الإمبراطورية في لحظة انكشافها: الحالة الأميركية

تشهد السياسة الدولية في السنوات الأخيرة تحولات لافتة في أنماط القيادة ومصادر الشرعية وحدود القوة، تفرض إعادة التفكير في موقع الولايات المتحدة ودورها العالمي، لا بوصفه معطى ثابتًا، بل كظاهرة تاريخية متحركة تخضع، كغيرها، لمنطق التحول والصعود والتراجع. يمكن فهم السلوك الأميركي عالميا اليوم بوصفه تعبيرا عن تحول عميق في طبيعة الدور الأميركي، أكثر منه مجرد اضطراب عابر في السياسات أو نزوة قيادية. فالولايات المتحدة تبدو وكأنها تنتقل من موقع القوة التي قادت نظاما دوليا قائما على القواعد والمؤسسات والشرعية، إلى قوة تتصرف بمنطق أكثر خشونة، وتسعى إلى تعظيم المكاسب وتقليص الكلفة، ولو كان ذلك على حساب استقرار النظام الدولي ذاته. ويعيد هذا التحول إلى الواجهة سؤالا قديما في أدبيات تاريخ الإمبراطوريات: بعد نحو ربع ألفية على نشوء الولايات المتحدة فوق أنقاض شعوب أصلية، هل نحن إزاء مؤشرات تعب إمبراطوري يسبق الانحدار؟ ويتفاقم هذا السؤال حين يترافق التحول مع نمط قيادة شديد الشخصنة، يتسم بالاستعراض واليقينيات التبسيطية، ويقدم صاحبه نفسه بوصفه تجسيدا لقوة عابرة للزمان والمكان، ومصدرا لإلهام استثنائي، يزعم امتلاك مفاتيح الخلاص والازدهار، لا لأميركا فحسب بل للعالم أيضا، عبر خصخصة كل شيء، بما في ذلك العلاقات الدولية، وعبر اختزال السياسة في منطق الثروة والمال، باعتبارهما الطريق الأوحد إلى تصحيح مسار التاريخ، في سردية تقصي البعد الأخلاقي، وتغلب الربح العاري على مركزية الحقوق والدما
برأيي، يقدّم ابن خلدون هنا مدخلا تفسيريا مهما، إذ يرى أن الدول لا تنهار فجأة، بل تمر بدورات تاريخية متعاقبة: من الصعود القائم على العصبية والمعنى الجامع، إلى التوسع، ثم الترف، فمرحلة التكلس، حيث تتآكل الشرعية الداخلية، وتزداد كلفة الحكم، ويُستعاض عن الإجماع بالقسر، وعن المعنى بالقوة. وإذا ما أُسقط هذا المنطق على الحالة الأميركية، أمكن ملاحظة تراجع العصبية الداخلية في ظل تصدّع ما عُرف تاريخيا ببوتقة الانصهار، التي أسهمت طويلًا في إنتاج إجماع داخلي واسع حول الدور العالمي للولايات المتحدة، وصعود انقسام داخلي حاد حول معنى القيادة الدولية وطبيعتها وجدواها. ومع هذا التآكل في المعنى الجامع، تميل الدولة إلى تبنّي أدوات أسرع وأكثر خشونة في إدارة موقعها الدولي، من قبيل فرض تعريفات جمركية قاسية، والانسحاب من المؤسسات الدولية، وممارسة الضغط المباشر على الحلفاء والخصوم على حد سواء.
غير أن هذا التحول، بظني، لا يعني بالضرورة أن الولايات المتحدة فقدت قدرتها على الفعل، فهي ما تزال تمتلك أدوات قوة هائلة، عبر الدولار، والسيطرة على الأسواق، والتكنولوجيا، والتحالفات، والقدرة على تسليح الاقتصاد العالمي. لكن ما تغير هو ما تريده الولايات المتحدة وكيف تسعى إليه. فهي اليوم تريد إعادة توطين الصناعات الاستراتيجية، وإجبار الحلفاء على تحمل كلفة الحماية والعلاقة، وإدارة الصراعات الكبرى، كأوكرانيا، بمنطق الصفقات لا الالتزامات طويلة الأمد، وتقليص انخراطها في مؤسسات باتت تراها عبئا على حرية قرارها. كما تسعى إلى هندسة ترتيبات إقليمية مضبوطة بأقل كلفة ممكنة، خصوصا في المنطقة المسماة بالشرق الأوسط، تقوم على الأمن والإدارة والردع، أكثر مما تقوم على معالجات سياسية جذرية.
في المقابل، لا يقف العالم موقف المتفرج، فالقوى الكبرى والصاعدة لا تتجه نحو القطيعة مع الولايات المتحدة، بل تعتمد سياسات تحوط مدروسة، تقوم على التفاوض حيث أمكن، والمواجهة حيث لزم، وبناء بدائل تدريجية تقلل من الاعتماد على القرار الأميركي. فالصين تسعى إلى إدارة التنافس مع واشنطن، لا إلى كسره مباشرة، مع العمل بهدوء ومنهجية على فك القيود والتعثرات التكنولوجية والمالية التي تفرضها البيئة الدولية الراهنة. وفيما تستثمر روسيا أي فرصة متاحة لتثبيت مكاسبها، وإعادة تعريف موقعها بوصفها قوة دولية مُعطِّلة، وقادرة على إرباك النظام القائم، تميل أوروبا والهند، وقوى أخرى، إلى تنويع شراكاتها الاقتصادية والسياسية، وتقليل مستويات المخاطر في تعاملها مع النظام الدولي، في عالم بات أقل قابلية للتنبؤ، وأكثر هشاشة وتقلبا.
ويتجلى هذا المنطق الأميركي بوضوح في سلسلة مواقف وسياسات بدت، للوهلة الأولى، صادمة أو غير مسبوقة، لكنها في العمق تنسجم مع المنطق ذاته، منطق القوة العارية والصفقة الفجة. فالسطو الأميركي العسكري على فنزويلا، واختطاف رئيسها بالقوة، لا يمكن فهمه فقط في سياق الخصومة مع نظام معاد لواشنطن، بل بوصفه رسالة أوسع مفادها أن السيادة الوطنية باتت مشروطة بالتماهي مع المصالح الأميركية. هنا تُستعاد لغة الإمبراطوريات الكلاسيكية، ومفادها أن من لا ينضبط يعاقب، ومن يمتلك موارد استراتيجية، كالنفط في حالة فنزويلا (والمنطقة العربية)، يصبح هدفا مشروعا لإعادة الهندسة السياسية بالقسر.
الأمر نفسه ينطبق على إصرار ترامب المتكرر بشأن الاستحواذ على جزيرة غرينلاند، فهذه الفكرة، التي أثارت استهجانًا ورفضًا واسعَين في أوروبا، ليست مجرد نزوة خطابية، بقدر ما هي تعبير مكثف عن تحول عميق في تصور واشنطن للعالم. ففي هذا المنطق، تصبح الجغرافيا قابلة للشراء، والسيادة موضوعا للمقايضة، والتحالفات علاقات تدار بمنطق السوق، لا بمنطق المبادئ أو القيم أو القواعد القانونية. وتكشف غرينلاند، بما تمثله من موقع استراتيجي وثروات محتملة في القطب الشمالي، كيف تنظر الولايات المتحدة إلى المستقبل بوصفه سباقا مفتوحا على الموارد والممرات الجديدة، خارج أي اعتبار أخلاقي أو قانوني راسخ.
وقد تركت هذه المقاربات أثرا بالغا على العلاقات الأميركية الأوروبية، فأوروبا، التي اعتادت النظر إلى الولايات المتحدة بوصفها قائدا لنظام “العالم الحر” الليبرالي وحاميا لقواعده، تجد نفسها اليوم أمام شريك يتصرف كقوة فوق قانونية، لا تتردد في تهديد حلفائها أو ابتزازهم سياسيا واقتصاديا. هذا التوتر لا يعني قطيعة عبر أطلسية، لكنه يعمق الشكوك الأوروبية حول الاعتماد المطلق على المظلة الأميركية، ويدفع، ولو ببطء وتردد، نحو الاستقلال الاستراتيجي.
ويزداد هذا المشهد الدولي اضطرابا مع تكرار تصاعد التوتر العسكري بين الولايات المتحدة وإيران، وهو توتر لا يمكن قراءته بمعزل عن التحول الأوسع في السلوك الأميركي الأوسع. فأميركا اليوم تميل إلى التلويح بالقسر قبل فتح مسارات التفاوض، وتُدير الأزمات بمنطق الردع السريع والصفقة المحتملة، لا بمنطق التسويات المستقرة وطويلة الأمد. وفي هذا السياق، لا يحمل إرسال الأساطيل بعدا عسكريًا صرفا، بل يؤدي وظائف متزامنة: توجيه رسالة ردع واضحة، وتهيئة ميدانية لخيارات عسكرية محدودة عند الضرورة، وممارسة ضغط تفاوضي مكثف يهدف إلى دفع طهران نحو طاولة التفاوض بشروط أقل توازنا مما كان عليه الحال سابقا.
حتى في حال لم تقدم الولايات المتحدة على مهاجمة إيران عسكريًا، فإن المؤشرات الراهنة توحي بأن المشهد الإقليمي والدولي يتحرك على تخوم طيف واسع من السيناريوهات المفتوحة، يتراوح بين احتواء متوتر تحكمه حسابات الردع المتبادل، وضربات محدودة ومحسوبة تهدف إلى إعادة ترميم توازنات مختلة، وصولا، في أسوأ التقديرات، إلى انفجار قد ينجم عن سوء تقدير أو حادث غير محسوب في نظام دولي فقد قدرا كبيرا من آليات الضبط المؤسسي والوساطة الفاعلة. وفي حال انزلقت الأمور نحو مواجهة عسكرية، فمن المرجح أن تكون تداعياتها مركبة ومتداخلة، تشمل اضطرابا في الاقتصاد العالمي، وتصعيدا أمنيا واسع النطاق في منطقتنا، إلى جانب ضغوط سياسية متزايدة على دول المنطقة، تدفعها نحو الاصطفاف القسري بدل الحفاظ على هوامش المناورة والتوازن. أما خيار الاتفاق، فرغم بقائه حاضرا من حيث المبدأ، فإنه يبدو أقرب إلى صفقة مشروطة وهشة، تعكس عمق انعدام الثقة بين الأطراف المعنية، أكثر مما تعكس تسوية مستقرة أو قابلة للاستدامة على المدى الطويل.
ومن البديهي أن ينعكس هذا المنحى الأميركي القائم على فرض الوقائع بالقوة في المنطقة بشكل مباشر على الأطماع الإسرائيلية، فجو التصعيد يعزز موقع دولة الاحتلال داخل الحسابات الأميركية، ويمنحها هامشا أوسع لدفع أولوياتها الأمنية وفرض وقائع جديدة. وفي المقابل، تخشى إسرائيل من صفقة أميركية إيرانية تُبقي لطهران نفوذا معتبرا، حتى لو جرى ضبطه، لما يشكله ذلك من تهديد طويل الأمد. هكذا تتحول إسرائيل إلى فاعل مستفيد من التوتر، لكنها تظل قلقة من نهاياته التفاوضية.
أما المنطقة العربية، والقضية الفلسطينية في القلب منها، فقد دفعت، ولا تزال تدفع، ومن المرجّح أن تستمر في دفع الكلفة الأثقل لهذا التحول العالمي، إذ كلما انزلقت السياسة الدولية نحو منطق الردع والصفقة، تعاظم خطر اختزال فلسطين إلى ملف أمني أو إنساني، يُدار ضمن ترتيبات إقليمية مؤقتة تقوم على معادلات مختلّة: استسلام فعلي مقابل إعمار مشروط، إدارة تقنية مقابل استقرار هش، وترتيبات ضبط انتقالية مقابل وعود سياسية رخوة وقابلة للتآكل. وينسجم هذا المسار تماما مع النمط الأميركي السائد في إدارة الأزمات بدل معالجتها، وفي تبديد الحقوق الجوهرية لصالح وعود ب “الاستقرار”، سرعان ما يتبيّن، في كل مرة، أنه استقرار زائف لا يعالج جذور الصراع بل يعيد إنتاجه في صورة أكثر هشاشة.
بهذا المعنى، لا يجوز اختزال ما نشهده اليوم في سياسات رئيس أميركي بعينه، بل ينبغي فهمه بوصفه تعبيرا عن لحظة تفكك عميقة في البنية الأخلاقية والسياسية للتجربة الأميركية نفسها، لحظة لا تظل آثارها محصورة داخل حدودها، بل تمتد عدواها إلى النظام الدولي برمّته. ففي هذه اللحظة يعاد تعريف القوة ومكوناتها وأدواتها، وتتحول الجغرافيا إلى موضوع للمساومة، وتدار الأزمات بمنطق الأساطيل والصفقات، لا بمنطق القانون والعدالة. وهو تحول لا يضع العالم أمام أسئلة سياسية واستراتيجية فحسب، بل أمام قدر متزايد من القلق الوجودي على مدنية العلاقات بين الدول، وعلى مستقبل النظام الدولي، بل وعلى مصير البشرية جمعاء في عالم تتآكل فيه الضوابط الأخلاقية لصالح منطق القوة العارية.
عن القدس