التطهير هو الجوهر.. الفصل العنصري هو نتيجة.. ودولة المواطنين هي الحل

 

هنالك ما هو قاس في الشعور الذي يتملكك عندما يتحول واقعك إلى “اكتشاف”، وهنالك شعور بالدهشة والنقمة بين اللامبالاة الإسرائيلية الكبيرة تجاه الجرائم اليومية المرتكبة بحق الفلسطينيين وبين الدهشة والانفعال والغضب، الذي كان من المؤكد أن التقرير كان “سيتمتع” بهم لو حظي بالنشر الذي يستحقه من قبل الإعلام الإسرائيلي (هنا علينا أن نذكر أن الإعلام الإسرائيلي تجاهله تماما، حتى هآرتس “الليبرالية” تجاهلته في نسختها بالعبرية تماما). إن التعتيم الإعلامي الإسرائيلي على التقرير، بالذات الإعلام “الليبرالي” مثل هآرتس، يبين لنا عدم قدرة الأخير، الذي اعتاد تغطية الجرائم الإسرائيلية للاحتلال وللجيش على التعامل مع التقرير. بالتالي علينا أن نستنتج بأن هنالك مقداراً كبيراً من الشجاعة في إصدار بتسيلم تقريراً يشخص ويعترف بأن إسرائيل تعتمد نظاما واحدا من التفوق من البحر للنهر:  أبارتهايد.

إن الشر في القتل وفي نصب القناصة بما يشبه طقس تسلية (موقع “الحديث المحلي” يرفق رابطا لتقرير صدر في هآرتس، يتكلم عن شهادات جنود وقناصة نصبوا في غزة إبان مسيرات العودة التي لم تنل الدعم العالمي، بسبب أنها ولدت يتيمة فلسطينيا، ويتحدثون عن التسلية ورياضة إصابة الهدف، بهذه الكلمات صراحة، وأحيانا بما يفهم عبر تشبيه ما حصل في غزة ويحصل بالأفلام الأمريكية – ليست من النص الأصلي) وفي ملاحقة وضرب الأطفال والشباب، وفي الهدم وسلب البيوت، وفي محو أحياء بكاملها من على سطح الأرض، وفي الطرد وسرقة الأراضي، وفي القنابل الفوسفورية ومطاردة بالونات الأولاد، وفي حصار الموت البطيء، وفي اقتلاع الأشجار، كل هذا التنكيل اليومي التي يقوم بها “أولاد” جنود يمثلون كل بيت في هذه الدولة، لا ينجح للنفاذ للوعي الإسرائيلي، مثلما قد ينجح في ذلك تعريف الدولة كدولة أبارتهايد، والتي نظريا قد لا تعني بالضرورة كل الجرائم التي تحدثت عنها. وهذا هو السبب على الأغلب في أن الإعلام الإسرائيلي “الليبرالي”اختار تجاهل التقرير.

إن رفض تعامل إسرائيل “الليبرالية” مع حقيقتها مهم لنجاح آليات الانفصال النفسية عن الواقع، وذلك لصيانة صورة ذاتية أخلاقية.  يعني ذلك أن الدولة ترسخ في الوعي الإسرائيلي كفكرة وليس كممارسة يومية، بالتالي التقارير التي تتحدث عن ممارسة يومية للجيش لا تهم الإسرائيليين، إن ما يمكن أن يهزهم هو توصيف جوهر الدولة ” وتشخيص “الفكرة” الناظمة التي تقبع خلف كل تلك الجرائم.  قيمة تقرير بتسيلم أنه لأول مرة  يقوم الخطاب الصهيوني، وليس غير الصهيوني، بالربط بين الجرائم الإسرائيلية وبين الفكرة الإجرامية التي تقبع خلف تلك الجرائم، بالربط بين ممارسة الدولة وبين المنطق الذي يحكمها، بين السياسية وبين “المخطط”.   ما يقوله التقرير هو أن الجرائم الإسرائيلية ليست ظرفية، كما أنها ليست عملية دفاع عن النفس، بل هي تكمن في جوهر الدولة.  المجتمع والدولة اللذين يلاحقا ويطهرا شعب آخر، هي ليست صورة واقع خرجت عن السيطرة أو عن المخطط، إنما هي مخطط ناظم ينجح بصورة فائقة. وهو هذا المخطط أو الجوهر أو الفكرة التي تمتعت دائما بحصانة أخلاقية مطلقة. هو ذاك الحلم الصهيوني المهيب، الذي امتلك القوة لتبرير جرائم متتالية، والذي نجح في فصل نفسه عن تلك الجرائم. وما يقوم به تقرير بتسيلم هو نقل النقاش من مستوى سياسات الدولة لمستوى “جوهر الدولة”، الأمر الذي يفتح مستوى نقاش مختلف كليا . يمكننا هذا النوع من الخطاب حول جوهر إسرائيل، من الارتباط  مع السردية التاريخية للضحية،  وفقط ضمن هذا الارتباط نستطيع اقتحام سد إنغلاق الوعي الجماعي الإسرائيلي وانفصالها المرضي عن الواقع. لكن لكي نفهم ذلك، علينا أن ندرك “حاجة” الصهيونية لهذا الانفصال النفسي المطلق عن جرائمها، فهو أساسي لتطوير تصور “الأخلاق الإسرائيلية المتسامية”.

يعني ما تقدم، أن تقرير بتسيلم، لا يقدم كشفا جديدا، بقدر ما بوسعه أن يغير تصور الإسرائيليين لذاتهم، فهو يبدأ بكسر أسطورة اختلاف إسرائيل الجيدة 48، عن إسرائيل “المشوشة” 67، ويقول لنا أن المشكلة ليست في الاحتلال بل في الدولة نفسها ( الأمر الذي يختلف عليه سياسيا الآن تيار من الفلسطينيين. هنالك حالة من العبث يظهرها لنا تقرير بتسيلم، فالمنظمة منظمة صهيونية . وفي الوقت الذي تكتشف فيه حقيقة إسرائيل، يصر خطاب السلطة على إصدار عفو باسم شعب وتاريخ   خارجاً عن شرعية سلطته – خارج النص الأصلي).

نأمل أن ذلك هو بداية تغيير ضمن الخطاب الإسرائيلي المناهض للاحتلال ولجرائم الاحتلال، ألا ينجحوا بعد الآن في الفصل بين الجرائم وطبيعة النظام الإسرائيلي، وأن يدركوا أن الخطاب الذي يتجنب نقاش جوهر إسرائيل هو عملياً خطاباً يتجنب أيضا التأثير السياسي الحقيقي، وأنه لا يستحق حتى أن يدعي بأنه خطاب أخلاقي.

رغم كل ما قيل أعلاه، علينا أن نعترف أن التقرير لا يمس حقيقة جوهر فكرة الدولة اليهودية، فهو لم يجزم أن الأبارتهايد هو شرطاً لتحقيق فكرة الدولة اليهودية، وهو لا يجزم بأن الأبارتهايد ليس تطوراً ظرفياً وأنه “فكرة” تسبق ظروفها. وهنا المكان لكي نقول أن فهم إسرائيل كـ”فكرة” يتطلب منا ليس فقط الاعتراف بالواقع الموجود –الذي يفتخر التقرير وبحق بأنه يمتلك الشجاعة للاعتراف به-  بل أيضا الاعتراف بالواقع لذي لم يعد موجودا، بالواقع الذي تم محوه، وإدراك أن ما تم محوه يفسر الواقع أكثر بكثير مما بقي.

إن العملية الأولى والأكثر مركزية للدولة ولممارستها كدولة ولفكرتها كدولة في المحو والتطهير وليس الفصل. والفصل لم يكن ليكون ممكنا لولا المحو، لولا فكرة التطهير المادي والسياسي والرمزي التي تمثلها الدولة.

إن التطهير العرقي لـ85% من الفلسطينيين عام 48 ومحو قراهم لاستبدالهم بمجموعات من المهاجرين، وهندسة الفضاء العام ومحو التاريخ ومعالمه الجغرافية والعمرانية ضمن عملية إنتاج تاريخ مصطنع ومقحم، هي العملية المركزية التي مكنت عملية الفصل العنصري والأخيرة تتقزم بحضور الأولى.

علينا أن نفهم ذلك لكي ندرك بُعد التنازل العاطفي والنفسي والشجاعة الأخلاقية الكامنة في رؤية “دولة المواطنين” التي يملها التجمع الوطني الديمقراطي، وهي الرؤية الوحيدة التي تصطدم مع الغين التاريخي ومع تعقيدات حاضر هذا الوطن الكئيب، دون أن تجري أي عملية محو تاريخي لكلا الجهتين، أو عملية فصل عرقي بين كلا الجانبين.

فأنا لا أشكو فقط من أن الناصرة لا تأخذ حقوقاً متساوية كتلك التي تأخذها نوف هجليل (نتسيرت عيليت سابقا)، من العبث أصلا أن تطالب مدينة 200 سنة بمكانة تشبه مدينة عمرها 40 سنة، ونحن لا نريد أن نشبه نوف هجليل ونحن لا نشبهها أصلا. القضية هي أن نوف هجليل تمثل تحققاً لفكرة سيطرة واغتراب عن المكان وعن ملامحه وتاريخه وهويته. مشكلة اليافاوي ليس أنه لا يملك عملاً وبيتاً وشرفة كما يملكها الإسرائيلي في يافا، بل مشكلته أنه لا يملك يافا التي له، مشكلته أنه فقد بيته وبيارته ومصنعه وميناءه الذي كان له عام 48 وسلبت منه، مشكلته أنه سلب منه تجربته لمدنية فلسطينية لمزدهرة، وأنه كيانه تحول لملاحظة صغيرة وفقيرة  وغير ذي صلة ضمن هامش الفضاء الإسرائيلي المصطنع.

إن دولة المواطنين ليست تعبيرا عن معادلة مساواة رياضية، جافة وباردة، بالتأكيد ليس عندما يجملها الضحية ضمن سردية تاريخية كاملة وحاضرة. ونحن لا نريد أن نكون جزءا من سردية المواطنة الحالية، والحل لا يكمن في نقطة وسط ما بين فكرة كولونيالية وبين أصلانيي الوطن.

إن انتصار فكرة العدالة تكمن في إعادة بناء سردية المواطنة نفسها. فكرة الدولة اليهودية (الصهيونية عمليا) لا يمكنها أن تحوي المواطنين الفلسطينيين، وهي فكرة تطهيرية في جوهرها. المواطنة التي نتكلم عنها هي كائن مختلف تماما وليس مجرد توسيع لحدود فكرة قائمة، وطالما أن ذلك غير قائم، فالقائم هو مسلسل مستمر لصدام كولونيالي بين دولة مهاجرة وبين سكان أصلانيين، وليس “ديمقراطية يهودية”.

مواطنة دولة المواطنين هي تلك المواطنة التي يقوم المواطنون، وبالتأكيد أولئك الذين طردوا ويريدون العودة، ببنائها بشراكة كاملة، وهي ليست تلك التي يبنيها جزء على أنقاض الآخر وعندها يدعوه للمشاركة وفق شروطه وكلي أمل في أن يكون تقرير بتسيلم بداية انقلاب فكري وأخلاقي في هذا الاتجاه.

بكل الأحوال، إن الشجاعة التي يتطلبها مثل هذا التقرير، هي القيمة الأكثر فقدانا ضمن ثقافة خطاب العدل وحقوق الإنسان والمساواة، وأنا من ضمن أولئك الذين يعتقدون أن الأخلاق دون شجاعة هي أخلاق هامدة وفاقدة للقيمة.

 

المقال هو ترجمة لمقال نشرته حنين زعبي   في “سيحاه ميكوميت” يوم الإثنين 25 كانون ثاني/ يناير

 

اللوحة للفنان الفلسطيني الراحل اسماعيل شموط

 

مقالات وتقارير ذات صلة:

نظام تفوّق يهوديّ من النهر إلى البحر: إنّه أبارتهايد

نظام تفوّق يهوديّ من النهر إلى البحر: إنّه أبارتهايد(1)

 

Author: حنين زعبي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *