الإبادة الثقافية وجه آخر من وجوه الإبادة الجماعية في غزة

لم تكن الإبادة الثقافية سوى وجه من وجوه الإبادة الجماعية التي ارتكبتها إسرائيل في قطاع غزة، وفصل من فصول تاريخ طويل من تدمير التراث الثقافي للشعب الفلسطيني، انطلق مع قيام دولة إسرائيل في سنة 1948، واستمر مع تطورها إلى اليوم. 

تاريخ الإبادة الثقافية في فلسطين ومقاومتها

في مقال مطول بعنوان: “الإبادة الثقافية والمقاومة في فلسطين”، نُشر في 20 تشرين الثاني/نوفمبر 2024، ذكرت الأستاذة البلجيكية ماريان بلوم، التي أنشأت قسم اللغة الفرنسية في جامعة الأزهر وأقامت في مدينة غزة نحو عشرة أعوام، أنه “على مدى 76 عاماً، تسعى إسرائيل جاهدةً لمحو الفلسطينيين”، وترى أن “إحدى أفضل الطرق لإبادة جماعة أو مجتمع أو شعب هي تدمير تراثه الثقافي، أو على الأقل إلحاق ضرر جسيم به”. فبعد حرب سنة 1948، وتهجير ثلثي السكان الفلسطينيين، وقيام دولة إسرائيل، “شُكِّلت لجنة لتهويد أراضي الدولة، وتمّ تدمير قرابة 615 بلدة وقرية فلسطينية اختفت من الخريطة”، وصاحبت تلك الحرب عمليات نهب وسرقة منظمة، إذ “كُلِّفت وحدات خاصة بجمع الكتب والوثائق من المنازل التي طُرد منها الفلسطينيون، ومن المكتبات والأرشيفات، بلغت قرابة 70 ألفاً، صُنفت ضمن فئة “ممتلكات الغائبين”، وهي موجودة اليوم في مكتبات مختلفة، ولا يمكن الاطلاع عليها إلا من قِبل الإسرائيليين”. وفي أيلول/ سبتمبر 2024، عرض رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، خلال مؤتمر صحفي، خريطة “ُتظهر الضفة الغربية المحتلة كجزء لا يتجزأ من إسرائيل”، وذلك بعد أن أطلق عليها الإسرائيليون اسماً توراتياً (“يهودا” و”السامرة”)، لإخراجها من الوجود الفلسطيني في المنطقة. وكانت القوات الإسرائيلية قد استولت، في حزيران/يونيو 1982، في بيروت على أرشيفات “مركز الأبحاث الفلسطيني” و”أرشيفات الفيلم الفلسطيني”، التي “تضمنت كتباً ومقالات ووثائق وميكروفيلم ومخطوطات وخرائط وملصقات وصوراً وصحفاً ومقاطع أفلام وصور فوتوغرافية مختلفة”. ويُروّج للفلافل، في كتب الطبخ والإعلانات السياحية، على أنه الطبق الوطني الإسرائيلي، إلى جانب أطباق أخرى، كالحمص والسلطة. وفي سنة 2020، عندما استضافت إسرائيل مسابقة ملكة جمال الكون، “ألبس المنظمون المتسابقات أزياءً فلسطينية تقليدية، مُقدّمة كجزء من الثقافة البدوية الإسرائيلية!”. ومنذ سنة 1967، “اقتُلعت أو أُحرقت أو دُمّرت ما لا يقل عن 800 ألف شجرة زيتون على يد السلطات الإسرائيلية أو المستوطنين، كما دأب المستوطنون والسلطات الإسرائيلية على سرقة أشجار الزيتون الفلسطينية ونقلها لإعادة زراعتها في المستوطنات الإسرائيلية والمدن الكبرى، وهكذا، تُزيّن الآن شجرة زيتون مسروقة عمرها قرن من الزمان مدخل مستوطنة معاليه أدوميم”، علماً أنه  “إذا كان هناك شجرة واحدة ترمز إلى فلسطين، فهي شجرة الزيتون؛ فإلى جانب أهميتها الاقتصادية، تُجسّد شجرة الزيتون صمود الفلسطينيين وجذورهم في أرضهم التي تحتلها إسرائيل، إنها عنصرٌ أساسيٌّ في ثقافة الفلاحين الفلسطينيين”.

وتنتقل ماريان بلوم، بعد ذلك، للحديث عن مقاومة الفلسطينيين لمحاولات محو وجودهم، فتذكر أن الفلسطينيين “يعرضون خرائطهم في مواجهة الخرائط الجغرافية الإسرائيلية، سواءً في منازلهم على شكل تطريزات أو جداول تُظهر أسماء مدن فلسطين التاريخية وقراها، أو، من منظور علمي، على شكل خريطة تاريخية للقرى المدمرة، مثل خريطة المؤرخ وليد الخالدي، أو خريطة مُحدثة للأراضي الفلسطينية المستعمرة من إعداد الجغرافي وخبير الخرائط خليل التفكجي”. وبينما تمّ تغيير أسماء الأماكن والقرى لتُنسى، “يحتفظ كل لاجئ فلسطيني باسم قريته الأصلية وينقلها إلى أبنائه”. ويتخذ الفلسطينيون في إسرائيل إجراءات مباشرة، فهم “يعودون إلى قريتهم المدمرة، وينظمون مخيمات شبابية هناك”، وذلك بغية “إعادة ربط الشباب بجذورهم”. كما تضاعفت مشاريع إنشاء متاحف إثنوغرافية أو متاحف للذاكرة، وإعادة تأهيل المراكز الحضرية القديمة، وفتح مواقع أثرية، وتولت منظمات خاصة وغير ربحية مسؤولية حفظ التراث، ومن بين هذه المنظمات منظمة “رواق” غير الحكومية، التي “أعدت جرداً للمباني التقليدية سنة 2005، وتعمل على ترميم المباني القديمة بهدف إعادة استخدامها”. وبعد قبول فلسطين في عضوية اليونسكو سنة 2011، “أُدرجت ثلاثة مواقع على قائمة التراث العالمي وقائمة التراث المعرض للخطر: كنيسة المهد وطريق الحج في بيت لحم، وقرية بتير، والبلدة القديمة في الخليل”، كما تمكنت فلسطين في سنة 2021 “من إدراج التطريز كموقع للتراث الثقافي غير المادي لليونسكو، مما ساهم في حماية التراث الفلسطيني”. كذلك تسجل فلسطين، بأفلامها، حضوراً بارزاً في مهرجات السينما العالمية، مثل مهرجانَي كان والبندقية، و”تتمتع السينما الفلسطينية بحيوية استثنائية، لدرجة أن المزيد من الأفلام تصل إلى الجمهور الغربي”.

وتخلص الأستاذة البلجيكية إلى أن “الإبادة الجماعية التي ارتكبتها إسرائيل في غزة تؤكد أنه في غياب حل عادل ودائم، يبقى خطر الاختفاء القسري للتراث بقوة السلاح قائماً”[1].

تدمير التراث الثقافي، بهدف محو آثار التاريخ الفلسطيني

في مقابلة أجرتها الصحافية سُليمة مردم بك مع المؤرخة الفرنسية-اللبنانية المختصة بالعصور الوسطى آن ماري إده، ونشرتها جريدة “لوريان لو جور” البيروتية، في 7 آذار/مارس 2025، تحدثت هذه المؤرخة عن المبادرة التي أطلقتها، مع البروفيسورة ماتيلد بودييه، لتنظيم سلسلة محاضرات مخصصة لتاريخ قطاع غزة الممتد لآلاف السنين، في جامعة باريس الأولى-السوربون، فذكرت أن هذه السلسلة “تبدأ بتاريخ غزة في الألفية الثانية قبل الميلاد وتستمر حتى قيام دولة إسرائيل سنة 1948، وتهدف إلى تسليط الضوء على العمق التاريخي لغزة والمنطقة المحيطة بها في وقتٍ يُهدد فيه سكانها بالتهجير القسري”، مقدّرة أن الحرب التي تشنها الحكومة الإسرائيلية اليمينية المتطرفة منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023 على قطاع غزة “تنطوي على رغبةٍ مُمنهجة في تدمير التراث الثقافي، بهدف محو آثار التاريخ الفلسطيني”. وعن سؤال يتعلق بحجم الدمار الذي لحق بتراث غزة الثقافي، أجابت آن ماري إده “يتضح حجم الدمار مع ورود الشهادات والصور وتحديث قوائم المؤسسات الفلسطينية والدولية، وقد حددنا حتى الآن حوالي مائة موقع دُمر جزئياً أو كلياً ومن بين هذه المواقع، على سبيل المثال، قصر الباشا، الذي كان خلال العصر المملوكي (1250-1516)، مقراً لممثلي السلطان، وسُمي قصر الباشا خلال العصر العثماني، وعُرف لدى الفلسطينيين في غزة بأنه استضاف نابليون بونابرت خلال الحملة المصرية في أواخر القرن الثامن عشر، وحُوِّل خلال فترة الانتداب البريطاني إلى مركز شرطة، ثم أصبح مدرسة للبنات، وأخيراً متحفاً، وهو الآن مدمر إلى حد كبير، بكل ما كان يحتويه؛ والأهم من ذلك بالنسبة لسكان غزة هو المسجد العمري الكبير، الذي كان في الأصل كنيسة بناها الصليبيون، وربما تحول إلى مسجد بعد أن استعاد صلاح الدين الأيوبي غزة سنة 1187، ولا تزال هناك بوابة تعود إلى العصر الصليبي قائمة حتى التدمير الأخير، وقد قام المماليك بتوسيعه وبنوا فيه مئذنة، انهارت المئذنة في نهاية القرن الثامن عشر إثر زلزال ثم أُعيد بناؤها، ثم دُمر المسجد إلى حد كبير في سنة 1917 بسبب القصف البريطاني لغزة، قبل إعادة بنائه بين سنتَي 1923 و1931، ثم تضرر مرة أخرى بسبب القصف الإسرائيلي في سنة 2014، وتم ترميمه في سنة 2016، ودُمر مرة أخرى إلى حد كبير”. وتوقفت أستاذة  تاريخ العصور الوسطى عند مصطلح “إبادة المدن”، فأشارت إلى أن تدمير مدينة “ليس هدفاً عسكرياً”، بل يهدف إلى “تدمير بناء الهوية، ذلك أن الأمر يتعلق بتدمير هوية السكان بمحو تاريخهم وثقافتهم وذاكرتهم؛ فعندما  يُدمّر جيش جامعةً بالديناميت بعد احتلالها ثم إخلائها، وعندما يُجرّف المقابر، كما حدث في غزة، فإن ذلك لا يهدف إلى تدمير الأنفاق، ولا إلى البحث عن أسلحة أو مقاتلين؛ بل إلى محو كل شيء، حتى ذكرى الموتى؛ إنه لإجبار السكان على المنفى، فكيف يُمكن للمرء أن ينظر إلى المستقبل في أرضٍ محرومة من التاريخ والذاكرة؟”[2].

المواقع الأثرية التي دمرت أو تضررت

أفاد تقرير صادر، في منتصف شهر حزيران/يونيو 2025، عن لجنة شكلها مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة للتحقيق في الأراضي الفلسطينية المحتلة بوقوع هجمات متعمدة على المعالم التاريخية، وبتورط إسرائيل في “تدمير ممنهج” للمواقع الثقافية والدينية والتعليمية في قطاع غزة، واصفاً العديد من الأعمال التي ألحقت أضراراً جسيمة بالمواقع التراثية بأنها “جرائم حرب”. وبحلول شباط/فبراير 2025، قدّر البنك الدولي “أن 53% من المواقع التراثية قد تضررت أو دُمرت،” كما قدّر الأضرار التي لحقت بمواقع التراث الثقافي في غزة “بمبلغ 120 مليون دولار، والخسائر الاقتصادية في القطاع الثقافي بمبلغ 55 مليون دولار”. وقضت اللجنة، في تقريرها، بأن “هذه الهجمات استهدفت الممتلكات المدنية دون أي مبرر عسكري واضح”، كما نددت “باختفاء أو سرقة القطع الأثرية القيمة، مثل تلك الموجودة في فندق المتحف ومتحف جامعة الإسراء”[3].

فضلاً عن قصر الباشا، وعن المسجد العمري، الذي تعرض لقصف إسرائيلي في 7 كانون الأول/ديسمبر 2023 ولم يسلم منه سوى المئذنة، دُمر أو تضرر العديد من المساجد، بما في ذلك مسجد عثمان بن قشقر الذي يعود للقرن الثالث عشر، ويقع في حي الزيتون جنوب مدينة غزة. كذلك تضرر موقع دير القديس هيلاريون/تل أم عامر، وهو أول وأقدم مجتمع رهباني في الشرق الأوسط، أسسه القديس هيلاريون في القرن الرابع الميلادي ويقع على الكثبان الساحلية لبلدية النصيرات، وقررت اليونسكو إدراجه على قائمتها للتراث العالمي وقائمة التراث العالمي المعرض للخطر، وأوضحت في بيان لها: “يُقر هذا القرار بالقيمة العالمية الاستثنائية لهذا الموقع، وبواجب حمايته من الخطر المحدق”، وأضافت أن هذا المجتمع الرهباني “ساهم في انتشار الممارسات الرهبانية في المنطقة، مُظهراً ازدهار المراكز الرهبانية الصحراوية خلال العصر البيزنطي”[4]. كما تضررت، في 18 تشرين الأول/أكتوبر 2023، كنيسة القديس بورفيريوس الأرثوذكسية اليونانية جراء غارة جوية إسرائيلية استهدفت أقدم مستشفى في قطاع غزة، وهو مستشفى الأهلي العربي المعمداني البالغ من العمر 141 عاماً، وبعد يومين، استُهدفت الكنيسة بصورة مباشرة في غارة أسفرت عن مقتل 13 فلسطينياً وفلسطينية وإصابة العشرات من العائلات التي لجأت إليها. كما دمر، في 30 كانون الأول/ديسمبر 2024، حمام السمرا، الذي يقع على مقربة من المسجد العمري، وهو مثال استثنائي ونادر على العمارة العثمانية. وكان مبنى الأرشيف المركزي، الذي دُمّر في 29 تشرين الثاني/نوفمبر 2023، من أبرز ضحايا غارات الطائرات الإسرائيلية، وهو يحتوي على آلاف الوثائق التاريخية والأرشيفات الوطنية عن غزة، التي يعود تاريخها إلى أكثر من مئة عام. كما دُمّر أو لحقت أضرار جسيمة بعدد من المتاحف، مثل متحف القرارة في خان يونس، الذي كان يضم، بحسب مؤسسه محمد أبو لحية، مجموعة من نحو ٥٠٠٠ قطعة أثرية، بما في ذلك آثار وعملات معدنية تعود إلى العصر الكنعاني[5]. كما تضرر المتحف الذي أقامه جودت الخضري على ساحل البحر الأبيض المتوسط، شمال مدينة غزة، وفُقد العديد من معروضاته، وأُضرمت النيران في قاعته. ويحمد الخضري ربه لأنه أستطاع قبل حرب إسرائيل الأخيرة على القطاع أن يرسل مجموعة من القطع الأثرية المتعلقة بتاريخ غزة إلى سويسرا، وشوهد جنود إسرائيليون يقتحمون مستودع الآثار التابع لـ “المركز الفرنسي لدراسة الكتاب المقدس والآثار بالقدس” (إيباف)، والذي يحتوي على بقايا آثار نجمت عن 28 عاماً من أعمال التنقيب في غزة. ونشر مدير الآثار الإسرائيلية، إيلي إسكوسيدو، مقطع فيديو على إنستغرام يظهر جنوداً محاطين بمزهريات وأوانٍ فخارية قديمة، مما أثار ردود فعل فلسطينية حادة اتهمت الجيش بنهب الموقع. كما تعرض العديد من المواقع الأخرى للتدمير أو لحق بها الضرر، إذ قُصف موقع البلاخية، أو مدينة أنثيدون اليونانية القديمة، الذي يقع على ضفاف البحر الأبيض المتوسط في الركن الشمالي الغربي من قطاع غزة، وموقع تل السكن، جنوب مدينة غزة، والذي يُرجعه علماء الآثار إلى العصر البرونزي المبكر (بين 3200 و2300 قبل الميلاد)، وموقع تل العجول، وهو موقع بارز في تاريخ غزة خلال العصر البرونزي الأوسط والمتأخر (2300-500 قبل الميلاد)، بينما لحقت أضرار جسيمة بمواقع تل المنطار ومقامي الشيخ علي المنطار والشيخ رضوان وبالمقابر العسكرية في غزة ودير البلح، التي تضم آلاف قبور جنود الكومنولث الذين سقطوا بين سنتَي 1917 و1918، خلال الغزو البريطاني لفلسطين؛ ومقر بلدية غزة، الذي أُنشئ سنة 1930 في حي أقرب إلى البحر وسينما سمير وسينما نصر، اللتين ميزتا الحياة الثقافية في غزة في منتصف القرن العشرين[6].

حصر التراث الثقافي والحفاظ عليه

في مواجهة الهجمات الإسرائيلية على التراث الأثري في قطاع غزة، تم تنظيم برامج للحفاظ عليه. وتحاول منظمات مثل اليونسكو منع تدمير المواقع الرمزية والتحذير من اختفائها. فقد أطلق فريق دولي من الباحثين والمؤرخين والجغرافيين وعلماء الاجتماع والسياسيين مجلة بحثية بعنوان “فرضيات” لحصر التراث الذي دمرته إسرائيل في غزة منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، وتسجيل الضرر الذي لحق بالمواقع التاريخية، وتدريب السكان الراغبين في ذلك على حفظ التراث. وقد أعدّ هذا الفريق قائمة تضم مواقع ثقافية تعرضت للتدمير أو لحق بها ضرر، مؤكداً أهمية الحفاظ على هذا التراث لمستقبل فلسطين[7].

ويتولى نحو أربعين باحثاً، من خلال معهد العالم العربي في باريس، رسم خرائط تراث غزة المهدد بالخطر، بحيث دأبوا على إدراج مساجد ومكتبات ومتاحف غزة المهددة بالتدمير على موقع إلكتروني مخصص بعنوان “غزة، جرد تراث خاضع للقصف”. ويقدمون وصفاً مفصلاً لكل موقع قبل 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، وحالته الراهنة، ويستخدمون بيانات من مركز الأقمار الصناعية التابع للأمم المتحدة، بالإضافة إلى معلومات قدمها علماء آثار غزة في الموقع. ويُنسّق هذا العمل الجماعي المؤرخ فابريس فيرجيلي، الأستاذ في جامعة باريس الأولى-السوربون والمتخصص في مناطق الحروب. وقد أعدّت هذه المجموعة خريطة للآثار المهددة بالخطر، عُرضت في معرض التراث الأثري لغزة المُقام في معهد العالم العربي في باريس منذ 4 نيسان/أبريل 2025 بعنوان “كنوز مُنقذة من غزة، خمسة آلاف عام من التاريخ”. ويضم هذا المعرض تمثال أفروديت الرخامي، وفسيفساء رومانية، وأباريق، ومصابيح زيت رومانية. وتسعى مؤسسة دولية، ساهمت في تمويل هذا المعرض، هي “التحالف الدولي لحماية التراث” إلى إنقاذ هذه الكنوز[8].

على أرض الواقع، يُنظّم الفلسطينيون جهودهم لحماية تراثهم بفضل “صندوق التراث في حالات الطوارئ”، الذي أنشأته منظمة اليونسكو في سنة 2015، إذ تمّ، على سبيل المثال، بفضل جهودهم إخلاء القطع الفنية من متحف القرارة الثقافي في قطاع غزة، وتم نقل أكثر من 2000 قطعة منها[9].

خاتمة

اعتقد رفائيل ليمكين، وهو محامي بولندي اشتهر بصياغة مصطلح الإبادة الجماعية ومبادرة اتفاقية الإبادة الجماعية، أن شروط الحياة لا تقتصر على البنية التحتية اللازمة للوجود البيولوجي فحسب، بل تشمل أيضاً الاستمرارية الاجتماعية والثقافية: المباني الدينية، والمدارس، والمكتبات، والمواقع التراثية. بيد أن اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها، التي صُدّق عليها سنة 1948، لم تذكر “الإبادة الثقافية” التي رأى ليمكين ضرورة إدراجها، إذ عارضت ذلك القوى الإمبريالية، التي دمرت التراث المادي والثقافة واللغة لشعوب البلدان المستعمَرة.

في مقال مميّز بعنوان: “إذا عاد سكان غزة، فلن يعرفوا أين ديارهم؛ لن يجدوا سوى الرمال”، نُشر في 15 نيسان/أبريل الجاري، نقل إيال وايزمان، وهو مهندس معماري بريطاني إسرائيلي، ومدير مركز أبحاث العمارة في كلية جولدسميث في جامعة لندن، عن سائق جرافة إسرائيلي يُدعى أبراهام زاربيف، وهو أيضاً قاضٍ في المحكمة الحاخامية، ما يلي: “إذا حاول الفلسطينيون العودة إلى المناطق المدمرة، فلن يجدوا شيئاً؛ عشرات الآلاف من العائلات تُركت بلا أوراق ثبوتية، بلا صور طفولتهم، بلا بطاقات هوية، لا يملكون شيئاً؛ إذا عادوا، فلن يعرفوا أين منازلهم، كل ما سيجدونه هو الرمال…عندما أزلنا عصابات أعينهم كانوا في حالة من الارتباك التام ولم يفهموا أين هم”[10].

[1] https://agirparlaculture.be/genocide-culturel-et-resistances-en-palestine/

[2] https://www.lorientlejour.com/article/1450594/anne-marie-edde-a-gaza-il-y-a-une-volonte-methodique-de-detruire-le-patrimoine-culturel-palestinien-.html

[3] https://www.lefigaro.fr/culture/patrimoine/des-attaques-israeliennes-contre-le-patrimoine-palestinien-qualifiees-de-crimes-de-guerre-par-l-onu-20250618

[4] https://www.lefigaro.fr/culture/patrimoine/gaza-les-vestiges-du-monastere-de-saint-hilarion-inscrits-au-patrimoine-mondial-en-peril-par-l-unesco-20240726

[5] https://www.middleeasteye.net/fr/reportages/le-patrimoine-religieux-et-culturel-de-gaza-efface-par-la-guerre-disrael

[6] https://www.lefigaro.fr/culture/le-bilan-toujours-plus-catastrophique-pour-le-patrimoine-culturel-de-gaza-20240421https://theconversation.com/a-gaza-la-destruction-irremediable-dun-patrimoine-culturel-millenaire-246934

[7] https://www.lequotidiendelart.com/articles/26223-des-chercheurs-publient-un-inventaire-du-patrimoine-d%C3%A9truit-%C3%A0-gaza.html

[8] https://www.radiofrance.fr/franceculture/podcasts/l-info-culturelle-reportages-enquetes-analyses/patrimoine-culturel-de-gaza-ils-mesurent-les-destructions-et-alertent-8017008

[9] https://www.radiofrance.fr/franceculture/podcasts/l-entretien-archeologique/que-reste-t-il-du-patrimoine-de-gaza-6258346

[10] https://alencontre.org/moyenorient/palestine/si-les-gazaouis-reviennent-ils-ne-sauront-pas-ou-se-trouve-leur-maison-tout-ce-quils-trouveront-cest-du-sable.html

عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية

About The Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *