الإسرائيليون يعودون إلى الشارع: استئناف الصراع على طابع الدولة


اشترك معنا في قناة تلغرام: اضغط للاشتراك حمل تطبيق الملتقى الفلسطيني على آندرويد: اضغط للتحميل

تشهد إسرائيل منذ سبعة أشهر تقريبا، أي منذ عودة بنيامين نتنياهو إلى منصب رئاسة الحكومة (في الشهر الأخير من العام الماضي) مع ائتلافه المتشكل من أحزاب اليمين القومي والديني المتطرف، تشهد نوعا من الهزّة السياسية، على مختلف الأصعدة، في علاقة الدولة بمواطنيها، وعلاقة التيارين الأكبر (الديني والعلماني) في مجتمعها، وفي علاقة إسرائيل بالغرب الذي تعتبر نفسها امتدادا له في الشرق الأوسط.

ما يلفت الانتباه أن تلك الهزة ناجمة، أيضا، عن انزياح في نظامها السياسي، أو في طريقتها المعهودة في حل أو تجاوز التناقضات المتضمنة فيها، بين الشرقيين والغربيين، والعلمانيين والمتدينين، واليسار واليمين، وبين المستوطنين القدامى والجدد، وبين الإسرائيليين ومواطنيها من العرب الفلسطينيين أصحاب الأرض الأصليين، وهي التي لم تكن تتأسس على الحسم، وإنما على التوافقات، وتدوير الزوايا.

بيد أن تلك الهزّة ترافقت، أيضا، مع هبة شعبية قوية شهدتها إسرائيل طوال تلك الفترة، إذ شملت المظاهرات والاحتجاجات القطاع الأكاديمي، وقطاع الأطباء، والصناعيين، ومنظمة الهستدروت، والشركات الكبرى، وضمنها العاملون في شركات الـ”هاي تيك”، كما شملت قطاع الجيش وهو ما تمثل بامتناع ضباط احتياط في سلاح الجو الإسرائيلي، وفي وحدات قوات النخبة، والمجندين المدعوين للاحتياط، عن الالتحاق بوحداتهم، على أساس أن خدمتهم يفترض أن تكون للدفاع عن الشعب أو عن الدولة وليس عن حكومة فئوية، أخلت بإجماع إسرائيل التاريخي في كونها دولة ديمقراطية وعلمانية.

كثير من المحللين الإسرائيليين باتوا يرون في نتنياهو مشروع دكتاتور، وأنه يأخذ إسرائيل نحو الانهيار، وباتوا يصفون حكومته بالفاسدة، وبأنها تحمل في داخلها نزوعا نحو الفاشية والإرهاب

وكانت هذه الهزة وتلك التحركات قد حصلت بهدف إحباط محاولات نتنياهو إحداث تغييرات في النظام السياسي الإسرائيلي، تتيح له من موقعه في السلطة التنفيذية (كرئيس للحكومة)، ومن كونه يتحكّم بالسلطة التشريعية، بحيازته على أغلبية في الكنيست تقدر بـ64 من 120 عضوا في الكنيست (من الليكود مع الأحزاب الدينية)، تتيح له إضعاف السلطة القضائية، ممثلة بالمحكمة العليا في إسرائيل، بحيث يصبح مسيطرا على السلطات الثلاث (التنفيذية والتشريعية والقضائية)، ما اعتبر عند الأحزاب المعارضة، وعند قطاعات واسعة من الإسرائيليين، بمثابة انقلاب على النظام السياسي وعلى قيم الديمقراطية والليبرالية اللتين نشأت عليهما إسرائيل، وجعلتها بمثابة امتداد للغرب في الشرق الأوسط، فضلا عن أنهما ميزاها عن الأنظمة القائمة في محيطها، وأضفيا عليها قوة مضافة.

على أية حال فإن “الانقلاب النظامي” من وجهة نظر معارضي نتنياهو، لا يتعلق فقط بإضعاف أو مصادرة السلطة القضائية، إذ إنه يشمل إخراج الحكومة من دائرة المراقبة، أي عدم إخضاعها لأي قانون، وتعزيز مكانة التيارات الدينية في الدولة، وصك التشريعات الجديدة وفقا للشريعة اليهودية، وهو ما ترفضه القطاعات العلمانية، كما يفترض ذلك خلق دولة داخل الدولة، بحيث يصبح للمستوطنين اليهود المتطرفين المتدينيين، التحكم بالسياسة الإسرائيلية إزاء الفلسطينيين وفي أراضيهم.

وقد يجدر التذكير هنا بأن نتنياهو بالذات هو المسؤول عن تلك الهزّة التي تشهدها إسرائيل، فهو المتحكم في السياسة الإسرائيلية منذ العام 2009 (حقبته الثانية بعد الأولى 1996-1999)، إذ إنه في الحقبة الأولى كان المسؤول عن الإطاحة باتفاق أوسلو مع الفلسطينيين، أما في الحقبة الثانية فقد تم صك قانون-أساس (أي قانون بمنزلة دستورية) يعتبر إسرائيل دولة قومية لليهود (2018)، وها هو في حقبته الثالثة يواصل إصراره على فرض تغييرات في النظام السياسي الإسرائيلي، لصالح اليمين القومي والديني المتطرف.

في تلك الفترة المبكرة من عهد نتنياهو كتب جدعون ليفي، مثلا، الآتي: “يجب أن نعترف: هذا مجتمع ذو مزايا دينية ظلامية جدا. الأجنبي الذي يجد نفسه في إسرائيل في هذه الأيام يسأل نفسه ما هو المكان الذي وصلت إليه إيران، أفغانستان؟ هذه الدولة لا يمكنها أن تسمي نفسها دولة علمانية وليبرالية… كل شيء ديني تقريبا من الميلاد حتى الوفاة مرورا بالزواج والطلاق… ليست هناك دولة في العالم كله لا تسير فيها الحافلات والقطارات في أيام السبت… وليست هناك دولة لا يقدمون فيها كل الأطعمة في كل الأيام باستثناء إسرائيل. هذا وضع غريب ولا يتلاءم مع الدولة التي تسمي نفسها دولة ليبرالية متنورة. كما أن الفصل بين الرجال والنساء ليس ظاهرة قائمة في الدول الديمقراطية. الدين لم يفصل هنا أبدا عن الدولة… المجتمع الذي يراهن على طرح نفسه كمجتمع غربي متنور لا يمكنه أن يخدع نفسه وهو يعيش نهج حياة دينية بهذا الشكل وظلامي… لنعترف، نحن (تقريبا) دولة قانون ديني”. (“هآرتس”، 12/4/2009). 
 

جدعون ليفي: “يجب أن نعترف: هذا مجتمع بسمات دينية ظلامية جدا. الأجنبي الذي يجد نفسه في إسرائيل في هذه الأيام يسأل نفسه: ما المكان الذي وصلت إليه إيران… أفغانستان؟”

أما آري شبيط فوصف الوضع آنذاك بقوله: “متطرفو اليهود… في هجوم… ضد الأقلية وضد الفرد وضد حقوق الإنسان. يحاصرون المحكمة العليا والصحافة الحرة والمجتمع المفتوح. هناك طوفان لم يسبق له مثيل من العنصرية على العرب وكراهية العلمانيين واضطهاد النساء، يهدد بجعل إسرائيل المتنورة إسرائيل الظلامية… في البلدان العربية وفي إسرائيل أيضا لم يتم فصل حقيقي بين الدين والدولة، فالمسجد والكنيس لم يُبعدا عن السياسة، ولهذا بقي عنصر ديني عميق في الهوية العربية والهوية اليهودية أيضا… حان الوقت ليفهم اليمين العلماني أنه إذا تحولت إسرائيل إلى إيران، فلن يكون لها أي أمل. ستنتقض عُراها من الداخل وتُبتلع في الظلام الديني الإقليمي”. (“هآرتس” 1/12/2012). 


في حين كتب خبير الاقتصاد البروفيسور دان بن ديفيد بأن “إسرائيل إذا أصبحت دولة من العالم الثالث، فسيكون ذلك نهاية المشروع كله”. (“يديعوت أحرونوت” 29/10/2011).

يفسر هذا أن كثيرا من المحللين الإسرائيليين باتوا يرون في نتنياهو مشروع دكتاتور، وأنه يأخذ إسرائيل نحو الانهيار، وباتوا يصفون حكومته بالفاسدة، وبأنها تحمل في داخلها نزوعا نحو الفاشية والإرهاب. لذا فبعد ظهور نتيجة الانتخابات الإسرائيلية مؤخرا كتب تسفي بارئيل: “سيؤلف نتنياهو حكومة تنهي عهد الديمقراطية الإسرائيلية كما عرفناها في أكثر من 70 عاما. هذه هي نتيجة حكم نتنياهو الطويل والعقيم المملوء بالتضليل والفساد والتحريض والعنصرية وجرى خلاله الاحتفال بحرية واحدة هي حرية المستوطنين… نتائج الانتخابات… لخصت الرؤية التي صيغت بتصميم ودقة، للقضاء على العلاقة الكاذبة بين اليهودية والديمقراطية، وصوغ وحش إثني– فاشي”. (“هآرتس” 2/11/2022).

من كل ذلك يمكن الاستنتاج أن حكومة ائتلاف اليمين القومي والديني المتطرف، مع نتنياهو وبتسئليل سمتريتش وايتمار بن غفير (زعيما الصهيونية الدينية)، باتت تشكل تهديدا لعلمانية و”ديمقراطية” إسرائيل، وارتباطها بالقيم الغربية، مع ملاحظة أن الديمقراطية فيها خاصة باليهود الإسرائيليين، إذ هي تستثني الفلسطينيين من مواطنيها، وهذا التحول المتمثل بانتقال عدوى العدوانية والتمييز من الفلسطينيين إلى قسم من الإسرائيليين، هو الذي يفسّر غضب نصف الإسرائيليين الآخر، وحراكاتهم المدنية، للضغط، وعدم تمكين الحكومة الحالية تمرير مشروعها الذي يهدد بتآكل الديمقراطية الإسرائيلية، وتحول إسرائيل نحو الدكتاتورية، وتآكل علمانية الدولة لصالح اليهودية، وهنا تعني يهوديتها ليس المعنى العلماني، أو “القومي”، وإنما يهودية التشريع فيها. 

Reuters
متظاهرون يسيرون الى تل أبيب للاحتجاج على التعديلات القضائية

وربما أن من مفارقات أو مساخر التاريخ، أن الصهيونية العلمانية، التي اتكأت على الدين، ورشت، أو أغوت، الأحزاب الدينية بامتيازات لا يحظى بها القسم الآخر من المجتمع اليهودي في فلسطين (مثلا إعفاء المتدينين من الخدمة العسكرية، ومن الضرائب، ومنحهم معونات اجتماعية)، لكسبهم لمشروعها، أو اعتبارهم بمثابة سلم أو درج لصعودها، إذا بهم اليوم باتوا يحتلون الدولة، ويقصون القسم الذي عاشوا على حسابه.
 

حكومة ائتلاف اليمين القومي والديني المتطرف، مع نتنياهو وبتسئليل سمتريتش وايتمار بن غفير (زعيما الصهيونية الدينية)، باتت تشكل تهديدا لعلمانية و”ديمقراطية” إسرائيل

في الواقع، فإن هذه التطورات تفيد بإخفاق أسطورة الصهر الإسرائيلية، التي طالما تغنّت إسرائيل بنجاحها بجلب مستوطنين يهود من شتى أنحاء العالم، مع لغات وثقافات وعادات مختلفة، وصهرهم في مؤسساتها لإنجاب مجتمع إسرائيلي جديد، سيما من خلال مؤسسات الجيش والدولة (القطاع العام)، ومن خلال المدارس والجامعات ووسائل الإعلام، فالمجتمع الحريدي، أو المتدين، ظل يعيش وفقا لتعاليم حاخاماته، كأنه في غيتو، ضمن غيتو أكبر اسمه إسرائيل، واليوم فإن هؤلاء يريدون فرض شريعتهم على الجمهور غير المتدين أو الجمهور العلماني، إلى درجة أن كثيرا من علماء الاجتماع والكتاب السياسيين في إسرائيل يرون أن إسرائيل تتألف من “قبائل” عديدة، مع علمنا بأن الانقسام الديني- العلماني مركب، إذ يتحدر معظم التيار الديني من أوساط اليهود الشرقيين، في حين يتحدر معظم التيار العلماني من أوساط اليهود الغربيين.

Reuters
خيام نصبها متظاهرون اسرائيليون في طريقهم الى تل ابيب للاحتجاج على مشروع الحكومة للتعديلات القضائية في 20 يوليو

أيضا، ما حدث يؤكد إخفاق ديمقراطية إسرائيل، بما هي عليه كديمقراطية لليهود فيها، وكديمقراطية تستثني قطاعا من مواطنيها، وتعاملهم بطريقة تمييزية، بسبب الدين أو القومية (الفلسطينيين)، ومنذ زمن طويل طالما أشار كثير من المحللين الإسرائيليين، إلى صعوبة الجمع بين ديمقراطية إسرائيل ويهوديتها، أو بين ديمقراطية إسرائيل وكونها دولة عنصرية واستعمارية، إزاء الفلسطينيين. وهذا ينطبق على علمانية إسرائيل، إذ لا يمكن الجمع بينها وبين تشريع يؤكد أن إسرائيل هي دولة يهودية، أو الدولة القومية لليهود، وهو التشريع الذي تم تمريره في العام 2018 في الكنيست الإسرائيلي، في ظل حكومة نتنياهو آنذاك، كما قدمنا.

والسؤال المطروح اليوم أنه إذا كانت إسرائيل غير قادرة على تكييف، أو تطبيع، مجتمعها مع التناقضات الكامنة فيه، ولا سيما بين المتدينين والعلمانيين، وإذا كانت، أيضا، غير قادرة على تطبيع علاقاتها مع الفلسطينيين من مواطنيها (في مناطق 48)، فكيف إذن ستطبع مع الفلسطينيين في الأراضي المحتلة؟ أو مع محيطها العربي؟ 


 عن المجلة

اشترك معنا في قناة تلغرام: اضغط للاشتراك

حمل تطبيق الملتقى الفلسطيني على آندرويد: اضغط للتحميل

Author: ماجد كيالي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *