.

Sosebee, S. (1990). The Palestinian women’s movement and the Intifada: A historical and current analysis. American-Arab Affairs, 32, 81–91.

Sternhell, Z. (1997). The founding myths of Israel: Nationalism, socialism and the making of the Jewish state, Princeton, N. J. New Jersey: Princeton University Press..

Stoler, A. L. (2010). Along the archival grain: Epistemic anxieties and colonial common sense. Princeton:Princeton Univiversity Press

Tsuda, Y. (2013). The Hegemony of English and Strategies for Linguistic Pluralism. Pp 445-457 In M. K. Asante, , Y. Miike & J. Yin, J. (Eds.), The global intercultural communication reader. London and New York: Routledge.

Tunteng, P. K. (1974). Political freedom and mental colonization. Transition, 44, 9-16.

Umbreti, G. 2016. The Palestinian national authority security sector 2012-2013. An operational overview (master’s thesis). Università degli Studi di Firenze.

Vogel, D. (1997). Trading up and governing across: Transnational governance and environmental protection. Journal of European Public Policy, 4, 556-571.

Wa Thiong’o, N. (1992). Decolonising the Mind: The politics of language in African literature. Nairobi: East African Publishers.

Wa Thiong’o, N. (1998). Decolonising the mind. Diogenes, 46(184), 101-104.

Weizman, E. (2007). Hollow land: Israel’s architecture of occupation. London:Verso.

Whitelam, K. W. (2013). The invention of ancient Israel: the silencing of Palestinian history. London and New York: Routledge.

Williamson, T., Improscio, D. & Alperovitz, G. (2003). Making a place for community, local democracy in a global era New York and London: Routledge, Taylor & Francis Group.

Yacoubi, Y. (2005). Edward Said, Eqbal Ahmad, and Salman Rushdie: Resisting the ambivalence of postcolonial theory. Alif: Journal of Comparative Poetics25, 193-218.

Zureik, E. (1979). The Palestinians in Israel: A study in internal colonialism. London: Routledge and Kegan Paul Ltd.

http://popular-resistance.blogspot.com/2021/02/blog-post_48.html

Author: مازن قمصية وأماني عمرو

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *