الإرادة…وإلّا بقينا شعبًا بمفهوم أنثروبولوجي فقط!


اشترك معنا في قناة تلغرام: اضغط للاشتراك حمل تطبيق الملتقى الفلسطيني على آندرويد: اضغط للتحميل

مرات كثيرة يقترن الحديث عن “شعبنا الفلسطيني” و”الشعب الفلسطيني” بفرضيّة أن اسم الشعب يكفيه وأن مجرّد وجوده يجعل من بقيّة الأمور محصّلة حاصل. قد يكون هذا صحيحًا لو أن الشعوب كواكب دريّة تسبح في الفضاء دون أي جاذبيّة، دون كواكب أكبر وأصغر، أقوى وأضعف ودون مادة معتمة وثقوب سوداء وعواصف كونيّة. لكن ما العمل ما دام الفضاء مغايرًا وكذلك الأرض التي تعيش عليها الشعوب ضمن مباني قوّة لا تنفكّ تُهدم وتُبنى من جديد بالقوّة؟

يُنتظر في عالم قائم على أساس الدول القومية/القطرية/الإقليميّة أن يكون للشعوب إرادات أو مكانة قانونيّة/دستوريّة في دولة خاصة بها ذات سيادة تجسّد هذه الإرادة أو في دولة أخرى تجمعها مع جماعات وشعوب أخرى في إطار دستوريّ أو ضمن ترتيبات متفق عليها. وإلّا ظلّ هذا الشعب مجرّد هويّة لا غير قابلة للصرف أو مجرّد فولكلور أو طقوس أو زيّ شعبيّ أو جملة عادات. سيظلّ الشعب بدون إرادة وجودًا أنتروبولجيًّا أكثر منه أي شيء آخر. لن يكون بالضرورة وجودا سياسيًّا ما لم يتجسّد وجوده في إرادة سياسيّة ومشروع سياسيّ يبني هويّته بهذا المعنى، ويثبتها على الأرض.

وهذا ما ينطبق على الشعب الفلسطيني أسوة بباقي الشعوب. ويصير الأمر مُلحًّا بشكل خاص في ضوء الفرضيّة أن من ورائه عقود من النضال والمقاومة والعمل الفدائي والتنظيمات والفصائل والتضحيات، وأن هذا كافٍ لأن نطمئنّ أو نترك الأمور للتاريخ ينع المعجزة. بالذات في هذه النُقطة يكمن الضعف الفلسطيني في الراهن. في غياب الإرادة الجامعة أو حتى نوع منها. كلّ ما تشكّل في العقود الأخيرة تشكّل على أساس فرضيات عمل وأهمّها: قرار تقسيم فلسطين في 1947، التسوية القائمة على خيار حلّ الدولتيْن، التزام العالم بقرارات الشرعيّة الدولية، وجود التفاف عربيّ حول قضيّة فلسطين، اعتماد خيار التفاوض كمدخل إلى دولة فلسطين المستقلّة ـ بيد أن المستجدّات في كلّ المستويات قد هزّت هذه الفرضيات وعطّلت فاعليتها الفكريّة. ليس هذا فحسب بل أن كلّ ما أنشأه الفلسطينيون بتضحيات وأخطاء على أساسها قد تراجع إلى حدّ مُقلق.

إن نجاحهم في السابق في إقامة منظمة التحرير ومؤسّساتها وصولًا إلى المجلس الوطني شكّل فعلا ناجحًا لبناء الإرادة ـ إرادة شعب ومشروع وطني جماعي. وهي الإرادة ذاتها التي تضعضعت وانقسمت واصارت اسميّة أو ورثة ماضٍ كان أفضل من هذه الناحية. هذا الضعف الذي تترجم على الأرض إلى ظواهر لا نهائية. ومنها غياب مشروع وطنيّ واضح المعالم في ضوء انهيار خيار التفاوض و”حلّ الدولتيْن”. ومنها، أيضًا، محاولات إسرائيلية جدّية تُحقق بعض النجاحات على الأرض لشطب المسألة الفلسطينية وملفّ اللاجئين من التداول وإغلاق باب النضال الوطني الفلسطيني بدمغه على أنه لا سامية. يُضاف إليها تسرّب اليأس إلى القلوب وإلى العقول وشيوع خطاب متناقض متخبّط في أساسه أفعال القلوب لا أفعال العقول. وهذا الضعف الفلسطيني هو الذي يُغري عربًا في الإقليم إلى هجران فلسطين كسؤال وبوصلة واستحقاق والتذيّل لمشاريع أمريكية ـ إسرائيلية في الإقليم. وهو هجران سبقه ما دلّ عليه في الثورة المضادة للربيع العربيّ وفي تحييد مصر وتدمير العراق.

لكن قبل أن ننتظر إرادة سياسيّة مناصرة في العواصم العربيّة على الفلسطينيين أن يبنوا إرادتهم من جديد كشرط لتوجيه إرادات عربيّة وفق بوصلة الفلسطينيين أو على الأقلّ فرضها ـ فلسطين ـ كرقم صعب في معادلة صراع الإرادات في الإقليم. في الراهن تحوّلت الإرادة الفلسطينية إلى رغبات متناثرة تسعى في مواقعها المختلفة لضمان حدّ معقول لحريّة التنقّل على المعابر والحواجز أو لتحسين شروط حصار جيتو غزّة أو ضمان قطف موسم الزيتون بدون تعطيل من سوائب المستوطنين. هذا مهمّ للذين يُعانون مباشرة لكنه ليس كلّ شيء بالنسبة لشعب يُفترض أن يخوض نضالًا من أجل استقلاله وحقّ تقرير مصيره. لنعترف أنه ليس في الجوار الآن أي إرادة فلسطينية من أي نوع ما مشغولة بهذا الهاجس على ملفّاته. كل ما في جعبتنا إرادات متفاوتة مختلفة متخاصمة لها رغبات ومصالح جهويّة وفئوية ومناطقيّة لا تشمل جميع أبناء وبنات الشعب الفلسطيني.

لا أسقط من الحساب أن إعلان استئناف التنسيق الأمني أتى لإجهاض مفاوضات المصالحة الوطنية في القاهرة. لكن لا يُمكننا أن نختزل غياب الإرادة الجامعة في حرب حماس ـ السُلطة، لأنه غياب أشمل وأعمّ يُرافقه غياب المشروع الوطنيّ الجامع. لا أريد أن أذهب إلى استنتاجات جارفة بأن الفلسطينيين حتى جيلنا الراهن ـ الثالث للنكبة ـ أخفق في صناعة المخارج وإن هو عرف كيف يُربّي الأمل ويُربّي أوساطًا تفكّر وتجتهد في لملمة القِطع المتناثرة وسبكها من جديد في إرادة جامعة.

ها قد انطلقت هذه الأوساط في رحلة البحث عن الإرادة الجامعة كي نصير يومًا ما نُريد”!

اشترك معنا في قناة تلغرام: اضغط للاشتراك

حمل تطبيق الملتقى الفلسطيني على آندرويد: اضغط للتحميل

Author: مرزوق الحلبي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *