البريكس: أي دور تجاه الصراع الفلسطيني -الإسرائيلي؟


اشترك معنا في قناة تلغرام: اضغط للاشتراك حمل تطبيق الملتقى الفلسطيني على آندرويد: اضغط للتحميل

خلال قمة بريكس الخامسة عشر الأخيرة، أكدت دول المجموعة (الصين، روسيا، الهند، البرازيل، وجنوب افريقيا) على ضرورة حل الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي بالطرق السلمية ودعم حل الدولتين. يضعنا هذا الموقف المتكرر أمام أسئلة مهمة وهي، هل تمتلك القوى الصاعدة القدرة في احداث تأثيرات حقيقة على الصراعات الدولية الطويلة Prolonged conflicts؟ هذا السؤال العريض يندرج تحته مجموعة من الأسئلة التي ممكن أن تساعد في فهم العلاقة بين البريكس (كتجمع للقوى الصاعدة) والقضية الفلسطينية، أهمها السؤالين التاليين: هل تمتلك مجموعة البريكس رؤية واضحة ومختلفة عن الحلول المطروحة للصراع الفلسطيني- الإسرائيلي؟ وهل هناك استغلال فلسطيني دبلوماسي حقيقي لمواقف وتصريحات مجموعة البريكس؟

يختلف علماء العلاقات الدولية في تمييز خصائص القوى الصاعدة في النظام الدولي، فالواقعيون مثلًا، يركزون على أن تأثير القوة الصاعدة يعتمد على الخصائص المادية للدولة، أي امتلاكها عناصر القوة العسكرية والإقتصادية. أما منظرو المدرسة الإنجليزية، فيرون أن التأثير في مجريات الأحداث الدولية يحتاج أكثر من مجرد “القدرة” القائمة على العوامل المادية، حيث تُمنح القوى العظمى “الحق” في إدارة النظام الدولي من قبل أعضاء آخرين في المجتمع الدولي، أي القبول. في سياق الصراعات الدولية، يمكن أن نحاجج بأن تأثير قوى عظمى صاعدة على الأحداث لا يرتبط فقط بالقدرة والقبول، بل أيضًا، بأولوياتها ورغبتها الحقيقة في حل نزاع معين.

تدعي كل من الصين وروسيا والهند وهي أكبر أعضاء مجموعة البريكس أن لهم أدوارًا بناءة  Constructive Roles تجاه الصراعات الدولية بما فيها الصراع الفلسطيني -الإسرائيلي. وتمتلك هذه الدول الكبرى القوة المادية. أما فيما يتعلق بالقبول، فإن الطرف الفلسطيني يناشد هذه القوى الثلاث للعب دور أكبر في الصراع، ولكن لا نجد هذا القبول من قبل إسرائيل، ولم يتم اختباره بشكل حقيقي لغاية الآن. وفيما يتعلق بالرغبات والأولويات، فبرغم طرح الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي في لقاءات البريكس، إلا أنه ليس من أولويات هذه الدول، ولا يوجد أي مؤشر يظهر رغبة هدذ الدول في ايجاد حل حقيقي للصراع أو حتى دفع عملية التسوية إلى الأمام. ويعود ذلك لعدة أسباب، أولها التقدم الواضح في العلاقات الثنائية بين إسرائيل ودول مجموعة البريكس منفردة. حيث تحول دعم أغلب هذه الدول (المادي والسياسي والعسكري) للفلسطينين إلى مجرد دعم لفظي في الأمم المتحدة والتأكيد على دعم لحل الدولتين. أصبحت إسرائيل بعد عقود من تطور العلاقات البينية من أكبر الشركاء للصين والهند سواء على الصعيد الإقتصادي أو مجالات التعاون الأخرى. أما موقف روسيا فهو أكثر من واضح وتجلى بالإعلان الرسمي المتكرر عن أن “أمن تل أبيب من أمن موسكو.” وفي المجمل، تعتمد مجموعة دول البريكس استراتيجية واحدة بما فيها جنوب إفريقيا والبرازيل، تقوم على الحد من تأثير الصراع الفلسطيني الإسرائيلي على علاقاتها الثنائية مع إسرائيل. المهم في هذا السياق أن هناك صفة عامة تغلب على أعضاء المجموعة والدول الستة الذين تم قبولها مؤخرًا عدا -إيران- وهي اختفاء الطابع الإستعماري لدولة إسرائيل من خطاباتهم وسياساتهم وتحولها إلى شريك تجاري وسياسي واحيانًا عسكري في الشرق الأوسط. ويستنتج هنا أن التزام البريكس بمقترحات الحل الأممية المطروحة سابقًا يمكن تفسيره برغبة الأعضاء بعدم استفزاز شريكهم الأهم، إسرائيل.  

السبب الأخر يتعلق بجوهر المقترحات التي قدمتها البريكس، التي لم تأت عمليًا بأي شيء جديد، فهي تتبنى مقترحات الرباعية الدولية والأمم المتحدة، ويغلب عليها طابع “تحويل المسؤولية” على الأطراف، وتخلو من أي التزام حقيقي للدفع باتجاه التسوية. مثلًا، في القمة الرابعة لمجموعة عام 2012، وفي إشارة واضحة على تحويل المسؤولية  قال بيان القمة: “على الجانبيين اتخاذ اجراءات بناءة، وإعادة الثقة، وتهيئة الظروف المناسبة لإستئناف المفاوضات.” منذ ذلك الوقت ولغاية القمة الأخيرة التي عقدت في الـ 22 من الشهر الجاري، التزم البريكس بالصياغة التالية، “ضرورة الإلتزام بحل الدولتين بما في ذلك إنشاء دولة فلسطينية متصلة جغرافياً وقابلة للحياة اقتصادياً، تعيش جنباً إلى جنب في سلام مع إسرائيل، ضمن حدود معترف بها دولياً.” وفي تصريح نشرته المجموعة بعد لقاء عقدته الشهر المنصرم مع قيادات من السلطة الفلسطينية، عزام الأحمد وسلمان الحرفي في جنوب افريقيا، جاء فيه “تدعو المجموعة إلى تنفيذ قرارات الأمم المتحدة، وقرارات مجلس الأمن المتعلقة بالقضية الفلسطينية، بما فيها القرار رقم 2334 بشأن تسوية الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي في إطار حل الدولتين، بإقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشرقية.”

ويُلاحظ أيضًا خلو تصريحات البريكس بشأن الصراع من وضع آليات وسياسات عملية مساعدة للجانب الفلسطيني في قيام الدولة، أو سياسات ضاغطة على إسرائيل لحل الصراع، وهذا يثبت فرضية أن الصراع ليس من أولويات المجموعة ولا تمتلك الإرادة الحقيقة للدفع باجاه التسوية. فعندما تدعو المجموعة إلى الالتزام بالقرارات الدولية، أو دعم التسوية السلمية، لا تقدم آليات لتحقيق ذلك، وبالتالي فإن كل تصريحات البريكس تجاه الصراع لا تخرج من كونها “شكلية”، وتعمل بمثابة “ديكور سياسي” تجميلي لمجموعة تدعي بأنها تهتم بالأمن الدولي، وتسعى لتعزيز الأمن والسلم في الشرق الأوسط.

إذا كان الصراع الفلسطيني -الإسرائيلي ليس أولوية، ولا توجد هناك رغبة حقيقة لحل الصراع، إذا لماذا يتم طرحه في أغلب لقاءات البريكس؟  ممكن أن يفسر ذلك في إطار سعي هذه الدول لإظهار نفسها  كمجموعة مسؤولة، وغير منعزلة، وصاعدة ترغب في خلق انطباع ايجابي عنها عالميًا، وهذا ما يثبت محاولة ما يقارب الأربعين دولة الإنضمام إلى المجموعة. ونضيف على ذلك عامل مناكفة الولايات المتحدة. أغلب أعضاء البريكس المؤسسين تجمعهم رؤية واحدة حول رفض الهيمنة الأمريكية، وتحاجج هذه الدول بأن العالم في ظل الأحادية القطبية يعيش في حالة من انعدام الأمن والإستقرار. وتشير ديباجة البريكس أن نشأته جاءت في إطار خلق نظام متعدد الأقطاب والحاجة إلى جهود متعددة الأطراف لحل القضايا الإقليمية والعالمية، بما فيها الصراع الفلسطيني -الإسرائيلي.

هل توسيع عضوية البريكس الأخيرة وضم ثلاثة دول عربية مهمة (السعودية والإمارات ومصر) ممكن أن يؤثر ايجابًا على طريقة تعامل البريكس مع القضية الفلسطيني؟ لقد تخطت الامارات كل الأعراف الدولية والقيم العربية والأخلاقية في انحيازها الصارخ لإسرائيل ويهودية الكيان الإسرائيلي. أما السعودية، فتناقش اليوم مسألة التطبيع بشرط حصولها على “برنامج نووي مدني” ( Civilian nuclear programme )، وبالرغم من إشارتها لحل المسألة الفلسطينية، فالتاريخ يقول لنا، أن المصلحة تسبق الدم والعاطفة والروابط الدينية والأخلاقية، فإذا ما حصلت على موافقة أمريكية واسرائيلية في موضوع النووي، فالتطبيع قادم دون النظر إلى تداعياته السلبية على الفلسطينين. وفيما يتعلق بمصر، فمصر اليوم منحازة لإسرائيل على الرغم من ادعائها الحياد والوساطة، وهي مشارك فعلي في حصار قطاع غزة بالتنسيق مع إسرائيل.

وثمة سبب إضافي يجعل من دور البريكس محدود وهو فشل الدبلوماسية الفلسطينية وتراجع ملف القضية الفلسطينية على الأجندة الدولية وخفوت الإهتمام بها في دول آسيا وافريقيا، وانتشار التطبيع بين دول العالم العربي. لقد كانت فلسطين على الاجندة العالمية عندما كان الكفاح المسلح قائمًا ونشطًا فترة الحرب الباردة، ومع تبني السلطة الفلسطينية خيار التسوية السلمية وملاحقة المقاوميين، تراجعت أهمية الملف الفلسطيني. وما يثبت ذلك أحداث هبة القدس والتي تلتها معركة سيف القدس عام 2021، حيث قدم الشارع الفلسطيني بكل أطيافه -ما عدا السلطة في رام الله- صورة عظيمة لمقاومة شعب تحت احتلال، مما جعل المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل تقول “لقد حان الوقت للتحدث مع حماس.” لقد أثبتت هذه الأحداث والتي كانت مختلفة عن سابقاتها من الحروب العسكرية بين حماس وإسرائيل، أن الفعل المقاوم الفلسطيني “الكلي” الشعبي والعسكري يعيد فلسطين إلى قمة الأجندات الدولية. ما هو واضح الآن، أنه طالما إسرائيل بمأمن فإن العالم بشرقه وغربه، ومن ضمنه مجموعة البريكس، سيبقى صامتًا ملتزمًا بدبلوماسية جوفاء باردة تجاه دعم حل الدولتين أو الحقوق الفلسطينية.

اشترك معنا في قناة تلغرام: اضغط للاشتراك

حمل تطبيق الملتقى الفلسطيني على آندرويد: اضغط للتحميل

Author: رزان الشوامرة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *