التطهير الإثني وتشكيل الجغرافيا الاستعمارية الاستيطانية


اشترك معنا في قناة تلغرام: اضغط للاشتراك حمل تطبيق الملتقى الفلسطيني على آندرويد: اضغط للتحميل

استهلال

تحاول هذه المقالة المترجمة التعرف على السلوكيات التاريخية الاستعمارية التي نفذت سياسات التطهير الإثني، كخاصية لازمة للتخلص من السكان، وتأثيرها على تشكيل الطوبوغرافيا الاستعمارية الاستيطانية، وتضع، في سبيل هذه المحاولة، باعتبارها أن تطبيق منهجية التطهير الإثني في منطقة جغرافية محددة؛ لا يلغي التشكيلات القانونية والمكانية داخل هذه المنطقة فحسب، بل يعتبر قوة إنتاجية بحد ذاته لتأمين و”تطبيع” نظام سياسي جديد داخلها.

كما تميز المقالة بين نوعين من التطهير الإثني: التطهير الإثني الكامل “نسبياً”؛ كما هو حال السياسات الإسرائيلية في هضبة الجولان السورية، والتطهير الإثني “غير المكتمل” مثلما هو عليه الأمر في الضفة الغربية.

وتظهر المقالة  أن اكتمال أو عدم اكتمال التطهير الإثني، يساعد في تشكيل السمات المحددة لإعادة الانتاج المكاني وقوة القانون بصفتهما موضعين مرتبطين بشكل معقد بالإدارة الاجتماعية داخل أنظمة الاستعمار الاستيطاني؛ وسوف ينتج نموذجا التطهير الإثني (لأسباب أمنية واقتصادية وعملية) شكلين أو مظهرين استيطانين مختلفين تبعاً لآلية التطهير؛ فإن كان التطهير مكتملاً نسبياً نتج عنه استعمار استيطاني ” منقحاً” يشبه المناطق  الجغرافية الاستعمارية لأمريكا الشمالية وأستراليا ونيوزيلندة، وهو شكل قابل للتطبيع بسهولة أكبر، بينما ينتج مثيله غير المكتمل استعمار استيطاني “وسيطٌ”، شبيه بالنظام الاستعماري في روديسيا وجنوب أفريقيا والجزائر؛ قبل  فقدان المستوطنين للسلطة هناك؛ وهي حالة غير قابلة للتطبيع بسبب سلسلة من التناقضات الناجمة عن وجود “الآخر الأصلي”.

ويشير التطهير الإثني إلى السياسات المتبعة للتخلص من [أو تصفية] السكان الأصليين أو الأقليات العرقية أو الدينية في منطقة معينة، باستخدام القوة والعنف؛ ويستخدم بصورة أساسية لوصف السلوك الاستعماري ضد السكان الأصليين في المناطق المحتلة. في حين يعبر تكوين الجغرافيا الاستعمارية الاستيطانية عن جهود القوى الاستعمارية لتغيير التوزيع الديمغرافي على الجغرافيا والموارد في المناطق التي تحتلها، وتشمل هذه الجهود إقامة مستوطنات للمستوطنين الأجانب في المنطقة المحتلة واستغلال الموارد الطبيعية لصالح الاستعمار.

تقارن المقالة بين مرتفعات الجولان السورية والضفة الغربية الفلسطينية، للكشف عن سمات التطهير الإثني وفعاليته في أنساق البنية الاستعمارية الاستيطانية، ومن ثم تحديد درجته وصفاته العملية والربحية في السياسات المطبقة في المنطقتين،  وكيف أدت درجات الاكتمال النسبي أو عدمها من التطهير الإثني إلى خلق شكلين من الجغرافيا الاستعمارية؛ من خلال مقارنة حركة المستوطنين بكل منطقة، وتخطيط المستوطنات وأنماط الحكم القانوني فيهما، فضلاً عن العلاقة بين شكل الجغرافيا الاستعمارية وتطبيعها.

…….

مقدمة

اشتهر برنامج جون ستيوارت The Daily Show* بالسخرية السياسية ذات الميول اليسارية. ورغم تركيزه على الولايات المتحدة، إلا أنه وسّع، من وقت لآخر، نطاق تغطيته وتحريه لأحداث سياسية في بلدان أخرى. وقام ستيورات، عبر سنين عديدة، بتوجيه انتقادات ساخرة، من حين لآخر، لسياسات الحكومة الإسرائيلية، ومن بين ما لفت نظرنا في انتقاداته تلك، تعليقه على الحملة العسكرية الإسرائيلية على غزة في العام 2014، حين ظهرت خارطة  إسرائيل خلف ستيوارت بخطوط حدود تبدو غير متوافقة مع اتفاقيات هدنة العام 1949 المعترف بها دولياً. ورغم دقة الخريطة بعدم اشتمالها مناطق الضفة الغربية الفلسطينية وقطاع غزة، غير أنها تظهر مرتفعات الجولان كجزء من إسرائيل، وهذا ما بدى غير صحيح على الإطلاق. ولا يبدو اختيار ستيوارت وفريقه لهذه الخريطة أتى بالصدفة المحضة، لأن العديد من الخرائط الحالية قامت بمحو خط [الحدود] الفاصل بين الجولان وإسرائيل. ويشير مئير شاليف؛ أحد أشهر الكتاب الإسرائيليين، في سياق حديثه عن الفرق بين الضفة الغربية ومرتفعات الجولان، وهما منطقتان احتلتهما إسرائيل [معاً] في حرب حزيران1967، إلى أن “الأماكن المقدسة في الضفة الغربية تمثل، اليوم، ذروة الجنون والشر والغباء”.

أما الجولان، فهي المنطقة الطبيعية الوحيدة المتبقية لدينا. لا يوجد فيها قبور مقدسة، أو مواقع هوس ديني أو عدد كبير من السكان المضطهدين والمتمردين (Shalev, 1994,  التشديد مضاف). وما يبدو طبيعياً لدة شاليف يعنى لا شك ما هو مألوف وغير موضع نزاع، أو كما وصف أحد الصحفيين الإسرائيليين الجولان بأنه، “إسرائيلي أكثر من إسرائيل ذاتها” (Shalev, 2010). ويقدم الصحفي الإسرائيلي البارز؛ ناحوم برنيع، وصفاً لافتاً حول سبب تحول مرتفعات الجولان إلى معنى موقع جغرافي “طبيعي”، حين كتب تحت عنوان: ” في البداية كان هناك خوف: “شكلت الهضبة السورية تهديداً ملموساً للوادي [الإسرائيلي]. وبالتالي حصل إبعاد لباقي السكان [السوريين]. كان طردهم ضرورياً. فالحركة العمالية [الإسرائيلية] لا تحتل سوى الأرض الفارغة. وحيث لا يكون الفراغ كاملاً، فهي تحرص على إكماله … “(Barnea, 1994).

وإذا ما وضعنا هذين الموقفين إلى جانب خريطة ستيورات، لا بد أن نسأل بصورة تلقائية ومهمة: هل ساهم التخلص من السكان السوريين في الجولان بخلق الإحساس المتخيل بإسرائيليته [أي الجولان]؟

انطلاقاً من هذا التساؤل، ومن الأبحاث الحالية، حول التطهير الإثني، سندرس، في الصفحات التالية، كيف يساعد الاكتمال النسبي للتطهير الإثني -أو عدم اكتماله- في تشكيل المناطق الجغرافية الاستعمارية. وسوف نزعم بوجود علاقة بين اكتماله النسبي ونوع الاستعمار الاستيطاني الذي ينتجه؛ حيث يخلق هذا الاكتمال شكلاً “منقحاً” من الاستعمار الاستيطاني يشبه الجغرافيا الاستعمارية لأمريكا الشمالية وأستراليا؛ ويتميز بالقدرة على تطبيع الفضاء موضع النزاع. وتكون التناقضات والتجاوزات، هنا، أقل وضوحاً بسبب القضاء التام تقريباً على السكان الأصليين وإعادة إنتاج المشهد المكاني عبر هذا التدمير الشامل لمساحات السكان الأصليين. وعلى النقيض من ذلك، ينتج التطهير الإثني غير الكامل أو الأقل اكتمالاً شكل “متوسط” من الاستعمار الاستيطاني على غرار الأنظمة الاستعمارية في روديسيا وجنوب إفريقيا؛ قبل أن يفقد المستوطنون مواقعهم في السلطة هناك، حيث تتميز عملية التطهير، هنا، بسلسلة تناقضات ناجمة عن عدم قدرة المستوطنين التامة بمنع وصول السكان الأصليين إلى الأرض، أي ما يمثل الهدف الأساسي للاستعمار الاستيطاني( (Rose, 1991(1).

ولا نقصد، بطبيعة الحال، بمصطلح التطهير الإثني معنى حملة إبادة جماعية، بل نعني به “سياسة هادفة تمارسها، بالعنف والوسائل المستلهمة من الإرهاب، مجموعة إثنية أو دينية للتخلص من المدنيين من جماعة إثنية أو دينية أخرى من مناطق جغرافية معينة” (United Nations, 1994)**. وبناءً على ذلك، يوجّه عنف التطهير الإثني نحو إفراغ مساحة معينة من سكان معينين (جماعات إثنية أو دينية) وسيكون التخلص المادي من السكان ذا بعد مكاني حيوية وجزءٌ من تعريف وهدف عنف التطهير الإثني. وعلى النقيض من ذلك يركز عنف الإبادة الجماعية على التخلص المادي الفعلي (القتل والإبادة) ويكون هدفه الإنسان المجسّد مادياً بصورة مباشرة، في حين يكون البعد المكاني له عرضياً رغم وجوده. ومن المثير للاهتمام، تشديد معظم الأدبيات الدراسية الأكاديمية  التي تناولت موضوع التطهير الإثني، على كيفية ارتباطه بانهيار الأجهزة والمؤسسات الحاكمة، كونه قوة دافعة ونتاجاً لكوارث خلقها الإنسان، لكن تلك البحوث لم تكرّس سوى اهتمام ضئيل حول هدف التطهير الإثني الضمني؛ أي تأمين وتطبيع نظام سياسي جديد داخل مستعمَرة أو منطقة متنازع عليها.

وسوف نزعم هنا على أهمية وحيوية درجة التطهير الإثني لفهم النظام السياسي الجديد حيث يساعد وجود -أو عدم وجود- “الآخر الأصلي” (Veracini, 2008) في تحديد التشكيلات المكانية والقانونية المنتجة داخل الإقليم المطهّر. وهذا بدوره يؤثر على تطبيع الإقليم الذي يعني إنشاء المساحة المعنية بوصفها حيز عادي ومألوف، وغير موضع نزاع في نظر غالبية السكان الذين يقفون إلى جانب تنفيذ عملية التطهير.

وسوف نستفيد، بهدف تعزيز هذه الحجة، من الأدبيات التي درست الاستعمار الاستيطاني؛ وسنعتمد على مقولات باتريك وولف بهذا الشأن (1999, 2006)؛ باعتبار  أن الاستعمار الاستيطاني يمثل بنية، وكذلك مقولات كارولين إلكينز وسوزان بيدرسن (2005) بأن هذه البنية غير متجانسة، بل تأخذ أشكالًا مختلفة وتعمل بطرق متنوعة وفقاً للظروف التي أنتجتها (Elkins & Pedersen, 2005). وعلى عكس إلكينز وبيدرسن اللذان يسلطان الضوء على المظاهر البنيوية المختلفة للمجتمعات الاستيطانية مثل سوية سيطرة المستوطنين وامتيازاتهم، سوف نؤكد أن اكتمال التطهير الإثني نسبياً أو عدم اكتماله يلعب دور حيوي في تحديد التركيبة الخاصة للجغرافيا الاستعمارية وكذلك الإطار القانوني الذي يتم إدخاله وتبنيه في المنطقة. وبتعبير أدق، يشكل اكتمال التطهير الإثني أو عدمه البنية الفعلية -سواء كان منقحاً أو وسيطاً- للجغرافيا الاستعمارية من خلال تشكيل: 1) الطريقة المحددة لإعادة إنتاج الفضاء. 2) النظام القانوني الذي سيتأسس داخل هذا الفضاء.

ومن الأهمية بمكان القول طالما أن التطهير الإثني لا يعبّر “حادثة واحدة منفردة” (Wolfe, 2006, 388) فسوف تتغير سيولة البنى الاستعمارية النسبية مع الوقت وفقاً لكمية ونسبة التطهير الإثني خلال فترة زمنية معينة. ومن أجل كشف هذه الميزة الأقل شهرة -ولكنها الأكثر إزعاجا- للتطهير الإثني؛ سنقارن بين منطقتين احتلتهما الدولة ذاتها خلال حملة عسكرية واحدة (حرب حزيران1967): هضبة الجولان السورية والضفة الغربية الفلسطينية. فمن بين 128 ألف سوري كانوا يعيشون في الجولان قبل الحرب، بقي فقط نحو 6500؛ أو 5% من مجموع السكان (Golan Archive [GA], 1969; Kipnis, 2013, 56–60). وكان يعيش في الضفة الغربية قبل الحرب، ما يقرب من 850 ألفاً، بقي منهم نحو 600 ألف؛ أو 70% من عدد السكان (Ennab, 1994; ICBS, 1967, at Perlmann, 2011). وسوف نجادل، بالتركيز على إعادة الإنتاج المكاني وقوة القانون، بصفتهما موقعي إدارة اجتماعية مرتبطين بشكل معقد، بأن اكتمال التطهير الإثني أو عدمه لا يشكل الجغرافيا الاستعمارية فقط، بل يؤثر أيضاً في القدرة على تطبيع المساحات الاستعمارية. وسنوضح كيف ساعد نطاق التطهير الإثني في مرتفعات الجولان، على وجه التحديد، في إنتاج نمط منقح من الاستعمار الاستيطاني، في حين أنتج التطهير الإثني الجزئي في الضفة الغربية شكلاً وسيطاً منه. وتتيح مقارنة تقنيات السيطرة الحكومية في المنطقتين فهم تأثير التطهير الإثني على الجغرافيات الاستعمارية الاستيطانية وأشكال الإدارة المكانية والاجتماعية.

التطهير الإثني

قام المعلقون الغربيون، خلال الحرب الأهلية الوحشية المديدة في يوغوسلافيا السابقة (1992-1995)، بترجمة ونشر العبارة الصربو-كرواتية”etnicko čišćenje” بالمرادف الإنكليزي ” Ethnic cleansing”***التي سرعان ما انتشرت دولياً سواء في الوسط الأكاديمي أو بين العموم (Petrovic, 1994, 343). وبغض النظر عن التعريف المقتضب المذكور أعلاه وحقيقة أن التطهير الإثني يتحقق دائماً عن طريق العنف والخوف والإرهاب، تختلف الأسباب التي أدت إلى تنفيذه وطريقة ونطاق ومدى تنفيذه اختلافاً كبيراً من حالة إلى أخرى، (Mann, 2005). ويمكن للتطهير الإثني أن يحدث داخل الدولة أو عبر الحدود الدولية، ويمكن أن يتكشف في غضون فترة زمنية قصيرة أو في سياق عملية طرد بطيئة وقاسية (Bell-Fialkoff, 1996). وبغض النظر كيف ومتى وأين يتم تنفيذه ومن يقوم به؛ يتأسس التطهير الإثني على فرضية تزعم بوجوب طرد جماعة إثنية معينة من فضاء معين يتم إعادة تشكيله، في الغالب، كجزء من وطن إثني آخر(Naimark, 2001). غير أن الطرد ليس سوى جانب من عدة جوانب للعملية، ومن السمات البارزة الأخرى للتطهير إنشاء خطط متعمدة لمحو، بالمعنى الحرفي تماماً، أي دليل على وجود السكان المطرودين أو المقرر طردهم؛ ويتحقق ذلك، في حالات كثيرة، بتدمير بيئتهم المعيشية، وطمس أي علامات قد تدل على ثقافتهم وتاريخهم(Doel & Clarke, 1998; Tyner, 2014). وكما سنوضح أدناه، تعتمد قدرة محو الثقافة والتاريخ وإعادة تشكيل الجغرافيا على مدى اكتمال التطهير الإثني المنفّذ.

ويرتبط التطهير الإثني بالاستعمار الاستيطاني، لأن هذا الأخير يتأسس وفقاً لمبدء الاستحواذ على الأرض عن طريق محو “الآخر الأصلي” منها (Rose, 1991; Veracini, 2010; Wolfe, 1999)، بينما تتم إعادة استيطان الأرض المنهوبة من قبل جماعات إثنية أخرى. ويمكن تنفيذ الاستعمار الاستيطاني بالترحيل القسري لمواطني الدولة المستعمَرة، أو بالحركة المتعمدة للمستوطنين داخل الإقليم، أو بمزيج من الاثنين معاً (McGarry, 1998). ويتم، عادة، تنفيذ عمليات إعادة الاستيطان لمنع عودة السكان المطرودين (O’Tuathail & Dahlman, 2006). ولا نعدم ظهور مبررات سردية تؤكد على العلاقة التاريخية (التي كثيراً ما تكون علاقة مصطنعة بصورة منقحة ومتكررة) بين إثنية المستوطنين والمساحة المطهرة، كهدف للعملية الاستيطانية بشكل عام للتخلص من الفراغ الديموغرافي الناتج عن التطهير (Kaufman, 2001)

على الرغم من عدم الاستخدام الواسع لمصطلح التطهير الإثني إلا في التسعينيات، فيما يتعلق بالبلقان وناغورنو كاراباخ (Rieff, 1997) ورواندا(White, 2009)، فقد اكتسب زخماً وقوة جذب كبيرة حيث زاد عدد الباحثين الذين استخدموه وطبّقوه في تحليلاتهم للأحداث التاريخية التي تميزت بالترحيل القسري للسكان؛ مثل-لا على سبيل الحصر- طرد الأمريكيين الأصليين من أراضيهم (Anderson, 2005)، ونقل المسلمون العثمانيون من البلقان( (McCarthy, 1995وتهجير اليهود وجماعات الغجر من مواقع مختلفة في أوروبا خلال الحرب العالمية الثانية (Solonari, 2010). ويشير مايكل مان (2005) في دراسته الواسعة عن التطهير الإثني والديمقراطيات إلى الدوافع القومية وراء العملية بهدف خلق مساحة أو منطقة أو إقليم يمكن التعبير عنه والسيطرة عليه لصالح شعب معين يعتمد على “نسق إثني” ethnos محدد****.

بالإضافة إلى ذلك، يمكن العثور على حالات سجال عديدة حول التوصيف الدقيق للتطهير الإثني وعلاقته بأشكال أخرى من العنف المنهجي مثل الإبادة الجماعية أو الإبادة الإثنية أو السياسية (Sjoberg, Gill, Williams, & Kuhn, 1995)، وثمة ملاحظة منهجية مهمة وثيقة الصلة ببحثنا ضمن هذه الأدبيات الواسعة، مثل التأكيد، بناء على أبحاث O’Tuathail and O’Loughlin (2009)، بوجوب اعتبار التطهير الإثني شكلاً من أشكال الجيوبوليتيك الساعية إلى تأسيس نظام مكاني قائم (انظر أيضاً Wood, 2001)، وبناءً عليه نقترح تأثير درجة اكتمال التطهير الإثني النسبي، أو عدمه، في بنية النظام الاستعماري الاستيطاني لأنها تؤثر في إنتاج الفضاء، وأشكال إدارة السكان (Foucault, Senellart, Burchell, Ewald, & Fontana, 2009) وهياكل العنف التي يتم فرضها، مما يقدم تفسيراً لسبب فرض تقنيات بيوسياسية biopolitics مختلفة في مناطق مختلفة.

بعبارة أخرى، تميل درجات مختلفة من التطهير الإثني لإنتاج مناطق جغرافية استعمارية وأنظمة بيوسياسية مختلفة. ونعني بمصطلح البيوبوليتيك biopolitics (Foucault, 2003) شكلاً من أشكال الحكم الذي يتم تطبيقه على السكان ككل.

لا تحلَ البيوبوليتيك محل نشر السلطة السيادية أو الانضباطية، ولكنها تعمل، بعكس السلطة الانضباطية، على نطاق مختلف بتطبيق سلسلة أدوات متميزة، كما أنها تعبر أيضاً عن سياسات من طبيعة مستمرة ومنتشرة، ولكن إذا كان الانضباط يسعى إلى إدارة الفرد بوصفه موضوعاً؛ فالبيوبوليتيك تدير الفرد فقط بقدر ما هو أو هي عضو في جماعة سكانية. وتستخدم السلطة في الحيز البيولوجي Biopower مجموعة مؤسسات تنسق وتنظم الرعاية الطبية، وخدمات الرعاية الاجتماعية، والاقتصاد، وما إلى ذلك، بينما تعمل على تكوين وتقييد المجال السياسي وتوحيد، بمعنى تطبيع، المعرفة. وتستخدم البيوبوليتيك لإدارة السكان، الأجهزة الإحصائية والأساليب العلمية وكذلك آليات المراقبة، وتقيس وتتدخل في مجموعة من العمليات المتعلقة بمعدل الوفيات، وطول العمر، وخصوبة السكان، والنظافة، واللقاحات، والأمراض المنتشرة بين السكان، ومعدلات المواليد والبطالة، وتوزيع العمالة من حيث العمر والجنس وقطاعات العمل، والدخل الفردي، وما إلى ذلك.

وسوف نزعم هنا أن اكتمال التطهير الإثني أو عدمه وهدم البيئة المبنية، وهما أشكال من العنف السيادي، شكّل الطرق التي تمارس من خلالها البيوبوليتيك في كل منطقة.

ونمثل ذلك تأسيساً على مجموعة كبيرة من الأدلة التجريبية حول احتلال إسرائيل لمرتفعات الجولان والضفة الغربية. وتشمل مصادرنا مواد أرشيفية من دولة إسرائيل (ISA)، والجيش (IDFA)، والأرشيف الصهيوني المركزي (CZA) وأرشيف الجولان (GA) بالإضافة إلى التعداد السكاني الذي أجرته إسرائيل في الضفة العربية بعد بضعة أسابيع من الحرب. بالإضافة إلى ذلك، اطلعنا على عشرات التقارير العسكرية وتقارير الأمم المتحدة وحقوق الإنسان المنشورة منذ العام 1967، وراجعنا أرشيف أربع صحف يومية: دافار، وهآرتس، ويديعوت أحرونوت، ومعاريف؛ بالإضافة إلى العديد من استطلاعات الرأي العام. وأخيراً، نستخدم أيضاً نتائج ورؤى المجموعة الهائلة من المؤلفات العلمية التي تم نشرها حول هاتين المنطقتين على مر السنين.

التطهير الإثني في هضبة الجولان والضفة الغربية

بينما يركز تحليلنا على الفترة التي تلت حرب 1967، لا يمكن فهم التحقيق الذي أعقب ذلك بشكل كافٍ دون الاعتراف بالصلة الوثيقة بين السياسات الإسرائيلية في الضفة الغربية ومرتفعات الجولان والتطهير الإثني أثناء حرب العام 1948 وأعقابها (Abu-Lughod, 1971; Khalidi, Elmusa, & Khalidi, 1992; Sa’di & Abu-Lughod, 2007). وكان حينها يعيش حوالي 750.000 من أصل 900.000 فلسطيني فيما أصبح إسرائيل، إما فرّوا أو نزحوا قسراً عبر الحدود الدولية (Morris, 1987, 1988; Pappe, 2006a, 2006b). Top of Form

وقد ناقش العديد من الباحثين عملية إبعاد الفلسطينيين من المساحة التي أصبح إسرائيل (Falah, 1996, 2003) ووضعوا هذا العمل ضمن المسار الأوسع للإيديولوجية الصهيونية (Shafir & Peled, 2002) وسياسات التهويد التي وجهت دفة صناع القرار الإسرائيليين (Rishmawi, 1987; Yiftachel & Rumley, 1991). وتضمنت هذه السياسة عدة عناصر، بما فيها مصادرة الأراضي الفلسطينية وحصر من بقي في إسرائيل ضمن مناطق معينة ومحدودة (Falah, 1991; Forman & Kedar, 2004; Robinson, 2013; Shai, 2006; Yiftachel & Yacobi, 2004). ويبرز الباحثون كذلك جهود إسرائيل للحفاظ على نظام ديمقراطي قائم على أساس إثني مستدام وقابل للحياة، والذي يصفه البعض بالنظام الإثنوقراطي (Yiftachel, 2006) ويصفه آخرون بنوع من “ديمقراطية استعمارية” (Gordon, 2010). ومن ثم، تأسست عملية إعادة البناء المكاني للفضاء الإسرائيلي قبل العام 1967 فعلياً على نموذج استعماري استيطاني يتم بموجبه اختزال الآخر الأصلي إلى بقايا “يمكن التحكم فيها” (Veracini, 2011).

وعلى ضوء ذلك، ليس من المستغرب تماماً قيام إسرائيل بعد احتلالها مرتفعات الجولان (أو الهضبة السورية، كما كان يشار إليها في إسرائيل في ذلك الوقت)، بتقليص عدد السكان الأصليين بشكل كبير (Harris, 1978; Ram, 2014, 2015). وكان تكتيكها الرئيسي يعتمد على الترهيب والتخويف، وفي بعض الأحيان، الإجلاء القسري للسكان المتبقين في الجولان بعد انحسار القتال (Harris, 1980; Murphy & Gannon, 2008). علاوة على ذلك، تعرض السكان الذين تم القبض عليهم وهم يحاولون العودة إلى قراهم  للمثول أمام المحاكم العسكرية؛ ومن ثم ترحيلهم (Israel Defence Force Archive [IDFA], 1967a). وهكذا، في غضون شهرين بعد احتلال مرتفعات الجولان، بقي 6404 سورياً فقط في منطقة كان يسكنها حوالي 128000 شخص قبل الحرب (Kipnis, 2013, 56–60; Israel Defence Force Archive [IDFA], 1967b; Israel State Archive [ISA], 1967a, 1967b)، بما يشير إلى إبعاد ما يقرب من 95 % من السكان. وخلق هذا الوضع ظروف ملائمة لتنفيذ شكل متطور ومنقح من الاستعمار الاستيطاني. وساهم، كما سنرى، في إدخال تقنيات بيوسياسية أكثر ليبرالية للسيطرة على السكان، والتي نعني بها، وفقاً لفوكو، تدخلاً أقل، وحرية حركة أكثر، وترك الأمور “تسير وفقاً لتطور الواقع [الاستعماري] وتتبع مساره الخاص حسب قوانين ومبادئ وآليات الواقع نفسه» (Foucault et al., 2009, 70). ويمكن للتقنيات البيوسياسية الليبرالية، كما يؤكد فوكو- وإن في سياق مختلف، الارتباط مباشرة بنشر أجهزة الأمن (dispositif)، حيث يعني الأمن إدارة حياة السكان بدلاً من الممارسات التأديبية التي تمارس على أجساد الأفراد.

وعلى النقيض من ذلك، كان يعيش في الضفة الغربية نحو 850 ألف فلسطيني قبل الحرب (Ennab, 1994؛ استناداً إلى استقراء التعداد السكاني الأردني عام1961)، في حين يشير التعداد الإسرائيلي الذي أجري في صيف العام 1967 إلى أن 599 ألف فلسطيني كانوا لا يزالون في المنطقة (ICBS, 1967, posted in full at Perlmann, 2011). وهذا يعني فرار أو طرد ما يقرب من 250 ألف نسمة، أو ما يعادل 30 % من السكان، إلى الأردن خلال الحرب والفترة التي أعقبتها مباشرة، في حين لم يُسمح  إلا بعودة 17.000 شخص في نهاية المطاف (Gazit, 1995). ومن ثم، أنتجت هذا المجال شكلاً وسيطاً من الاستعمار الاستيطاني. وكما سنبين، كانت التقنيات البيوسياسية المستخدمة ذات طابع غير ليبرالي، في الغالب.

التطهير العرقي والجغرافيا الاستعمارية

إعادة إنتاج الفضاء المكاني

بدأ إنتاج الفضاء في مرتفعات الجولان بعملية تدمير جماعية شاملة، كما هو الحال غالباً في أشكال التطهير الإثني المنقحة للاستعمار الاستيطاني. وقامت سلطة المحميات الطبيعية الإسرائيلية، فور انتهاء الحرب، بإعداد قائمة بقرى الجولان المهجورة المخصصة للحماية وتسليمها إلى سلطة الأراضي (Israel State Archive [ISA], 1967a, 1967b, 1967c, 1968). ومن أصل 139 قرية زراعية عربية و61 مزرعة فردية تم تسجيل سبع قرى من فترة ما قبل الحرب لبقاء سكانها فقط (Golan Archive [GA], 1967; Israel Defence Force Archive [IDFA], 1967a). خلق الترحيل شبه الكامل للسوريين من مرتفعات الجولان خلال الحرب ظروف ملائمة للهدم المنهجي للقرى والمزارع والمنازل، في حين سهّل التدمير الواسع النطاق إعادة إنتاج الفضاء. وكان عمل التدمير الأولي هذا مشابهاً لتدمير البيئة العمرانية الفلسطينية بعد حرب العام 1948 وتشكيل المشهد الإسرائيلي في حدود ما قبل العام 1967 (Leshem, 2013). بمعنى آخر، خضعت المشاهد المكانية في الجولان لعملية “محو عنيف” (Tyner, 2014) لأن من طبيعة الاستعمار الاستيطاني “تدمير [المشهد المكاني القائم] ليحل محل ما دمره” كما يشير باتريك وولف (2006، 388).

وخلافاً لما هو حاصل في هضبة الجولان، ظلت الضفة الغربية مأهولة بالسكان، وبالتالي كان مدى الدمار أثناء الحرب وفي أعقابها مباشرة أكثر تقييداً، مما يمثل يعبر، إن جاز القول، عن شكلٍ وسيطٍ من أشكال الاستعمار الاستيطاني. ووفقاً للتعداد السكاني الإسرائيلي للعام 1967 – باستثناء القرى الثلاث في جيب اللطرون، والعديد من القرى الصغيرة، فضلاً عن مخيمات اللاجئين في وادي الأردن – لم يتم إخلاء جميع القرى الفلسطينية ومخيمات اللاجئين والبلدات التي يزيد عددها عن 300 قرية بالكامل (ICBS, 1967 posted in full at Perlmann, 2011) وظلت قائمة بعد الحرب. ويوثق آفي راز (2012، 103–136) عدة حالات من التدمير المكاني، مثل هدم أكثر من 40% من مساكن قلقيلية -نحو 850 منزلاً- بينما هدمت ثلث مباني قرية زيتا الواقعة قرب الخط الأخضر. وكانت أمثلة عمليات الهدم هذه جزءً من سياسة أوسع بهدف تطهير المنطقة المتاخمة للحدود الغربية من أكبر عدد ممكن من السكان. وعلى الرغم من أن إسرائيل انتهت إلى تدمير مئات إن لم يكن آلاف المنازل، إلا أن جميع البلدات والقرى القريبة من الحدود تقريباً ظلت سليمة في نهاية المطاف بسبب واقع عدم إخلاء سكانها بالكامل.

خدمت عمليات الهدم في كل منطقة أغراض مختلفة. وفي الضفة الغربية، نفذ التدمير المهمة المطلوبة منه، في المقام الأول، أي دفع السكان إلى مغادرة مناطق معينة؛ وفي حالة جيب اللطرون، من أجل ضمان عدم عودة المطرودين. وفي لجولان، كان الهدف منه ليس فقط ضمان عدم عودة السكان السوريين، ولكن أيضاً تشكيل الفضاء الاستعماري بطريقة جديدة. والأهم من ذلك، أن درجات الهدم المتفاوتة كان لها تأثير مباشر ليس فقط على الجغرافيا الاستعمارية لكل منطقة، بل أيضاً على الإطار القانوني وتقنيات البيوبوليتيك المدخلة. وبقدر ما يكون إنشاء المستوطنات ونقل المستوطنين إلى المساحات المستعمَرة جزءً من تقنيات  البيوبوليتيك (كما سنبين أدناه)، فيمكننا أيضاً تقدير كيف يحدد التطهير الإثني عمليات الاستيطان وكيف يؤثر، بهذه الطريقة، جزئياً في نظام البيوبوليتيك المؤسس.

كانت مرتفعات الجولان أول الأراضي التي استوطنها المدنيون الإسرائيليون بعد حرب حزيران 1967. فانتقلت، في بداية تموز من نفس العام، مجموعة من المستوطنين من حركة الكيبوتس المتحدة التابعة لحزب العمل إلى ثكنات سورية مهجورة (Gorenberg, 2006, 72–98). وفي غضون العقد ونصف العقد التاليين، تأسست 30 مستوطنة تأوي عدة آلاف من المستوطنين اليهود (يوجد حالياً 34 مستوطنة). وفي الضفة الغربية، بدأت عملية الاستعمار أيضاً بعد وقت قصير من الحرب. وخلال السنوات الأولى، تأسس ثلاثة أنواع من المستوطنات: القواعد العسكرية المدنية (أي المواقع العسكرية التي أقيمت على حدود إسرائيل وتحولت تدريجياً إلى مجتمعات زراعية مدنية)، والمستوطنات والأحياء الدينية في القدس الشرقية (التي بنيت على أراضٍ كانت جزء من الضفة الغربية قبل الحرب). وأنشأت قواعد عسكرية في وادي الأردن ومواقع استراتيجية أخرى، تحولت فيما بعد إلى مستوطنات مدنية يسكنها عادة يهود علمانيين تابعين لحزب العمل (Zertal & Eldar, 2007). وتعتبر هذه بمنزلة مستوطنات استراتيجية. كما تأسست المستوطنات الدينية في قلب الضفة الغربية. وهذه اعتبرت بمنزلة مستوطنات سياسية، لأن الدافع من ورائها مسيانياُ وليس عسكري، بعكس المستوطنات الاستراتيجية (Zertal & Eldar, 2007). ثالثاً، أقامت إسرائيل أحياءً يهوديةً في القدس الشرقية للحؤول دون انقسام المدينة شرقاً وغرباً ولتغيير التوازن الديموغرافي بين اليهود والفلسطينيين في المدينة (Mattar, 1983).

بدأت إسرائيل في نهاية السبعينيات إنشاء نوع رابع من المستوطنات يُشار إليها غالباً باسم “مستوطنات الضواحي suburban settlements”، لتلبية احتياجات  المواطنين الإسرائيليين من الطبقة المتوسطة الذين يعملون في المراكز الحضرية ويرغبون بتحسين نمط عيشهم (Newman, 1996). وبعد ذلك، في أوائل التسعينيات، أسست مدينتين أرثوذكسيتين متشددتين في الضفة الغربية (Mnookin & Eiran, 2005). وكان هذان النوعان الجديدان من المستوطنات على وجه التحديد هما اللذان جذبا الحركة الجماهيرية بعد أوسلو من إسرائيل إلى الضفة الغربية (Gordon & Cohen, 2012). أخيراً، في فجر الألفية الجديدة، بدأ المستوطنون المتدينون إنشاء بؤر استيطانية غير رسمية في أنحاء الضفة الغربية، وبينما تؤوي معظم البؤر الاستيطانية عدداً قليلاً من الأشخاص، فإنها في الواقع تعزز سيطرة إسرائيل على الأراضي المحتلة بشكل كبير (Mnookin & Eiran, 2005; Sasson, 2005). (المزيد عن هذا أدناه). ويوجد حالياً حوالي 120 مستوطنة يهودية وحوالي نفس العدد من البؤر الاستيطانية في الضفة الغربية (Peace Now Settlement Watch).

وفي حين قد يبدو بديهياً أن إنتاج الأراضي الفارغة -من خلال إخلاء مرتفعات الجولان والتدمير الشامل لها- من شأنه دفع إسرائيل لبناء المزيد من المستوطنات في تلك المنطقة، أي ما لا يقل عن أربعة أضعاف عدد المستوطنات المبنية في الضفة الغربية، إلا أنه في الواقع بني هناك عدد أقل بأربع مرات مما عليه الحال في الضفة الغربية، وهذا الفرق يصبح بارزاً بقدر ما تكون المستوطنات ليست مجرد صروح معمارية بل جزء من نظام بيوسياسي  يهدف إلى إدارة الآخر الأصلي. وبالتالي كان للدرجة المختلفة من الهدم في كل منطقة تأثير عميق على المناطق الجغرافية الاستعمارية وكذلك على الإطار القانوني والتقنيات البيوسياسية التي تستخدمها الدولة.

المستوطنون

تجدر الإشارة، في هذا السياق، إلى التباين المتعلق بعدد المستوطنين في كل منطقة. ففي العام 2013، كان يعيش 21,000 مستوطن في مرتفعات الجولان (ICBS, 2014)، مقابل 356,000 مستوطن في الضفة الغربية (ICBS, 2014) وما يقدر بنحو 200,000 مستوطن في القدس الشرقية المحتلة (Gordon & Cohen, 2012). وعادة ما يتم تقديم سببين لتفسير التباين بين المشروعين الاستيطانيين: الأسطوري والجغرافي. وعلى عكس الجولان، يُعتقد أن الضفة الغربية هي قلب أرض إسرائيل الكتابية، واعتبرت قطاعات معينة من السكان اليهود المتدينين انتصار إسرائيل في حرب عام 1967 بمثابة “بداية الخلاص” وفرصة لتحقيق رؤية إسرائيل الكبرى عبر مشروع استيطاني ضخم (Feige, 2009). وجغرافياً، تعتبر هضبة الجولان -بالمقارنة مع الضفة الغربية- بعيدة عن المركز الاقتصادي لإسرائيل، ويُفترض أن المسافة تشكل عائقاً لنقل عدد كبير من الأشخاص إلى تلك المنطقة (Kipnis, 2013). ومن المؤكد أن الأهمية الأسطورية “الخلاصية الأخروية” للضفة الغربية وقربها الجغرافي من وسط إسرائيل يساعدان في تفسير الفرق الكمي بين المشروعين الاستيطانيين.

ولكننا سنضيف كيف يفسر التطهير الإثني أيضاً الاختلاف في عدد المستوطنين في المنطقتين. ففي مرتفعات الجولان، لا يملك السكان الأصليون الكتلة المطلوبة لشن حملة انفصالية فعّالة، ونقل 21 ألف مستوطن كان كافياً لتأمين توازن ديموغرافي في المنطقة. ولذلك، تملك الدولة حافزاً ضئيلاً لنقل مزيد من المواطنين إلى هناك، وهو ما يتعاكس مع سياستها الضفة الغربية، حيث  كانت حركة الأعداد الكبيرة من المستوطنين تعمل بتوجيه واعٍ لمواجهة إرادة السكان الفلسطينيين الأصليين ضد إقامة دولتهم داخل هذه المنطقة (Ministry of Agriculture, 1983)، وترافق هذه الحركة مع سياسات استغلال الدولة للمستوطنين اليهود -بقصد أو بغير قصد- كتقنية مدنية للسيطرة البيوسياسية (Gordon, 2008a, 2008b).

وفي حين يمكننا الافتراض بأن التطهير الإثني من شأنه تحفيز نقل السكان من الدولة الأساسية إلى “المنطقة الفارغة”، فإن الحالتين تشيران إلى احتمالية تحقيق دينامية معاكسة أيضاً؛ أي أن وجود السكان الأصليين قد يدفع الدولة الأم إلى نقل مواطنيها إلى المنطقة المستعمَرة حديثاً. ومن ثم، وعلى الأقل في الحالة الإسرائيلية، كان لدرجة التطهير الإثني تأثير عكسي على جهود الدولة المركزية لتنفيذ مشروعها الاستيطاني. وبقدر ما يُنظر إلى السكان المستوطنين بصفتهم جزء من تقنية السيطرة الأصلية (وليس مجرد وسيلة لاستغلال الموارد)، فكلما استنزفت المساحة من سكانها الأصليين، قل الجهد المبذول لملئها بالمستوطنين. وهنا يمكننا تحديد العلاقة المباشرة بين السياسات داخل الخط الأخضر والمناطق المستعمَرة بعد العام 1967.

وكما ذكرنا أعلاه، بذلت الحكومة، خلال الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، جهوداً منسقة لنقل يهود إسرائيليين إلى الجليل حيث شكّل الفلسطينيون (الذين بقوا بعد حرب 1948) أغلبية كبيرة (Falah, 1991)، ولكن في ذلك الوقت لم يكن هناك جهد كبير لاستيطان النقب بسبب استنزاف سكانه البدو أثناء الحرب وبعدها لتناقض عددهم من 110.000 إلى نحو 11.000 شخص (Nasasra, 2012). ومع ذلك، تسارعت، في الوقت الحالي، الجهود المبذولة لتهويد النقب لأسباب عديدة ليس أقلها  ارتفاع معدل المواليد بين السكان البدو، مما رفع عددهم بشكل كبير إلى أكثر من 220,000 (ICBS,2014). وبعبارة أخرى، تتضح العقليات الاستعمارية ذاتها التي شكلت الحدود الداخلية لإسرائيل بعد العام 1948 (Yiftachel & Segal, 1998) في الأراضي التي استعمَرتها الدولة بعد العام 1967.

المستوطنات الاستعمارية

لم تستلهم عملية التطهير الإثني أداءها من أعداد المستوطنين وعدد مواقع الاستيطان فقط، ولكن أيضاً من تخطيط هذه المواقع  من خلال الطوبوغرافيا وحتى من خلال هندسة المباني. وقد تحدد تخطيط المستوطنات في مرتفعات الجولان وفقاً لاعتبارات اقتصادية في بادىء الأمر (Harris, 1980; Kipnis, 2013). وأقيمت الكيبوتسات بشكل رئيسي في الشمال والقرى التعاونية (موشافيم) في الجنوب حيث كانت التضاريس ملائمة أكثر للزراعة (Ram, 2015). وفي مرحلة لاحقة فقط تأسست أعداد من المستوطنات وسط المنطقة وعلى مقربة من الحدود حيث كانت الزراعة محدودة بسبب التضاريس. ويقول فريدي كاهانا، المهندس المعماري الذي خطط لكيبوتس ميروم جولان، وهو أول مستوطنة تم إنشاؤها في للجولان، في مقابلة تعود للعام 2000 إن الناس أرادوا في البداية بناء الكيبوتس على قمة تلة بركانية، لكنه قرر دمج الكيبوتس حيث تكون ” الأرض أقرب ما يكون إلى المنحدرات، وبهذه الطريقة تؤمن البيئة المبنية حماية من القصف السوري المحتمل (Azoulai, 2000). ويفسر ذلك بقوله أن ميروم الجولان لم يكن بالتأكيد مبني على فكرة الحصن. لقد كان مستوطنة عادية، في ظروف عادية، ودفاعاتها ليست بيدها. ولم تكن المنطقة معادية، وكان العدو يقع على بعد خمسة كيلومترات من الحدود، وفي مواجهة العدو كانت هناك سلسلة من الدبابات الإسرائيلية. لم نقم بإنشاء مستوطنة محاطة بجدار تعتمد عليه للدفاع عن نفسها بعدد قليل من البنادق. لقد فكرنا فقط في كيفية وصول الأشخاص والأطفال إلى الملجأ إذا ما تعرضت المستوطنة للقصف (Azoulai, 2000, 45).

ميروم الجولان في مرتفعات الجولان. المصدر Yuval Nadel.

افتراض كاهانا الأساسي هو أن مرتفعات الجولان خالية من السكان الأصليين الآخرين. والأعداء الذين يشير إليهم هم السوريون المتواجدون عبر الحدود الدولية. ومن ثم، لا يُنظر إلى المستوطنة على أنها تقنية بيوسياسية تهدف إلى إدارة السكان الأصليين أو السيطرة عليهم. علاوة على ذلك، تمثل المشاهد المكانية المفتوحة في الجولان الخالية من نقاط التفتيش سمة من سمات الشكل المنقح من الاستعمار الاستيطاني. أما في الضفة الغربية فقد كانت وظيفة المستوطنات مختلفة تماماً. وعلى عكس ميروم جولان، فقد بنيت معظمها على قمم التلال المطلة على القرى الفلسطينية (لاحظ أن تضاريس المنطقتين مختلفة أيضاً) بحيث يمكن استخدامها آليات مراقبة مدنية (B’Tselem, 2002). وتشكل المناطق المبنية في المستوطنات بحد ذاتها أقل من 2% من مساحة الضفة الغربية، لكن حدودها الإقليمية والبلدية تشكل حوالي 42% من الأراضي. وقد أنشأت هذه الحدود لتقييد تحركات الفلسطينيين وتقويض تنميتهم. حيث يُمنعون، ببساطة، من استخدام “أراضي المستوطنات” للزراعة أو لتوسيع بيئتهم المعيشية، بل ويُمنعون من دخول أجزاء كبيرة من هذه المنطقة، مما يعيق قدرتهم على التنقل حتى داخل الضفة الغربية (B’Tselem, 2002, 116). وفي العام 1980، أوضحت حركة المستوطنين أن “سيطرتهم على منطقة ما لا تعتمد فقط على حجم السكان الذين يقيمون داخل المنطقة، ولكن أيضاً على حجم المنطقة التي يمارس فيها هؤلاء السكان نفوذهم” (Ministry of Agriculture, 1983).

تشير أنماط مستوطنات الضفة الغربية، وفقاً لـ إيال وايزمان (2007، 139-161)، إلى ثلاثة أصول استراتيجية: قوة تكتيكية أكبر، وحماية ذاتية، ورؤية أوسع. تم تحديد توزيع وتخطيط وتصميم المستوطنات المعماري من خلال مبادئ عسكرية استراتيجية بحيث تظهر على هيئة: “فعل بسيط للحياة المنزلية، منزل العائلة الواحدة المكسو بواجهة حمراء تجميلية ومحاط بمروج خضراء، بما يتوافق مع أهداف التحكم الجغرافي”؛ والسيطرة الاجتماعية. وأدمجت الوظيفة الاستراتيجية للمستوطنات في توزيعها وموقعها الطوبوغرافي بحيث أنشأت «شبكة مراقبة» تطل على شوارع المرور الرئيسية في الضفة الغربية (Segal & Weizman, 2003, 85–86). وأدت الرغبة القصوى في مراقبة حركة السكان الفلسطينيين الأصليين إلى إملاء طريقة تصميم المستوطنات، وصولاً إلى استغلال وضعية نوافذ المنازل، مما يعني تحول المستوطنات إلى «أجهزة بصرية، مصممة لممارسة السيطرة من خلال الإشراف والمراقبة» (Segal & Weizman, 2003, 24).

وبالتالي، تشكلت الجغرافيا الاستعمارية في الضفة الغربية من صناعة بيوسياسية بهدف جعل كتلة السكان المحتلة مرئية وسهلة الانقياد. وتستخدم المستوطنات لرصد ومراقبة الفلسطينيين الذين يعملون في الحقول؛ أو الذين يسافرون على الطرق المتاخمة، وهي بهذا تعمل كأبراج رقابة بانوبتيكيةpanopticon *****. وفي الواقع، كما يوضح أرييل هاندل (2013)، تعمل الطرق التي تربط المستوطنات أيضاً كآلية معقدة للسيطرة والرقابة الاجتماعية. ومن المفارقات أن المستوطنات والطرق هي نموذج أكثر دقة لمفهوم فوكو للمراقبة من برج البانوبتيكون (المثال الذي يستخدمه) لأن نظرة هذه المستوطنات ليست مركزية؛ مثل السلطة التي يتحدث عنها فوكو، فالمستوطنات، بصفتها أبراج مراقبة، لا تقع في موقع واحد محدد، بل هي منتشرة بشكل تشعبي ومتناثرة في أرجاء الطوبوغرافيا المطلة على السكان المحليين من العديد من المواقع (Foucault, 1977).

وأخيراً، من المهم الإشارة إلى امتلاء المشاهد المكانية في الضفة الغربية، كما هو الحال غالباً  في الشكل الوسيط للاستعمار الاستيطاني، بنقاط التفتيش والحواجز الإسمنتية والسواتر الترابية، بينما يفصل جدار طوله 617 كيلومتراً بين الأراضي “الستينية” المستعمَرة وإسرائيل “الأربعينية” (Sorkin, 2005). وتتمثل أهمية هذه العقبات في سياق هذا المقال بتأمل الأساس المنطقي الذي يبرر نشر نقاط التفتيش وبناء الجدار (الذي هو في حد ذاته شكل من أشكال العنف) بصفته احتياج ضروري لحماية اليهود الإسرائيليين من الآخرين الأصليين (Amir, 2013). تم بناء جزء من جدار الضفة الغربية على الحدود الدولية، لكن جزءً منه بني في عمق الأرض الفلسطينية المستعمَرة. وبالتالي، فهو يمثل أيضاً تقنية أخرى لمصادرة الأراضي الفلسطينية، حيث يعزل الفلسطينيين عن حقولهم ومدارسهم وأماكن عملهم ومستشفياتهم (Hatuka, 2012). وهو أيضاً مثال رئيسي على كيفية استمرار درجة التطهير الإثني في إثراء إنتاج الفضاء وهياكل العنف حتى بعد عقود من تنفيذه. وبهذا المعنى، فإنه يؤكد ادعاء سيمون سبرينغر (2009) بأن أعمال العنف لا تقتصر على أماكن محددة أو على فترة زمنية محددة. وفي الواقع، يحدث التطهير الإثني، مثل أشكال العنف الأخرى، ليس فقط داخل المكان ويحل محله، ولكنه يساعد أيضاً في تحديد (إعادة) خلق الفضاء على مدى فترة زمنية طويلة.

وتكشف هذه المقارنة السريعة كيف أن اكتمال التطهير الإثني أو عدمه في كل منطقة يحدد وظيفة المستوطنات (والطرق)، ويحكم الطريقة التي صممت وخططت فيها، ومحيطها  الطبوغرافي، وحتى تصميم الأبنية المعمارية داخل المستوطنات وخارجها. وفي مرتفعات الجولان، تعين موقع المستوطنات بشكل أساسي بناء على اعتبارات اقتصادية وقضايا تتعلق بالوصول الطبوغرافي وموقع العدو الخارجي (أي سوريا) ولم يتم تصورها بصفتها تقنية بيوسياسية تم تطويرها للسيطرة على السكان الأصليين. أما في الصفة العربية فالأمر مخالف تماماً، فقد صممت المستوطنات  بصفتها وسائل بيوسياسية لتسهيل السيطرة على مساحات شاسعة من الأراضي ومراقبة الفلسطينيين الأصليين. ومن المثير للاهتمام، أن التشكيل المكاني للمستوطنات في الضفة الغربية استنبط وفقاً لمعايير مماثلة وجهت إنشاء الميتزبيم mitzpim [ بمعنى نقاط المراقبة] والمدن في الجليل بين الخمسينيات والسبعينيات. فعلى سبيل المثال، صُممت بلدة كريات أربع المطلة على الخليل على غرار بلدة الناصرة الفوقا اليهودية الواقعة فوق المدينة الفلسطينية في الجليل (Zertal & Eldar, 2007, 22).

سيادة القانون وأساليب الحكم

بعد الحرب، أعادت إسرائيل تطبيق القوانين العثمانية والانتدابية البريطانية والمصرية والأردنية التي كانت سارية من قبل في كل منطقة من المناطق التي احتلتها، وعلى مر السنين، أضافت مجموعة من الأوامر العسكرية إما لتحل محل القوانين القائمة أو لإضافة قوانين جديدة (Ben-Naftali, Gross, & Michaeli, 2005). والفرق بين مرتفعات الجولان والضفة الغربية هو تركيز الحاكم العسكري للجولان، حيث كان التظهير الإثني شبه كامل، على سن القوانين، وإصدار مراسيم تفرض بحكم الواقع قانوناً مدنياً إسرائيلياً على الجولان وتتجاهل تماماً تقريباً القوانين السورية التي كانت قائمة قبل الاحتلال (Murphy & Gannon, 2008). وفي الضفة الغربية، حيث ظل معظم السكان الأصليين في مكانهم، نشهد أهمية الحفاظ على القانون؛ ومن ثم فإن هذه حالة الضرورة والطوارئ لا تزال قائمة، ولم يصدر أي مرسوم يفرض القانون المدني، واستخدمت القوانين العثمانية والأردنية إلى جانب الأوامر العسكرية (Gordon, 2008a, 2008b). وبالتالي، يبدو أن هناك علاقة بين درجة التطهير الإثني والتشكيل الدقيق للقوانين والحفاظ عليها ووضعها في الفضاء المستعمَر (Benjamin, 1978).

ويستند الأساس المنطقي لتطبيق القانون المدني من خلال المراسيم العسكرية في مرتفعات الجولان (سن القوانين)، التي كانت جزءً من استراتيجية التطبيع، إلى افتراض أن مرتفعات الجولان مساحة فارغة وخالية من السكان. وكطريقة لتبرير استراتيجية سن القوانين، ادعى الممثلون الرسميون أنه لم يكن يوجد في الجولان سوى حفنة ضئيلة من أحكام حكومية أو قانونية (Levi, 1982, 104). ويردد مزاعم عدم وجود قانون في الجولان صدى فكرة «الفراغ» المشار إليها في بداية هذه المقالة ويساعد في التعتيم على الديناميات ذاتها التي حولت الهضبة إلى حيز خالٍ من القوانين.

أما في الضفة الغربية، لم تكن هناك نية لدمج السكان في إسرائيل نفسها (حدود ما قبل عام 1967) لأن 600000 فلسطيني يقيمون في المنطقة يشكلون تهديداً للأغلبية السكانية اليهودية التي كانت القيادة الصهيونية مصممة على الحفاظ عليها. وبالتالي، لم تفرض إسرائيل أبداً قوانينها المدنية الخاصة على السكان الفلسطينيين وبدلاً من ذلك استخدمت القوانين العثمانية والأردنية بالإضافة إلى آلاف الأوامر الصادرة عن الحاكم العسكري لإدارتهم (Shedadah, 1985). كما أنشأت إسرائيل محاكم عسكرية بدلاً من المحاكم المدنية في الجولان (Hajjar, 2005, 132–154). وكان هذا النظام القانوني العسكري القائم على الحفاظ على القوانين وإصدارها بمثابة الأساس الذي خدم جميع الأجهزة والممارسات الحاكمة تقريباً، وشكل نطاق وإطار عملياتها من نواح كثيرة (Gordon, 2008a, 2008b). وهكذا أنشئ كل نظام قانوني وفقاً لدرجة التطهير الإثني، وشكل بدوره وسائل وأساليب الحكم التي أنشئت في الإقليمين المستعمَرين.

بشكل عام، عندما تكون نسبة كبيرة من السكان داخل المنطقة المستعمَرة من السكان الأصليين، يمكننا أن نتوقع فرض نظام قانوني أقل ليبرالية وتقنيات بيوسياسية؛ وهذا هو أيضا ما يميز شكل وسيط من أشكال الاستعمار الاستيطاني، بدلاً من الشكل المنقح.

على عكس الفلسطينيين في الضفة الغربية، سُمح للدروز السوريين بأن يصبحوا مقيمين إسرائيليين مباشرة وحصلوا على العديد من المزايا المرتبطة بالمواطنة الكاملة. وبحلول شباط 1968، كان نظام التصاريح في الجولان قد خفف إلى حد كبير. لم يعد السكان بحاجة إلى إذن رسمي لدخول إسرائيل أو التنقل، وسمح لهم ببيع منتجاتهم الزراعية للإسرائيليين دون وسطاء حكوميين بينما تمت معادلة أجورهم مع أجور نظرائهم الإسرائيليين (Dar, 1968; Haaretz, 1967). وبالإضافة إلى ذلك، تم دمج سكان الجولان بنظام التأمين الصحي الوطني والضمان الاجتماعي، وتمتعوا بحزمة حقوق سياسية كالانضمام إلى منظمات مختلفة مثل نقابات العمال والأحزاب السياسية (Dar, 1973).

استمر الدروز السوريون، خلال السنوات الأربع عشرة الأولى، في العيش في ظل حكومة عسكرية، صادرت أحياناً أراضيهم وطبقت استراتيجيات قسرية مثل الاحتجاز الإداري، لكنها كانت مع ذلك أكثر ليبرالية بكثير من الحكومة العسكرية في الضفة الغربية(2).

وكما أعلن أحد المراسلين الصحفيين في العام 1971 “كانت الحكومة العسكرية [في مرتفعات الجولان] حتى الآن الأكثر ليبرالية من بين جميع الحكومات العسكرية [الإسرائيلية] في الأراضي [المحتلة]. لقد احترمت الدروز، وأتاحت لهم حرية التنقل الكاملة، ووفرت لهم الفرص المهنية داخل إسرائيل، وزودت القرى بالكهرباء، ورصفت الطرق، وقدمت لهم الخدمات الصحية ” (Tzidkoni, 1971). وبما أنه لم يبق سوى بضعة آلاف قط منهم، فهم لا يشكلون تهديداً ديمغرافياً ليهودية للدولة. وبالتالي، ستكون إسرائيل على استعداد، في نهاية المطاف، لدفع ثمن منحهم الجنسية مقابل تطبيع دمج المنطقة في الدولة. وفي كانون الأول1981، ضمت إسرائيل الجولان من جانب واحد ووسعت رسمياً قانونها المدني (وهذه المرة ليس من خلال مرسوم عسكري) ليشمل السوريين المقيمين الذين عرضت عليهم الجنسية الكاملة حتى وإن رفضها معظمهم في ذلك الوقت (Mara’i & Halabi, 1992; Yishai, 1985). وكانت أشكال السيطرة المنتشرة في مرتفعات الجولان وعملية دمج السكان متشابهة جداً مع العمليات المستخدمة فيما يتعلق بالفلسطينيين داخل إسرائيل في أعقاب حرب العام 1948، وتميزت بشكل منقح من أشكال الاستعمار الاستيطاني. وعلى عكس الفلسطينيين داخل حدود ما قبل العام 1967، تم وضع الدروز السوريين في الجولان تحت حكم عسكري يدمجهم ببطء داخل جهاز الدولة، كما تم منحهم فرصة للحصول على الجنسية الإسرائيلية الرسمية، وإن كانت اسمياً بسبب رفض معظمهم للجنسية آنذاك (Robinson, 2013; Sa’di, 2013).

في الضفة الغربية لم يكن هناك أي نية لإدماج السكان في  الديموس demos الإسرائيلي******. وبناءً على ذلك، تمت إدارة السكان عبر جهاز بيروقراطي عسكري، ولم يتمتعوا بالعديد من الحقوق الأساسية الممنوحة للإسرائيليين أو حتى للسوريين المحتلين، مثل الحق في حرية التنقل والتعبير وتكوين الجمعيات (Gordon, 2008a, 2008b). ونظراً لأننا لا نستطيع حقاً الإلمام بجميع تقنيات وأساليب الحكم المستخدمة في الضفة الغربية في هذه المقالة، سنلفت النظر فقط إلى إنشاء إسرائيل في هذه المنطقة نظام تصاريح متقن ومعقد، لا يختلف عن النظام المطبق في جنوب إفريقيا (Dayan, 2009)، والذي يتميز بشموليته لجهة خلق شبكة سيطرة تمتد عبر كل جزء من أجزاء الحياة الفلسطينية، لا تدع مكاناً دون أن تتدخل فيه، ولا تترك مساحة دون أن تمسها.

فنظام التصاريح، على سبيل المثال، يقيد الحركة والتنقل ويساعد على تقييد تطوير صناعة وزراعة فلسطينية مستقلة ويعوق البناء الفلسطيني (Military Advocate General, 1975, 65, 88)، ويعمل أيضا بطرق معقدة لضمان أن تتكون القوة العاملة الفلسطينية من يد عاملة غير ماهرة في الغالب (Roy, 1995). وفي هذا السياق، ينبغي الإشارة إلى زعمنا السابق بعدم فرض القانون المدني الإسرائيلي في الضفة الغربية ليس دقيقاً تماماً. فالمستوطنون اليهود، الذين يشكلون حالياً حوالي 9% من المواطنين اليهود في إسرائيل (Gordon & Cohen, 2012)، هم مواطنون خارج الحدود الإقليمية، مثلهم مثل الدبلوماسيين، يحملون القانون الإسرائيلي على عواتقهم؛ كمن يحمل صليبه على ظهره.

بعبارة أخرى، يتم فرض القانون المدني الإسرائيلي في الضفة الغربية ولكن فقط لصالح المستوطنين اليهود. وهكذا، فعلى عكس مرتفعات الجولان حيث توجد مجموعة واحدة من القوانين التي تنطبق على جميع الناس، يعمل في الضفة الغربية نظامان قانونيان في وقت واحد، أحدهما للسكان الفلسطينيين والآخر للمواطنين الإسرائيليين. وهذا، مرة أخرى، يميز شكلاً وسيطاً من الاستعمار الاستيطاني ويخلق عقبة أمام جهود إسرائيل لتطبيع المشروع الاستعماري. ويعتمد هذا الاختلاف الهيكلي بين المشروعين الاستعماريين على درجة التطهير الإثني المنفذ أثناء الحرب.

تدعم الازدواجية القانونية في الضفة الغربية الفرق بين المستوطنين والسكان الأصليين، وبالتالي يتمتع المشروع الاستعماري الإسرائيلي بوضوح لا غبار عليه؛ ولا يمكنه تجاوز ذاته، أو يحل محلها. وعلى النقيض من ذلك، يتم حجب أو تعتيم التمييز بين المستعمِر والمستعمَر في الجولان بقوة القانون، وهذا إلى جانب إعادة إنتاج الفضاء يساعد إخفاء الواقع الاستعماري وبالتالي يساعد في تطبيع المشروع الاستعماري الإسرائيلي في هذه المنطقة. وليس من قبيل المصادفة أن معظم الباحثين الذين درسوا الاستعمار الاستيطاني الإسرائيلي بالكاد تطرقوا إلى هضبة الجولان (على سبيل المثال: Gordon, 2008a, 2008b; Veracini, 2008, 2011; Wolfe, 1999, 2006; Yiftachel, 2006).

الخلاصة: الاستعمار الاستيطاني؛ تطبيعه وأشكاله

رغم أن دراستنا للحالة تحمل سماتها الفريدة (مثل جميع دراسات الحالة)، إلا أنها تعكس نمطين أوليين مختلفين من أنماط البنية الاستعمارية الاستيطانية، التي قمنا بتصنيفها ووصفها كأنماط منقحة ووسيطة. وتكون التناقضات والتجاوزات في الشكل المنقح أقل وضوحاً بسبب تطهير السكان الأصليين بالكامل أو شبه كامل وأعيد إنتاج المشاهد المكانية عبر التدمير الشامل لمساحات السكان الأصليين (مثال لعدم القدرة على محو الأهمية المادية لماضي السكان الأصليين بالكامل، انظر Tyner, Alvarez, & Colucci, 2012; وللاطلاع على مناقشة محددة بشأن مرتفعات الجولان، انظر Ram, 2015).

ويتسم الشكل الوسيط بسلسلة تناقضات لأن بقاء السكان الأصليين يتسبب، كما ذكرنا في المقدمة، بعدم اكتمال الاستيلاء على الأراضي -وهو الهدف الرئيسي للاستعمار الاستيطاني-. وبناء على ذلك، يعتمد الشكل الوسيط على قوتين متعارضتين: قوة الإقصاء elimination drive (Wolfe, 2006)، التي تهدف إلى وضع اللمسات الأخيرة على المشروع الاستعماري الاستيطاني بالتخلص من السكان الأصليين وجعل الأراضي متاحة لصالح المشروع الاستعماري الاستيطاني -وهو شكل منقح من أشكال الاستعمار الاستيطاني؛ والقوة الثانية هي قوة الصدrepelling drive ، التي تتسم بمقاومة السكان الأصليين بهدف إجبار المستوطنين على التراجع -الشكل الوسيط. ويكشف الصراع بين هذه القوى المعارضة باستمرار عن حقيقة المشروع الاستعماري الاستيطاني، مما يجعل من الصعب تحقيق التطبيع. وتختلف العلاقة بين مواطني إسرائيل، مع كل إقليم اختلاف كبير، على الرغم من أن المنطقتين كانتا مستعمَرتين خلال الحرب ذاتها.

ففي استطلاع رأي يعود للعام 1974، اعتبر 86 % من السكان اليهود الجولان «مهمةً للغاية» بحيث لا يمكن إعادتها، واعتقدوا أن الحكومة يجب أن تموّل مشروع الاستيطان فيها. بينما كشف الاستطلاع ذاته أن 45 % فقط أيدوا مشروع الاستعمار في الضفة الغربية (Israel Defence Force Archive [IDFA], 1974)، هذا على الرغم من حقيقة أن اليهود المتدينين يعتبرون الضفة الغربية جزءً من أراضي إسرائيل الكتابية، في حين أن الجولان ليس لها أي أهمية كتابية. وفي استطلاع آخر أجري بعد ما يقرب من أربعة عقود، (2012)، كان أكثر من 75 % من اليهود الإسرائيليين لا يوافقون بشدة أو لا يوافقون  بشكل معتدل على سؤال: ” هل يمكن إعادة الجولان إلى سوريا، في إطار اتفاقية سلام تتضمن ترتيبات أمنية مناسبة؟”، وعلى النقيض من ذلك، فإن 38 % فقط من اليهود الإسرائيليين إما عارضوا بشدة أو عارضوا بشكل معتدل مع السؤال: “هل توافق على قيام دولة فلسطينية مستقلة في إطار اتفاقية سلام تتضمن ترتيبات أمنية مناسبة؟” (Peace Index, 2012). وتكشف هذه الاستطلاعات أن مرتفعات الجولان بالنسبة للعديد من الإسرائيليين أمست تعتبر جزءً لا يتجزأ من إسرائيل، لدرجة أنه تم استبدال المشروع الاستعماري بالنسبة لهم.

يؤكد محو مشروع الاستعمار من الخريطة التي تحوم فوق جون ستيوارت (وكذلك من عشرات الخرائط الأخرى) أن استعمار مرتفعات الجولان قد تم تطبيعه. ونعتقد بما يشبه اليقين أن القدرة على تطبيع العنف الاستعماري وجعله غير مرئي هو نتاج الشكل المنقح لهذه البنية الاستعمارية الاستيطانية. وهناك العديد من الأسباب التي تجعل مشروع إسرائيل الاستعماري في الضفة الغربية يظل مشروعاً وسيطاً ومقاوماً للتطبيع، لكنها جميعاً تتعلق بحقيقة أن التطهير الإثني في هذه المنطقة كان جزئياً فقط. في حين أن إعادة إنتاج المشهد الاستعماري أمر حيوي، ربما يكون السبب الرئيسي وراء عدم اعتبار العديد من الإسرائيليين الضفة الغربية جزءً لا يتجزأ من إسرائيل -حتى بعد أن نقلت الدولة أكثر من نصف مليون مواطن إلى هذه الرقعة من الأرض- هو خوفهم من أنه إذا تم دمج سكانها الفلسطينيين كمواطنين في الدولة، سوف يقوضون الأغلبية السكانية اليهودية ويهددون الشخصية اليهودية للدولة (Smooha, 1997). وبقدر ما يكون هذا هو الحال فعلاً؛ فإن التطلع إلى النقاء العرقي بين اليهود الإسرائيليين يتفوق في النهاية على رغبتهم في الاستلاء على الأرض هناك.

كما تلعب عوامل أخرى دوراً مهماً. إذ تعتبر إسرائيل نفسها نظاماً ديمقراطياً، وسوف تتقوض مزاعمها الديمقراطية هذه طالما استمرت في جهودها للسيطرة على أرض يسكنها شعب آخر من خلال المراسيم العسكرية، مع عدم منحهم الجنسية (Shafir & Peled, 2002). على النقيض من ذلك، تم دمج مرتفعات الجولان بشكل قانوني في إسرائيل على وجه التحديد لأنه كان مهجوراً بالكامل تقريباً من «الآخر الأصلي». وعلاوة على ذلك، يمكن أن تستمر عملية التطبيع لأن الأرض تعتبر فارغة ولم يتم النظر في المشروع الاستعماري على أنه ينطوي على مصادرة الأراضي والاستيلاء عليها. لا تكاد القرى والبلدات السورية «تلوث» المشهد، وبالتالي لا يوجد تذكير دائم بالوجود السابق للاستعمار، في حين أن السكان الأصليين القلائل المتبقون لم يشكلوا تهديداً ديموغرافياً وبالتالي تم منحهم الجنسية ومعها حقوق ليبرالية. وعلى الرغم من أن الاكتمال النسبي للتطهير الإثني في الضفة الغربية ومرتفعات الجولان أو عدمه ساعد في تشكيل المناطق الجغرافية الاستعمارية الاستيطانية في كل منطقة (واحدة وسيطة والأخرى منقحة)، فإننا نؤكد، باتباع آراء وولف، أن هذه النماذج الأولية ليست ثابتة أبداً.

ولا يزال التطهير الإثني نفسه وكذلك النسبة الديمغرافية بين المستوطنين والسكان الأصليين في حالة تغيير. لذلك، على الرغم من زعمنا أن الاختلاف بين الجولان والضفة الغربية يمكن إرجاعه إلى التطهير الإثني (الكامل/غير الكامل) خلال حرب العام 1967، فإن سجالاً وحججاً أكثر دقة من شأنها، ربما، أن تقر بوجود علاقة دينامية بين درجة التطهير الإثني والنظام القانوني المكاني الذي ينتج الجغرافيا الاستعمارية الاستيطانية.

بعد قولنا هذا، لا تزال النقطة المركزية والمثيرة للقلق للغاية قائمة: درجة التطهير الإثني تشكل بينية الجغرافيا الاستعمارية.

….

هوامش المترجم

*برنامج تلفزيوني إخباري أمريكي ساخر، بث أول مرة في العام 1996، عمل جون ستيورات كمضيف في البرنامج من 1999 حتى العام 2015  الذي ركز أكثر على السخرية السياسية، ولاقى البرنامج إقبالاً جماهيرياً واسعاً، لا سيما لدى فئة الشباب. توقف البرنامج نهائياً في كانون الأول 2022.

**انظر في هذا الشأن قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 780، الذي تم تبنيه بالإجماع في  تشرين الأول 1992، بعد إعادة التأكيد على القرار 713 (1991) والقرارات اللاحقة حول هذا الموضوع، أعرب المجلس عن قلقه إزاء استمرار «الانتهاكات الواسعة النطاق للقانون الإنساني الدولي» في البوسنة والهرسك وأذن للأمين العام بطرس بطرس غالي بتشكيل لجنة من الخبراء لفحص وتحليل المعلومات المقدمة بموجب القرار 771 (1992) بشأن انتهاكات اتفاقيات جنيف في المنطقة. وحث القرار الدول الأعضاء والمنظمات الدولية على جمع المعلومات المتعلقة بانتهاكات القانون الدولي في البوسنة وإتاحتها في غضون 30 يوماً من اتخاذ هذا القرار. تقوم لجنة الخبراء بتحليل المعلومات التي يتم جمعها. تألفت اللجنة من خمسة أعضاء من كندا ومصر وهولندا والنرويج والسنغال، الذين قدموا تقريرهم المؤقت الأول في شباط 1993، وخلصوا إلى أن مجلس الأمن أو أي عنصر آخر من عناصر الأمم المتحدة هو الذي سيشكل محكمة تتعلق بالأحداث في البوسنة والهرسك، ويوغوسلافيا السابقة بشكل عام. تم تسليم استنتاجات لجنة الخبراء إلى رئيس مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة مع رسالة من الأمين العام في 24 أيار 1994. (Report of the Commission of Experts Established Pursuant to United Nations Security Council Resolution 780 (1992), 27 May 1994 (S/1994/674), English page=33, Paragraph 130

***يترجم المصطلح بالعربية إلى “التطهير العرقي” وهي ترجمة غير حرفية للأصل الصربوكرواتي أو حتى الإنكليزي، ومن الواضح أن الإثنية لا تعني العرق بأي حال، ولعل هذا الخلط في المفهوم يعود إلى فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية حين توقف الباحثون وأهل الاختصاص عن استخدام مصطلح “العرق Race” لأسباب عديدة معروفة لا داعي لتكرارها هنا. علماً أن المؤرخين الإسرائيليين يشيرون إلى عبارة “التطهير الإثني” ذاتها التي درجت في أوروبا لتوصيف ما جرى من عمليات تطهير وإبادة للفلسطينين للتخفيف من وطأة كلمة “عرق” التي اكتسبت سمعة سيئة بسبب سياسات ألمانيا النازية في أوروبا، في ذات الوقت الذين ينظر فيه هؤلاء المؤرخون إلى أنفسهم وإلى اليهود بوصفهم “شعب” و “عرق”، وكأنهم حين يقرون بالسلوك التطهيري الصهيوني، لا يقبلون أن يوصف بأنه يستند على أسس “عرقية” كي لا يضعهم في مرتبة واحدة مع النازية. مثلما هو حاصل الآن حين يحاول، على سبيل المثال، أحد ضباط الجيش الإسرائيلي السابقين وصف سلوك دولته بـ ” الأبارتيد” متناسياً أنه كان جزء من هذه المنظومة، ولو طلب تسلم نفسه للمحكمة الدولية بتهمة الأبارتيد لرفض واستنكر وزعم أنه يعيش في ديمقراطية غربية تسمح له بالتعبير عن أفكاره بحرية.. إلخ، ومن الشائع أن يعتبر اليهود أنفسهم “شعب” واحد (بمعنى الإثنوس) وفقاً للسياق والتصور الذي يراد من مصطلح الإثنوس. فإذا اعتبرنا الإثنوس تمثيلاً ثقافياً ولغوياً وتاريخياً ودينياً مشتركاً فسوف يرى اليهود أنفسهم جماعة اجتماعية- سياسية واحدة أي شعب أو إثنوس واحد (انظر الهامش أدناه). يذكر أن كتاب إيلان بابيه الشهير “التطهير العرقي” لا يضع في عنوانه الأصلي كلمة “عرق” بل يستخدم المصطلح الإنكليزي المترجم عن التعبير  الصربوكرواتي، وأعتقد, وربما أكون مخطئاً، أن بابييه نفسه لم يكن يرغب بأن تشتمل كلمة “عرق” سيئة الصيت والسمعة في كتابه، ولو أرادها فعلاً لما استنكف عن ذكرها.

****الإثنوس ethnos من أصل يوناني ἔθνος، وكان يقصد منه مجموعات “تاريخية” تتشابه في الثقافة واللغة والتقاليد (وقد يشمل عناصر دينية )، وينتمون إلى أصول واحدة (نعتبرها الآن عرقية أو قومية)، وفي الواقع السياسي المعاصر صار من الممكن الإشارة إلى بعض الفئات بأنها تشكل “إثنوس” مثل الأكراد مثلاً أو اليهود (وهؤلاء الأخيرين بصفتهم مواطنين وجماعات سكانية في سياقات سياسية وحكومية محددة، علماً أنهم ليس وحدة عرقية واحدة بالمعنى البيولوجي للعرق، بل هم جماعات متعددة الهويات والأصول تربطهم لغة وثقافة وديانة، أي جماعة دينية وثقافية أكثر من كونهم مجموعة “عرقية”). كما يمكن تعريف فئات أوسع من ذلك بأنها إثنوس مثل وصفنا للثقافات الهندية أو الإفريقية بأنها إثنوس كتمهيد أولي لدراسة التنوع الثقافي ضمن المساحات السوسيولوجية والأنثروبولوجية، واللسانيات والأعراق بين المجموعات السلالية البشرية الرئيسية والفرعية في العالم. وفي السياق الذهني العربي تعبر كلمة إثنوس عن معنى “الشعب” و “القوم/ القومية” وهذا ليس بعيد عن المعنى القديم لكلمتي شعب وقوم كتصنيفات قبلية.

*****panopticon  “البانوبتيكون” مفهوم تأديبي يشير إلى السجين أو مؤسسة السجن الرقابية لرصد ومراقبة السجناء، وتوسع فيما بعد ليشمل جهاز الدولة الذي يراقب الأفراد و الجماعات ضمن الوحدة الحقوقية-السياسية التي يديرها هذا الجهاز. وعادة ما يتم تصوره على هيئة برج مراقبة مركزي وسط زنازين السجن، حيث يمكن للحارس ضمن البرج رؤية كل زنزانة ونزيل دون أن يراه النزلاء. وكان الفيلسوف الإنكليزي جيرمي بينثام أول من نظّر لمفهوم “البانوبتيكون” في نهاية القرن الثامن عشر إثر زيارته إلى مدينة كريشيف (تتبع الآن روسيا البيضاء) عندما تعرف على طريقة المراقبة المستمرة للعمال، ومن هنا أتت الكلمة من الإغريقية التي تعني “رؤية الجميع”. اعتقد بينثام إمكانية تطبيق نظام المراقبة هذا في المستشفيات والمصحات والمدارس والإصلاحيات على حد سواء. لن يعرف السجناء ضمن منظومة البانوبتيكون ما إذا كانوا مراقَبين أم لا، في حين أن الحارس لا يمكنه عملياً مراقبة جميع غرف السجن في ذات الوقت، لكن ما هو مدهش أن النزلاء لا يعلمون هذه الحقيقة (لا يعلمون كيف ومتى يتم مراقبتهم)، وسوف يتصرفون بالتالي كما لو أنهم جميعهم مراقبون في كل وقت، وهذا ما يدفعهم إلى التنظيم الذاتي كإجراء دفاعي، والالتزام بالسلوك واللوائح الناظمة كي لا يتعرضوا للعقاب، وهذه الأخيرة تناولها ميشيل فوكو بإسهاب أثناء حديثه عن السلطة والرقابة في المجتمع وطرق تحقيق الانضباط وفرض السلطة عبر الرصد والمراقبة فيما دعاه “المراقبة والمعاقبة”.

ويعتقد فوكو أن عمارة البانوبتيكون تعكس بطريقة ما “العمارة الاجتماعية الإنسانية” في تنظيمها للمجتمع والسلطة في المجتمعات المعاصرة، وفعالية “الانضباط” و”التأديب” في السيطرة على الأفراد عبر رصدهم المتواصل دون الحاجة إلى استخدام القوة الجسدية في جميع الحالات.. ولا يتوقف الأمر على السجين، بل يشمل جميع مناحي الحياة المعاصرة، من حاجز الأمن إلى طابور السوبرماركت والصعود في الحافلات.. وبناء وتخطيط مجمعات الضواحي الثرية.. إلخ .. جميعها تتوافق مع الفكرة الأساسية للبانوبتيكون وتأويل فوكو له بصفته تعبيراً عن السلطة والانضباط الاجتماعي “القطيعي” بواسطة العلم والمعرفة والتجربة والملاحظة.. وغيرها من وسائل التنشئة الاجتماعية. ولا تخرج المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية كما تصفها المقالة عن معنى وتأويل ووظيفة البانوبتيكون. وهي تشبه في بعض جوانبها فكرة المصطلح الآخر الذي تتبناه المقالة أي “البيوبوليتيك” الذي يرتبط أكثر بممارسات السلطة التي تمس مباشرة جوانب الحياة الإنسانية على وجه العموم؛ والجسد البشري على وجه الخصوص، من حيث الطريقة التي تعمل بها الدولة “بصفتها سلطة وقوة ومعرفة” على تنظيم شؤون الأفراد والمجتمع في المعيش اليومي الذي يشمل كل شيء تقريباً الصحة والسلامة والأمن والتعليم والإحصاء وتسجيل الولادات وتعداد الأموات والسلامة العامة والثروة، والإجازات السنوية وسوق العمل وتنظيم المهارات والتحكم بتوزيعها وسيولتها… إلخ..

وإذن تكمل البيوبوليتيك الجوانب التي لا يستطيع البانوبتيكون أن يمارس سلطته عليها.. فهما والحال هذه مظهران مختلفان لمنظومة واحدة.. منظومة السيطرة والتحكم التي تنظمها علاقات القوة والسلطة والمعرفة

 ******الديموسDemos من أصل يوناني δῆμος   ويفيد معنى الجماهير، الحشد، المجموع السكاني بالمعنى العام المجمل لجميع مكوناته الإثنية والعرقية والثقافية والدينية… إلخ والذين يشغلون حيزاً عاما مشتركاً ولهم مصلحة في العيش ضمنه؛ في إطار دولة أو نظاماً سياسياً معيناً، والمشاركة في العمليات السياسية وأجهزة الدولة والمؤسسات الحكومية، وهذا قريب من معناه الأصلي الذي كان يشير إلى سكان مدينة معينة تشترك في الحكم والسلطة المحلية، مقترناً مع أهلية من يستطيعون المشاركة في العمليات السياسية واتخذا القرار، ويقصد بذلك أحرار المدينة فهم وحدهم من لهم الحق في اتخاذ القرارات السياسية.

…….

العنوان الأصلي: Ethnic cleansing and the formation of settler colonial geographies

المؤلف: Neve Gordon , Moriel Ram

المصدر: Political Geography 53 (2016) 20–29

هوامش المقالة

  1. مثل جميع الأنماط الثنائية في العلوم الاجتماعية، تمثل هذه الأنواع أيضاً أنماطاً مثاليةً.
  2. بعد حرب حزيران 1967، بقيت ست قرى فقط سليمة في مرتفعات الجولان: مجدل شمس، ومسعدة، وبقعاتا، وعين قنية، وسحيتا، والغجر. كان الدروز السوريون يسكنون جميع هذه المناطق، باستثناء الغجر (Israel Defence Force Archive [IDFA], 1967a). بالإضافة إلى ذلك، كان الدروز السوريون هم السكان الوحيدون الذين سُمح لهم بالعودة (Israel State Archive [ISA], 1969). والسبب في ذلك هو أن إسرائيل تعتبر الدروز سكانًا أكثر “وداً” اتجاهها. وهو افتراض يستند إلى شكل العلاقة التي نشأت بين سلطات الدولة الإسرائيلية ومواطنيها الدروز. للاطلاع على مناقشة حول مصير السكان السوريين من الجولان الذين فروا إلى سوريا، انظر Abu Fakhr (2000) و (2012) Szanto. للاطلاع على مناقشة بشأن العلاقات المعقدة بين الدروز والدولة الإسرائيلية، انظر (1998) Firro.

المراجع

Abu Fakhr, S. (2000). Voices from the Golan. Journal of Palestine Studies29(4), 5–36.

Abu-Lughod, I. A. (1971). The transformation of Palestine: Essays on the origin and development of the Arab-Israeli conflict. Evanstone, IL, USA: Northwestern University Press.

Amir, M. (2013). The making of a void sovereignty: Political implications of the military checkpoints in the West Bank. Environment and Planning D: Society and Space31(2), 227–244.

Anderson, G. C. (2005). The conquest of Texas, ethnic cleansing in the promised land, 1820–1875. Norman, OK, USA: University of Oklahoma Press.

Azoulai, A. (2000). How does it look to you? Tel Aviv, Israel: Babylon.

Barnea, N. (1994). Lo Mechakim Le Rabin (not waiting for Rabin). Yediot Achronot, 9 September (in Hebrew).

Bell-Fialkoff, A. (1996). Ethnic cleansing as a normative solution. NewYork, NY, USA: St. Martin’s Press.

Ben-Naftali, O., Gross, A., & Michaeli, K. (2005). Illegal occupation: Framing the occupied Palestinian territory. Berkeley Journal of International Law63, 551–614.

Benjamin, W. (1978). Critique of violence. In P. Demetz (Ed.), Reflections: Essays, aphorisms, autobiographical writings (pp. 277–300). New York: Schoken Books.

B’Tselem (2002). Land grab: Israel’s settlement policy in the West Bank. Jerusalem, Israel: B’Tselem Publishing House.

Dar, Y. (1968). Hufe’ela Tochnit le Hakalot al ha-Druzim be Ramat ha-Golan (A scheme to alleviate the difficulties of the Druze in the Golan Heights was initiated). Davar, 1 February (in Hebrew).

Dar, Y. (1973). Ha-Druzim ve ha-Alawii’im Ba-Golan yishtatfu ba-bhirot la-Histadrut (The Druze and the Alawites in the Golan will participate in trade union elections). Davar, 7 September (in Hebrew).

Dayan, H. (2009). Regimes of separation: Israel/Palestine and the shadow of apartheid. In A. Ophir, S. Hanafi, &M. Givoni (Eds.), The power of inclusive exclusion: Anatomy of Israeli rule in the occupied Palestinian territories (pp. 281–322). New York, NY, USA: Zone Books.

Doel, M. A., & Clarke, D. B. (1998). Figuring the holocaust, singularity and the purification of space. In S. Dalby & G. Ó. Tuathail (Eds.), Rethinking geopolitics (pp. 9–62). London, UK: Routledge.

Elkins, C., & Pedersen, S. (2005). Settler colonialism in the twentieth century: Projects, practices, legacies. New York, NY, USA: Routledge.

Ennab, W. R. (1994). Population and demographic developments in the West Bank and Gaza Strip until 1990. United Nations Conference on Trade and Development, UNCTAD/ECDC/SEU/1: 1–100.

Falah, G. (1991). The facts and fictions of Judaization policy and its impact on the majority Arab population in Galilee. Political Geography Quarterly10(3), 297–316.

Falah, G. (1996). The 1948 Israeli-Palestinian War and its aftermath: The transformation and de-signification of Palestine’s cultural landscape. Annals of the Association of American Geographers86(2), 256–285.

Falah, G. (2003). Dynamics and patterns of the shrinking of Arab lands in Palestine. Political Geography22(2), 179–209.

Feige, M. (2009). Settling in the hearts, Jewish fundamentalism in the occupied territories. Detroit, MI, USA: Wayne State University Press.

Firro, K. (1998). The Druze in the Jewish State: A brief history. Leiden, Holland: Brill.

F-orman, G., & Kedar, A. S. (2004). From Arab Land to Israel Lands’, the legal dispossession of the Palestinians displaced by Israel in the wake of 1948.  Environment and Planning D: Society and Space22(6), 809–830.

Foucault, M. (1977). Discipline and punish, the birth of the prison. NewYork, NY, USA: Random House.

Foucault, M. (2003). Society must be defended. New York, NY, USA: Penguin Books.

Foucault, M., Senellart, M., Burchell, G., Ewald, F., & Fontana, A. (2009). Security, territory, population: Lectures at the Collège De France 1977–1978. NewYork, NY, USA: Macmillan.

Gazit, S. (1995). The carrot and the stick, Israel’s policy in Judea and Samaria, 1967–1968. Washington, DC, USA: B’nai B’rith Books.

Golan Archive (GA) (1967). Preliminary results of the Golan Heights Census. 12041/12. July 1967.

Golan Archive (GA) (1969). Financial Survey for the establishment of a ski resort on the Hermon. G2572/2, March 1969.

Gordon, N. (2008a). Israel’s occupation. Berkeley, CA, USA: University of California Press.

Gordon, N. (2008b). Of dowries and brides: A structural analysis of Israel’s occupation. Israeli Sociology9(2), 271–296 (in Hebrew).

Gordon, N. (2010). Democracy and colonialism. Theory & Event13(2), doi:10.1353/ tae.0.0138.

Gordon, N., & Cohen, Y. (2012). Western interests, Israeli unilateralism, and the two-state solution. Journal of Palestine StudiesXLI(3), 1–13.

Gorenberg, G. (2006). The Empire, Israel and the birth of the settlements, 1967–1977. New York, NY, USA: Times Books.

Haaretz (1967). Mechalkim Teudot Ba-Rama (giving away identity cards in the ‘heights’). Haaretz, 16 August 1967 (in Hebrew).

Hajjar, L. (2005). Courting conflict: The Israeli Military Court system in the West Bank and Gaza. Berkeley, CA, USA: University of California Press.

Handel, A. (2013). Gated/gating community: The settlement complex in the West Bank. Transactions of the Institute of British Geographers39(4), 504–517.

Harris, W. (1978). War and settlement change: The Golan Heights and the Jordan Rift. Transactions of the Institute of British Geographers3(3), 309–333.

Harris, W. (1980). Taking root, Israeli settlement in the West Bank, the Golan, and Gaza-Sinai, 1967–1980. New York, NY, USA: Research Studies Press.

Hatuka, T. (2012). Civilian consciousness of the mutable nature of power: Dissent practices along a fragmented border in Israel/Palestine. Political Geography31, 347–357.

ICBS (2014). Statistical abstract of Israel, population by district, sub-district and religion, Table 2.15.

Israel Defence Force Archive (IDFA) (1967a). IDFA Weekly reports. 68/117/1970. 27 July 1967, 13 August 1967, 27 August 1967, 8 September 1967 (in Hebrew).

Israel Defence Force Archive (IDFA) (1967b). The Golan Heights – Initial results of the census. 65/117/1970. 15 August 1967 (in Hebrew).

Israel Defence Force Archive (IDFA) (1974). Public opinions regarding settlements in the administered territories the communication centre. 492/1510/1989. Jerusalem Hebrew University. October 1974 (in Hebrew).

Israel State Archive (ISA) (1967a). Gal 8262/4 letter from Moshe Sela of The Nature Reserves Authority to Colonel Dan Lener of the military northern command, 2 February 1968.

Israel State Archive (ISA) (1967b). Gal 8262/4 letter from officials at the Nature Reserves Authority to the head of the National Antique Division at the Ministry of Culture and Education, 19 December 1967.

Israel State Archive (ISA) (1967c). Letter to the chief supervisor of the survey. Gal 8262/4. 10 December 1967.

Israel State Archive (ISA) (1968). The villages of the Golan: A review of the Golan Regional Team for Landscape and Recreation. Gal 8262/4. undated.

Israel State Archive (ISA) (1969). Letter from the commander of the Golan Heights military government regarding the question of the return of Syrian residents to the Golan Heights. Gal 17038/20. 3 June 1969.

Kaufman, S. J. (2001). Modern hatreds, the symbolic politics of ethnic war. Ithaca, NY, USA: Cornell University Press.

Khalidi, W., Elmusa, S. S., & Khalidi, M. A. (1992). All that remains: The Palestinian villages occupied and depopulated by Israel in 1948.Washington, DC, USA: Institute for Palestine Studies.

Kipnis, Y. (2013). The Golan Heights: Political history, settlement, and geography since 1949. London, UK: Routledge.

Leshem, N. (2013). Repopulating the emptiness: A spatial critique of ruination in Israel/Palestine. Environment and Planning D: Society and Space31(3), 522–537.

Levi, S. (1982). Local government in the administered territories. In D. Elazar (Ed.), Judea, Samaria, and Gaza: Views on the present and future (pp. 103–123).

Washington, DC, USA: American Enterprise Institute for Public Policy and Research.

Mann, M. (2005). The dark side of democracy: Explaining ethnic cleansing. NewYork, NY, USA: Cambridge University Press.

Mara’i, T., & Halabi, U. (1992). Life under occupation in the Golan Heights. Journal of Palestine Studies22(1), 78–93.

Mattar, I. (1983). From Palestinian to Israeli: Jerusalem 1948–1982. Journal of Palestine Studies12(4), 57–63.

McCarthy, J. (1995). Death and exile: The ethnic cleansing of Ottoman Muslims, 1821–1922. Princeton, NJ, USA: The Darwin Press.

McGarry, J. (1998). The state-directed movement of ethnic groups as a technique of conflict regulation. Ethnic and Racial Studies21(4), 613–638.

Military Advocate General (1975). Military Orders and Proclamations. Jerusalem: IDF. (In Hebrew).

Ministry of Agriculture (1983). Master plan for settlement for Judea and Samaria: Development plan for the region for 1983 Samaria. Jerusalem, Israel: Ministry of Agriculture.

Mnookin, R. H., & Eiran, E. (2005). Discord behind the table: The internal conflict among Israeli Jews concerning the future of settlements in the West Bank and Gaza. Journal of Dispute Resolution1(5), 12–44.

Morris, B. (1987). The birth of the Palestinian refugee problem, 1947–1949. Cambridge, UK: Cambridge University Press.

Morris, B. (1988). The birth of the Palestinian refugee problem, 1947–1949. Cambridge, UK: Cambridge University Press.

Murphy, R., & Gannon, D. (2008). Changing the landscape Israel’s gross violations of international law in the occupied Syrian Golan. Yearbook of International Humanitarian Law11, 139–174.

Naimark, N. M. (2001). Fires of hatred. Ethnic cleansing in twentieth-century Europe. Cambridge, MA, USA: Harvard University Press.

Nasasra, M. (2012). The ongoing Judaisation of the Naqab and the struggle for recognizing the indigenous rights of the Arab Bedouin people. Settler Colonial Studies2(1), 81–107.

Newman, D. (1996). The territorial politics of exurbanization: Reflections on 25 years of Jewish settlement in the west bank. Israel Affairs3(1), 61–85.

O’Tuathail, G., & Dahlman, C. (2006). The ‘West Bank of the Drina’: Land allocation and ethnic engineering in Republika Srpska. Transactions of the Institute of British Geographers31(3), 304–322.

O’Tuathail, G., & O’Loughlin, J. (2009). After ethnic cleansing: Return outcomes in Bosnia-Herzegovina a decade beyond war. Annals of the Association of American Geographers99(5), 1045–1053.

Pappe, I. (2006a). A history of modern Palestine: One land, two peoples. Cambridge, UK: Cambridge University Press.

Pappe, I. (2006b). The ethnic cleansing of Palestine. New York, NY, USA: One World.

Peace Index (2012). The peace index, Jerusalem, Israel: The Israel Democracy Institute.

Peace Now Settlement Watch. Settlements and outposts. <http://peacenow.org.il/eng/ content/settlements-and-outposts>.

Perlmann, J. (2011). The 1967 census of the West Bank and Gaza Strip, a digitized version. Annandale-on-Hudson, NY, USA: Levy Economics Institute of Bard College. November 2011–February 2012 [Digitized from Israel Central Bureau of Statistics, Census of Population and Housing, 1967 Conducted in the Areas Administered by the IDF, Vols. 1–5 (1967–70), and Census of Population and Housing, East Jerusalem, Parts 1 and 2 (1968–70)], <http://www.levyinstitute.org/palestinian-census/> Accessed 17.12.14.

Petrovic, D. (1994). Ethnic cleansing – An attempt at methodology. European Journal of International Law5, 342–359.

Ram, M. (2014). White but not quite, normalizing colonial conquests through spatial mimicry. Antipode46(3), 736–753.

Ram, M. (2015). Colonial conquests and the politics of normalization: The case of the Golan Heights and Northern Cyprus. Political Geography47, 21–32.

Raz, A. (2012). The bride and the dowry: Israel, Jordan, and the Palestinians in the aftermath of the June 1967War. New Haven and London, NY, USA: Yale University Press.

Rieff, D. (1997). Case study in ethnic Strife. Foreign Affairs76(2), 118–132.

Rishmawi, M. (1987). Planning in whose interest? Land use planning as a strategy for Judaization. Journal of Palestine Studies16(2), 105–116.

Robinson, S. (2013). Citizen strangers, Palestinians and the birth of Israel’s liberal settler state. Stanford, CA, USA: Stanford University Press.

Rose, D. B. (1991). Hidden histories: Black stories from Victoria River Downs, Humbert River and Wave Hill Stations. Canterbury: Aboriginal Studies Press.

Roy, S. (1995). The Gaza Strip: The political economy of de-development. Washington, DC, USA: Institute for Palestinian Studies.

Sa’di, A. H. (2013). Thorough surveillance: The genesis of Israeli policies of population management, surveillance, and political control towards the Palestinian minority. Manchester, UK: Manchester University Press.

Sa’di, A. H., & Abu-Lughod, L. (2007). Nakba: Palestine, 1948, and the claims of memory. New York, NY, USA: Columbia University Press.

Sasson, T. (2005). Report on unauthorized outposts: Submitted to the prime minister. Jerusalem, Israel: Prime Minister Office.

Segal, R., &Weizman, E. (2003). A civilian occupation. New York, NY, USA: Verso.

Shafir, G., & Peled, Y. (2002). Being Israeli the dynamics of multiple citizenship. Cambridge, UK: Cambridge University Press.

Shai, A. (2006). The fate of abandoned Arab villages in Israel, 1965–1969. History & Memory18(2), 86–106.

Shalev, M. (1994). Tzar Olami ke-Olam Merkava (My world is as narrow as a Merkava tank). Yediot Achronot, 16 September 1994 (in Hebrew).

Shalev, H. (2010). Ha-Golan ze kan (The Golan is here). Israel HaYom, 4 April 2010 (Hebrew).

Shedadah, R. (1985). Occupier’s law, Israel and the West Bank. Washington, DC, USA: Institute for Palestine Studies.

Sjoberg, G., Gill, E., Williams, N., & Kuhn, K. E. (1995). Ethics, human rights and sociological inquiry, genocide, politicide and other issues of organizational power. The American Sociologist26(1), 8–19.

Smooha, S. (1997). Ethnic democracy: Israel as an archetype. Israel Studies2(2), 198–241.

Solonari, V. (2010). Purifying the nation, population exchange and ethnic cleansing in Nazi-Allied Romania. Washington, DC, USA: Woodrow Wilson Center Press.

Sorkin, M. (2005). Against the wall: Israel’s barrier to peace. NewYork, NY, USA: New Press.

Springer, S. (2009). Culture of violence or violent orientalism? Neoliberalisation and imagining the ‘savage other’ in post-transitional Cambodia. Transactions of the Institute of British Geographers34, 305–319.

Szanto, E. (2012). Sayyida Zaynab in the state of exception, Shi’i sainthood as ‘qualified life’ in contemporary Syria. International Journal of Middle East Studies44(2), 285–299.

Tyner, J. (2014). Violent erasures and erasing violence: Contesting Cambodia’s landscapes of Violence. In E. Schindel & P. Colombo (Eds.), Space and the memories of violence landscapes of erasure, disappearance, and exception (pp. 21–33). London, UK: Palgrave-Macmillan.

Tyner, J., Alvarez, G., & Colucci, A. (2012). Memory and the everyday landscape of violence in post-genocide Cambodia. Social & Cultural Geography13(8), 2–19.

Tzidkoni, D. (1971). Shney Susim ba-Urva (Two horses in the stable). Davar, 22 June 1971 (in Hebrew).

United Nations (1994). Report of the commission of experts established pursuant to United Nations Security Council resolution 780. S/1994/674. 27 May 1994.

Veracini, L. (2008). Settler collective, founding violence and disavowal: The settler colonial situation. Journal of Intercultural Studies29(4), 363–379.

Veracini, L. (2010). Settler colonialism: A theoretical overview. London, UK: Palgrave Macmillan.

Veracini, L. (2011). Isopolities, deep colonizing, settler colonialism. Interventions13(2), 171–189.

Weizman, E. (2007). Hollow land, Israel’s architecture of occupation. New York, NY, USA: Verso.

White, K. R. (2009). Scourge of racism: Genocide in Rwanda. Journal of Black Studies39(3), 471–481.

Wolfe, P. (1999). Settler colonialism. London, UK: Continuum.

Wolfe, P. (2006). Settler colonialism and the elimination of the native. Journal of Genocide Research8(4), 387–409.

Wood, W. B. (2001). Geographic aspects of genocide, a comparison of Bosnia and Rwanda. Transactions of the Institute of British Geographers26(1), 57–75.

Yiftachel, O. (2006). Ethnocracy, land and identity politics in Israel/Palestine. Philadelphia, PA, USA: Penn University Press.

Yiftachel, O., & Rumley, D. (1991). On the impact of Israel’s Judaization policy in the Galilee. Political Geography Quarterly10, 286–296.

Yiftachel, O., & Segal, M. (1998). Jews and Druze in Israel: State control and ethnic resistance. Ethnic and Racial Studies21(3), 476–506.

Yiftachel, O., & Yacobi, H. (2004). Urban ethnocracy, ethnicization and the production of space in an Israeli ‘mixed city’. Environment and Planning D: Society and Space21(6), 673–693.

Yishai, Y. (1985). Israeli annexation of East Jerusalem and the Golan Heights: Factors and processes. Middle Eastern Studies21(1), 45–60.

Zertal, I., & Eldar, A. (2007). Lords of the land: The war over Israel’s settlements in the occupied territories, 1967–2007. New York, NY, USA: Nation Books.

عن مركز الجرمق للدراسات

اشترك معنا في قناة تلغرام: اضغط للاشتراك

حمل تطبيق الملتقى الفلسطيني على آندرويد: اضغط للتحميل

Author: نيف غوردون وموريل رام -ترجمة محمود الصباغ

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *