الاحتجاجات الطلابية حولت فلسطين إلى قضية أميركية داخلية


اشترك معنا في قناة تلغرام: اضغط للاشتراك حمل تطبيق الملتقى الفلسطيني على آندرويد: اضغط للتحميل

على غرار ما يحدث في الدول المستبدة حول العالم، قمعت الشرطة الأميركية الاحتجاجات الطلابية المؤيدة للفلسطينيين في العديد من الجامعات الأميركية، في دليل واضح على كيفية تغيير الحرب على غزة البلد الأقوى في العالم داخليا، كما كتب البعض، بعدما أصبحت فلسطين محورا لـ”الحركة الطلابية الأميركية” التي تحتل تاريخيا دورا كبيرا في تغيير السياسة الأميركية.

وقد حولت هذه الاحتجاجات قضية فلسطين إلى مسألة أميركية داخلية ومحور لصراع سياسي داخل الولايات المتحدة ودافعا للصراع بين الأجيال أيضا، بعد أن انتشرت كالنار في الهشيم.

وكان استطلاع للرأي أجري في أواخر تشرين الأول/ أكتوبر من العام الماضي، أي بعد عملية طوفان الأقصى، قد أظهر أن نسبة تعاطف الأميركيين مع الفلسطينيين في الفئة التي تتراوح أعمارها بين 18 و29 عاما أكبر من نسبة التعاطف مع الإسرائيليين في الصراع الحالي، وأن هذه الفئة العمرية هي الوحيدة التي تتبنى هذا التوجه، وفقا لما ورد في تقرير لصحيفة “واشنطن بوست” الأميركية.

من الاحتجاجات الطلابية في واشنطن (Getty images)

وفي حين كان مشهد قمع احتجاجات الطلاب الأميركيين في أعرق جامعات العالم، المظهر الأبرز لمحاولة مؤيدي إسرائيل وأد الحراك الداعم للشعب الفلسطيني، فإن اللافت أن ذلك يتم عبر طرق غير ديمقراطية وبأساليب تهدد ما يفترض أنه أهم ثوابت الحياة السياسية والأكاديمية الأميركية، وهي حرية التعبير والحقوق المدنية.

كما يمثل قمع احتجاجات الطلاب الأميركيين انتكاسة للجامعات الأميركية باعتبارها مؤسسة مستقلة ذاتية الإدارة، وتتيح مساحة كبيرة لحرية التفكير بما في ذلك ما يخالف التيار السائد، وهي مسألة ليست مهمة فقط لهذه الجامعات، كما يعتقد البعض، بل للريادة العلمية الأميركية التي قامت في جزء منها على حق التفكير خارج الصندوق وتحطيم ثوابت المجتمع، باعتبار ذلك عاملا أساسيا في التقدم العلمي.

وأشار العديد من المعلقين إلى أوجه التشابه بين حركة الاحتجاج في العام 1968 ضد حرب فيتنام والاحتجاج العالمي اليوم ضد الحرب على غزة كثيرة، إذ تتشابه هذه الأوجه من خلال أسباب الحرب، تفاوت القوى، العنف الاستعماري، وكذلك الأخطاء في التقدير والحسابات السياسية.

العدوان الإسرائيلي المستمر هذه المرة على غزة، المتمثل في عملية هدم استمرت سبعة أشهر في غزة، وحملة إبادة جماعية ضد كل مواطن وعائلة في القطاع بغض النظر عن انتماءاتهم، وتدمير منازلهم ومستشفياتهم ومدارسهم وجامعاتهم، كان نقطة تحول في الرأي العالمي بشأن إسرائيل.

وتقع كل من جامعات كولومبيا وييل وهارفارد في مرمى هذه الثورة الطلابية بسبب علاقات تلك الجامعات مع إسرائيل، ففي جامعة كولومبيا، يطالب الطلاب الجامعة بإنهاء استثماراتها في شركتي التكنولوجيا العملاقتين “أمازون” و”جوجل” اللتين أبرمتا عقدا للحوسبة السحابية بقيمة 1.2 مليار دولار مع الحكومة الإسرائيلية.

وفي جامعة ييل، يطالب الطلاب الجامعة بسحب الاستثمارات من “جميع شركات تصنيع الأسلحة المتواطئة في الهجوم الإسرائيلي على فلسطين”، وتتبنى جامعة ييل برنامجا للتبادل الطلابي مع سبع جامعات إسرائيلية، وتتعاون جامعة هارفارد مع ثلاث من هذه الجامعات وتربط جامعة كولومبيا علاقات مع أربع جامعات اسرائيلية.

وكما حدث في العام 1968، فقد قوبلت العديد من هذه الاحتجاجات بالقوة بعد ان أمرت رئيسة جامعة كولومبيا نعمات “مينوش” شفيق شرطة نيويورك بتفريق المخيم الاحتجاجي، لتنتقل العدوى ويصبح القمع الشرطوي واعتقال مئات الطلاب الأسلوب الأساسي في التعامل مع الاحتجاجات.

وحول هذا الموضوع، حاور “عرب 48” طالب الدكتوراة من جامعة إلينوي في شيكاغو وعضو إدارة حراك الطلاب من أجل العدالة في فلسطين، أمير طعمة.

“عرب 48”: كما علمنا فإنك من إقرث وعائلتك هُجرت في النكبة واستقريت في حيفا، وحاليا تتابع دراستك العليا في الولايات المتحدة الأميركية؟

طعمة: صحيح، أنا من عائلة مهجرة تنتمي لفئة اللاجئين داخل الوطن الذين يسمون “الحاضرين الغائبين” الذين فقدوا قراهم وبيوتهم وأملاكهم رغم بقاءهم في الوطن، أدرس لقب الدكتوراة في جامعة إلينوي في شيكاغو للسنة الرابعة، وأعمل على بحث موضوعه “تأثير الإعلام الإسرائيلي على اليمين في إسرائيل”.

“عرب 48”: كيف هي الأوضاع عندكم؟

طعمة: في إلينوي هناك ثلاث جامعات، في الجامعة التي أدرس فيها انتهى الفصل الدراسي ولذلك تسود فترة من الهدوء، أما في الجامعتين الأخريين فالوضع ما زال ساخنا، هناك مخيمان احتجاجيان وأمس قررت الشرطة اقتحام جامعة شيكاغو وتفكيك المخيم وما زال بالرغم من ذلك، الطلاب يحتشدون في ساحات الجامعة وفي مداخلها احتجاجا على خطوة الشرطة التعسفية.

الشرطة وبالتعاون مع إدارات الجامعات قرروا اتباع الإستراتيجية الإسرائيلية في قمع الاحتجاجات، حيث اقتحمت الجامعة قوات كبيرة من أفراد الشرطة مدججين بكافة أدوات القمع في الخامسة صباحا وفككوا الخيام بالقوة واعتقلوا العديد من المحتجين.

“عرب 48”: لا نعرف من يتعلم من الآخر، ولكن النتيجة واحدة والقمع واحد؟

طعمة: الطلاب خرجوا من أجل غزة وفلسطين ولكن أدركوا أنهم يواجهون نفس منظومة القمع، وأن الشرطة التي تقمعهم يجري تدريبها من قبل الشرطة الإسرائيلية ويتم تحريضها وتوجيهها من قبل مؤيدي إسرائيل النافذين في مراكز صنع القرار الأميركي.

“عرب 48”: ربما هذا تأكيد ليس على الخيوط التي تربط بين أميركا وإسرائيل فقط، بل على الشبكة العنكبوتية لنظام القمع والهيمنة العالمي وامتداداته؟

طعمة: المتظاهرون استطاعوا الربط بين الكثير من القضايا، وإن كانت قضية غزة وفلسطين هي المفجر والعنوان الرئيس للاحتجاجات والذي جمع تحته العديد من العناوين الفرعية مثل الأقليات والعنصرية والتهميش وضم جميع الفئات المظلومة والمقموعة في المجتمع الأميركي في نضال واحد من أجل مجتمع ونظام عالمي أكثر عدلا.

“عرب 48”: كيف يستوي ذلك مع كون حركة الاحتجاج انطلقت من جامعات النخبة؟

طعمة: حركة الاحتجاجات تضم طلابا من الفئات المحظية في المجتمع الأميركي في صفوفها وفي صدارتها، يهمهم مواضيع مثل العدالة والمساواة وتسعى للتحرر من منظومات القمع وبيع السلاح والاحتلال والعنصرية والتي وجدت في قضية غزة وفلسطين وراهنيتها شعارا جامعا يؤطر هذه الموضوعات وانضوت للنضال تحت رايته.

“عرب 48”: ما قصدت قوله إن هذا النضال لا يأخذ طابعا وكأنه تحرك للمجموعات المستضعفة، بل هو على العكس من ذلك؟

طعمة: حقيقة إن المبادرين هم الفلسطينيون الذين استطاعوا في هذه الحالة تجنيد حلفاء لهم من مختلف أطياف المجتمع الأميركي، وبذلك تحويل حركة الاحتجاج إلى حركة أميركية شاملة، على غرار حركات الاحتجاج التي سادت الجامعات الأميركية خلال حرب فيتنام عام 1968 والحركة المناهضة للأبارتهايد في جنوب إفريقيا في الثمانينيات.

“عرب 48”: ما سر انطلاق هذا الحراك من الجامعات المرموقة؟

طعمة: أعتقد أن الطلاب في كولومبيا رأوا أنهم يتمتعون بامتيازات زائدة، كما أن الحراك الطلابي الفلسطيني في كولومبيا مؤسس ومعروف وكذلك الجامعة نفسها معروفة وتشكل بؤرة ومركز جذب للإعلام، وقد سبق أن أخذت دور الريادة في موجات الاحتجات السابقة خلال حرب فيتنام ومناهضة نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا.

كما أن كولومبيا ونظيراتها من جامعات النخبة عادة ما تحظى أكثر من غيرها، بدعم من متمولين صهاينة وأجسام صهيونية في الولايات المتحدة وتربطها أكثر من غيرها علاقات بإسرائيل والجامعات الإسرائيلية.

“عرب 48”: الحديث يدور اليوم عن عشرات الجامعات الأميركية التي تشملها الاحتجاجات، إضافة إلى انتقال الاحتجاجات إلى جامعات أوروبا وغيرها أيضا؟

طعمة: الاحتجاجات انتقلت إلى جامعات الجنوب، جورجيا ومسيسيبي والتي لا تتميز عادة بنشاط طلابي فلسطيني كبير، وهو ما يدل على أن الفلسطينيين بواسطة “الحركة من أجل العدالة لفلسطين” قد أطلقوا الشرارة التي أشعلت الاحتجاجات في كل مكان.

“عرب 48”: “الحركة من أجل العدالة لفلسطين” التي ذكرت هي المبادرة؟

طعمة: هي حركة لها فروع في مختلف الجامعات الأميركية وسقف مشترك يتمثل في لجنة مركزية مشتركة، تعطي توجيهات وإرشادات حول كيفية تنظيم وإدارة الاحتجاج ولكن كل فرع هو من يقرر في شؤونه المحلية.

ولا شك أن هذا التواصل التنظيمي هو ما يسهل العمل بين الجامعات وانتقال النشاط من جامعة إلى أخرى، كما شهدنا، إضافة إلى توحيد الأدوات والشعارات وردود الأفعال التي تميزت بالسلمية في مختلف الجامعات.

“عرب 48”: عند التمعن في شعار وقف العلاقات وسحب الاستثمارات مع الجامعات الإسرائيلية، نتفاجأ بحجم هذه الاستثمارات التي قد تصل إلى مئات ملايين الدولارات؟

طعمة: صحيح، هناك استثمارت كبيرة وبرامج مشتركة مع جامعات إسرائيلية أو شركات أميركية تستثمر في هذه الجامعات وتتعاون معها، لذلك فإن وقف الاستثمارات هو مطلب ضاغط على إسرائيل لوقف العدوان وحرب الإبادة في غزة، وهو شعار يوجه الاحتجاج الطلابي ضد إدارات الجامعات ويوفر مطالب عينية لحركة الاحتجاج قابلة للتفاوض.

علما أن المطالب العامة هي وقف حرب الإبادة التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني، ومحاكمة نتنياهو وغيره من القادة السياسيين والعسكريين في المحاكم الدولية، بتهمة ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.

ولكن هناك مطالب أقل جرى الاتفاق عليها في بعض الجامعات مثل فتح برامج للدراسات الفلسطينية وفتح مراكز ثقافية للطلاب العرب والفلسطينيين وغيرها.

“عرب 48”: ما مدى تأثير حركات الاحتجاج تلك على الرأي العام الأميركي؟

طعمة: أعتقد أن اتساع حركة الاحتجاج وانتشارها بهذا الشكل، إنما يعكس ابتعاد الرأي العام الأميركي عن الرواية الصهيونية التي تؤيد إسرائيل بأي ثمن وبغض النظر عن افعالها.

انت كأميركي عادي يفترض بك أن تدعم إسرائيل ترى أنها تمارس إبادة لشعب اخر وتقتل أكثر من 30 ألف شخص وتدمر مئات آلاف المنازل، لا بد أن تبدأ بالتساؤل حول استمرار هذا الدعم، وأعتقد أن هذا ما يحصل خاصة في أوساط جيل الشباب، وعندما ترى الناس أن الشرطة الأميركية تدخل الجامعات وتضرب وتعتقل أولادهم الذين يتظاهرون بطرقة سلمية، فإن الرأي العام يذهب أكثر باتجاه الابتعاد عن الرواية الصهيونية، نحو حالة من التوازن.

“عرب 48”: تقصد أن القضية تتحول إلى مسألة داخلية؟

طعمة: الناس ترى كيف أن جامعة مرموقة تدعي أنها تدافع عن حرية التعبير وتعمل من أجل طلابها والدفاع عنهم، تقوم باستدعاء الشرطة لضرب واعتقال طلابها، الناس ترى ذلك وتندهش، والحراك يصل إلى أهدافه فالناس لا تمتلك القوة والنفوذ في إدارات الجامعات ومن يمتلك القوة والنفوذ هي الأجسام الصهيونية التي تدعم هذه الجامعات.

“عرب 48”: الكثيرون شبهوا هذه الاحتجاجات بحركة الاحتجاج التي سادت خلال حرب فيتنام والاحتجاجات المطالبة بمقاطعة نظام الأبارتهايد في جنوب إفريقيا، علما أنه في الحالتين لم تواجه تلك الاحتجاجات قوة منظمة مثل الصهيونية واللوبي اليهودي؟

طعمة: فيتنام وجنوب إفريقيا يمثلان نقطة قوة لحركة الاحتجاج ويعطياها مصداقية أمام الجمهور الأميركي، الذي واجهها في الحالتين وكانت النتيجة أنها أثبتت صدقها وصحة مواقفها، وفي النهاية انسحب الجيش الأميركي وتحررت فيتنام وسقط نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا.

اليوم مواجهة الرأي العام الأميركي هي أسهل بهذا المعنى، ولكن الحركة الطلابية تواجه عدوا من نوع آخر يتمثل باللوبيات الصهيونية ونفوذها السياسي والاقتصادي المتعاظم في دوائر صنع القرار وفي الإعلام وداخل إدارات الجامعات، وهي تسلط عليها سيف تهمة العداء للسامية التي باتت تربطها بكل من يناهض سياسات إسرائيل والتي لا ينفع معها حتى وجود مجموعات يهودية معك.

وفي المحصلة، فإن القضية تحتاج إلى حكمة وطول نفس وهو ما يميز حركة الاحتجاج حتى الآن، التي أفسدت محاولات إيقاعها في الشرك والصاق تهم الإرهاب والعداء للسامية بها، ولذلك فهي في طرقها إلى التحول إلى حركة عالمية.


أمير طعمة: ناشط سياسي فلسطيني من إقرث. ساهم بتأسيس وقيادة حركة شباب حيفا والحراك الشبابي في إقرث، وشغل منصب منسق المرافعة البرلمانية في مركز “مساواة” لحقوق فلسطينيي الداخل. حاليا مرشح للدكتوراة في العلوم السياسية من جامعة إيلينوي في شيكاغو، وعضو إدارة في حراك الطلاب لأجل العدالة في فلسطين في الجامعة.

عن عرب 48

اشترك معنا في قناة تلغرام: اضغط للاشتراك

حمل تطبيق الملتقى الفلسطيني على آندرويد: اضغط للتحميل

Author: سليمان أبو ارشيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *