البطريرك الصباح وأي إنسان نبتغي؟ ملاحظات على تداعيات أحداث فلسطينية

تنتابني مشاعر الفرح والسعادة بعد إنجاز مسؤولية وطنية وأخلاقية اتخذتها على عاتقي لإنتاج الفيلم الوثائقي: “بطريرك الشعب” محطات مع البطريرك ميشيل صباح، من إخراج محمد العطار، والذي تم إطلاقه بتاريخ 12/12/2020. لقد أشعل الفيلم حراكا فكريا على الساحة الفلسطينية واستقطب اهتمام العديد من الصحفيين وكتاب الرأي الذين أشادوا بالبطريرك وثمنوا دوره الوطني والتاريخي بالإضافة الى رمزيته على الصعيدين الفلسطيني والعالمي. الأمر الذي يساهم في ترسيخ رؤية غبطة البطريرك للخلاص الوطني على المدى البعيد والإيفاء بحقه في الاحتفاء بإرثه المتمثل في الحكمة والعقلانية.

يزاوج الفيلم بين مخاطبة العقل بوظيفته التوثيقية والتأثير في الوجدان من خلال الحوار الهادئ مع المخرج في ثنايا الفيلم، مما أتاح للبطريرك التعبير عن مكنوناته الروحية وفكره الوطني وقلقه الشديد على أبناء الشعب الفلسطيني ودعوته المخلصة والصادقة الى إنهاء الانقسام والمراجعة الوطنية الشاملة للتجربة الفلسطينية خلال السبعين عاما الماضية.

من خلال متابعتي لتفاعل الجمهور خلال اللقاء المميز الذي عقده “ملتقى فلسطين”، ((wp.me/pbemW1-2dA، والذي يضم مجموعة من المثقفين الفلسطينيين من مختلف أماكن وجود شعبنا، مع البطريرك بتاريخ 11/01/2021، لمست هيبة الحديث مع البطريرك كشخصية لها احترامها وتقديرها على المستوى الوطني في الوقت الذي نتطلع فيه إلى قيادة حقيقية لا تبحث عن أمجاد أو مكاسب آنية.  الأهم من ذلك هو أنني لمست توق الجمهور للنقاش العقلاني والمسؤول حول القضايا الوطنية الملحة والتي تحتاج كل منها إلى تفكير وطني شامل وعميق، يبدأ أولا، في الإجابة على السؤال الجوهري ألا وهو “كيف حوصرنا في هذه الإشكالية المعقدة؟”، وينتهي في أهمية المبادرة والفعل الحقيقي والجاد للخروج من المأزق الحالي. فمن حواراتي المتعددة مع غبطته، لمست حرصه الشديد على أهمية تحويل الأفكار إلى أعمال وإنجازات، على الأقل على صعيد استحقاق تحول نوعي ولو بسيط.  هذا ما قاله لي بعد انتهاء لقاء الملتقى: “المهم أن نتقدم ولو خطوة الى الأمام”.

وهنا لا بد من الإشارة الى انشغال المثقف الفلسطيني بالهم الوطني، كغيره من المثقفين في العالم، حيث يراقب عن كثب مجمل التحولات التي تمس الحالة الوطنية على كافة الصعد الفكرية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية.  بالفعل، لقد استنفذ المثقفون الفلسطينيون كافة طاقاتهم في تشخيص ما يعاني منها مجتمعنا وقضيتنا الفلسطينية في خضم البحث المتواصل لمخرج يرتكز على معالجة الخلل على المستوى السياسي أكثر منه على المستوى الاجتماعي والتربوي والثقافي. وهذا أمر يمكن فهمه نظرا لحساسية المرحلة التاريخية التي يمر بها شعبنا وقضيتنا في ظل التحولات الوطنية والإقليمية والعالمية التي تهيمن على تفكيرنا وانفعالاتنا اليومية مع الأحداث التي تحيط بنا وبقضيتنا.  التحدي الأساسي يكمن في تحويل كفاءة المثقف في رؤية الأمور وتحليلها واستشراف المستقبل إلى قوة تغيير مجتمعية. بإمكان المثقف الفلسطيني قيادة التغيير كي لا يقتصر دوره على إنتاج الأفكار الفلسفية وحسب، بل مشاركته الفاعلة من خلال الإرشاد والتوجيه الى آليات التنفيذ واستحداث المبادرات الكفيلة بالوصول الى النموذج الأمثل لإحداث التغيير المنشود. فكل فكرة بحد ذاتها تحتاج الى برنامج عمل كي تصبح ذات جدوى. وبالرغم من أن أفاق التغيير تبدو صعبة المنال في ظل افتقارنا لمنهجيات منتظمة ومنظمة لممارسة الفعل الديمقراطي، من خلال الانتخابات ومؤسسات الحكم الرشيد التي تستند إلى المشاركة والشفافية والمحاسبة على الأداء، لا بد من إيجاد السبل المناسبة لمتابعة وتقييم وتصحيح القوانين والأنظمة والسياسات المتعلقة بسير المجتمع ومصلحة المواطن.

من الملفت للانتباه خلال عرض الفيلم والحوار التابع له هو جرأة التطرق لموضوع المظاهر الاجتماعية التي بدأت تجلياتها بالظهور الى السطح خلال الشهر الماضي. ولعل أهم تلك المظاهر هو قرارات حكومة حماس بشأن احتفالات عيد الميلاد في قطاع غزة وحرق شجرة عيد الميلاد في سخنين (بالرغم من أن بلدة سخنين لا تقع في المناطق الإدارية لسلطتي رام الله وغزة) وأحداث الحفلة الموسيقية في مقام النبي موسى، وما تلا ذلك من تفاعلات شعبية وإعلامية وسياسية. اليوم هدأت الأمور ولم يعد أحد يتحدث عن هذا الموضوع وكأنه كان زوبعة في فنجان، وقد هب عديد من كتاب الرأي ونشطاء التواصل الاجتماعي للتعبير عن رفضهم واستيائهم لها.  ولكن، اليوم انتهى الموضوع، لربما لأن البعض لا يريد الخوض في ثناياه، ويفضل طي الصفحة، فالمعظم اليوم منشغل بالتصريحات والتحليلات والفتاوى حول المرسوم الرئاسي المتعلق بالانتخابات التشريعية والرئاسية وانتخابات المجلس الوطني.

لكن، وبالرغم من انطفاء شعلة النقاش، فإن الظاهرة لا تزال ماثلة ولم تتحول التجاوزات الاجتماعية الى خبر قديم حتى لو أغلقنا النقاش بشأنها. بل على العكس، فهذه الظاهرة خطيرة وتتطلب وقفة جدية لكافة القائمين على مؤسسات الحكم والمفكرين والمثقفين والسياسيين، وذلك لأن معظم المظاهر الاجتماعية لا يمكن أن تكون وليدة اللحظة وإنما هي متأصلة في المجتمع ولها جذورها الثقافية والفكرية وربما الدينية وحتى السياسية. بالتالي، لا يجب إهمالها أو التقاعس عن معالجتها كونها قضية شائكة ومركبة وتثير المشاعر الدينية.  فهي تعكس اختلالا حادا في التركيبة الذهنية للأفراد والجماعات والمؤسسات وليس فقط لأنها تسيء الى النسيج المجتمعي، بل لأنها تسيء وبشكل خطير الى مصداقية العمل الوطني بشكل عام.  في الحقيقة، تشكل هذه المظاهر خطرا أكبر من خطر الاحتلال وممارساته ضد الإنسان الفلسطيني.  فنحن نعرف أن الاحتلال هو عدونا الرئيسي، ولكن أن يكون عدونا هو نحن من داخلنا، فهذا أمر يجعلنا ندق ناقوس الخطر على كينونتنا كشعب فلسطيني واحد.

فبالرغم من محدودية نطاق عمل كلا السلطتين في رام الله وغزة، إلا أننا يجب أن نبدأ بمعالجة الموضوع من خلال خطوات صغيرة بإمكانها إحداث تغيرات نوعية على الأقل في المدى المنظور والمتوسط.  فكلا السلطتين مسؤولة عن إدارة العملية التربوية والتعليمية في المدارس والجامعات وتشرف على عمل المؤسسات الدينية في مناطقهم.

أقل ما نوصي به هو الدعوة لعقد لقاء علمي مفتوح ومتعدد الأقطاب لذوي العلاقة يتم خلاله دراسة وتحليل تداعيات الظاهرة من أجل الخروج بخطة عمل تتعاون في تنفيذها المؤسسات في القطاعات التربوية والدينية بالشراكة مع الأحزاب السياسية والنخب المثقفة، من أجل صياغة بيان واضح وصريح بتوقيع جميع الأطراف، ونخص بالذكر المثقفين الفلسطينيين في كافة أماكن تواجدهم.  ويمكن لـ “ملتقى فلسطين” تبني هذه المبادرة وخاصة أنه أصبح منصة جامعة للمثقفين والأكاديميين والناشطين الفلسطينيين داخل وخارج فلسطين.  بعد ذلك يتم تعيين مجموعة مختصة من المفكرين والأكاديميين ونشطاء المجتمع المدني لمراجعة علمية شاملة لكافة المناهج التربوية تركز على تقييم النماذج التي يتم فيها تعريف المواطنة وتمثيل المجتمع الفلسطيني بمكوناته المسيحية والإسلامية دون استثناء.

يمكن لهذه المراجعة أن تجيب على السؤال الأساسي الذي أشار اليه غبطة البطريرك: “كيف وصلنا الى هذا الوضع”.  فلكي نجيب على هذا السؤال ولكي ننقذ أنفسنا من الانزلاق الى المخاطر التي تهدد السلم الأهلي واحترام كرامة البشر، لا بد من تحليل جذور الظاهرة والبحث عن الدوافع الحقيقية وراء هذه الممارسات وألا نكتفي فقط بعرض المظاهر العامة للمشكلة. فالأمر الأهم الذي يثير قلق البطريرك هو بناء الإنسان الفلسطيني على أساس المفهوم الإنساني الشامل الذي يستند إلى القيم الإنسانية العالمية والمشتركة، التي تقوم على أساس المساواة في الحقوق والواجبات بغض النظر عن العرق أو اللون أو الدين وأساسها الكرامة الإنسانية للجميع بدون استثناء.

يمكن لهذه المبادرة أن تضع النقاط على الحروف كما يمكنها أن تأخذ دور كرة الثلج المتدحرجة لتفتح آفاقا غير محدودة لمراجعات أكبر وأشمل تساهم في إعادة البوصلة الوطنية للتركيز على الانعتاق من نير الاحتلال الاستعماري العنصري والمستمر بمشروعه التوسعي لإلغاء الوجود الفلسطيني.  فلكي نستطيع التحرر من الاحتلال، يجب أن نتحرر من داخلنا وأن نعالج مكامن الضعف الداخلية لكي نستطيع مواجهة عدونا الخارجي.

وللحديث بقية وللعمل بداية…

Author: ليلي حبش

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *