الأمم المتحدة: كوارث من صنع الإنسان وأخرى من غضب الطبيعة

ها نحن نودع عاما آخر، ستبقى ذكرياته الموجعة عالقة في الأذهان لسنوات طويلة. أزمات العام الذي سبقه دلفت بتعقيداتها إلى هذا العام بدون آفاق للحلول، بعضها دخل مرحلة الجمود كالأزمتين المستعصيتين في ليبيا واليمن، وبعضها زاد تعقيدا وصعوبة كما هو الحال في فلسطين وسوريا. وعلى المستوى العالمي شهدت القارة الأفريقية عدة انقلابات أدت إلى تخلص العديد من الدول من إرث الاستعمار الفرنسي واستغلاله لخيرات الشعوب. كما أن الحرب الأوكرانية ظلت تترك ظلالها على عالم يبحث عن نهاية للهيمنة الأمريكية ومحاولاتها كسر شوكة المحاور الجديدة التي تريد وتضغط باتجاه عالم متعدد الأقطاب، يعيد صياغة العلاقات الدولية بطريقة أكثر عدلا وأوسع تمثيلا لعالم اليوم، وهذا يحتاج إلى توسيع عضوية مجلس الأمن الدائمة وغير الدائمة.
وسنحاول أن نمر في هذا الاستعراض على أهم حوادث عام 2023 من منظور الأمم المتحدة.
الحرب الروسية الأوكرانية
استمرت الحرب الروسية الأوكرانية خلال هذا العام لتدخل هذه الأيام الشهر الثاني والعشرين. ولا يبدو في الأفق أن هناك حلا سريعا للمواجهات. لقد ساهمت حرب الإبادة على غزة بانزياح الاهتمام عن حرب أوكرانيا ما ساعد بوتين في تعزيز مواقعه وتمتين السيطرة على المناطق التي يسيطر عليها دون إثارة ضجة عالمية.
خلفت الحرب أكثر من 6 ملايين لاجئ استقبلتهم الدول الأوروبية المجاورة بترحاب شديد «لأنهم يشبهوننا» كما صرح رئيس وزراء بلغاريا. بالإضافة إلى 18 مليونا بحاجة إلى مساعدات إنسانية، وقتل في الحرب ما لا يقل عن 10 آلاف مدني، بينهم أكثر من 560 طفلا، وأصيب أكثر من 18.500 آخرين.
بارقة الأمل التي أنجزتها الأمم المتحدة بالتعاون مع تركيا، مبادرة حبوب البحر الأسود، في تموز/يوليو 2022 والتي ساهمت في تخفيف أعباء نقص الحبوب في الدول الفقيرة، ألغتها روسيا في موعد السنة الأولى للمبادرة، بعد أن تمكنت الأمم المتحدة من تصدير 30 مليون طن من الحبوب الأوكرانية.
الحرب السودانية: فشل آخر
عين الأمين العام للأمم المتحدة في 17 تشرين الثاني/نوفمبر رمطان لعمامرة، وزير الخارجية الجزائري السابق، مبعوثا خاصا للسودان، خلفا لفولكر بيرثس، بعد إعلان الحكومة العسكرية رسميا إنهاء مهمة عمل البعثة الأممية في السودان المعروفة باسم «يونيتامس» وإعلان بيرثس «شخصا غير مرغوب فيه». وتأسست «يونيتامس» عام 2020 لمساعدة الأطراف السودانية خلال المرحلة الانتقالية وصولا إلى الحكم المدني، برعاية الأمم المتحدة توصل المكونان المدني العسكري في كانون الأول/ديسمبر 2022 إلى اتفاقية إطارية يتم فيها تسليم السلطة للمدنيين خلال ثلاث سنوات بعد عقد انتخابات ديمقراطية.
من هنا قامت الحرب الأهلية بداية من 15 نيسان/أبريل الماضي التي شنتها قوات التدخل السريع بقيادة الجنرال محمد حمدان دقلو، المعروف باسم حميدتي، التي أعلنت انفصالها عن الجيش الذي يرأسه عبد الفتاح البرهان. الأزمة تفاقمت ولم تعد حربا أهلية بعد أن دخلت على الخط قوى عربية ودولية تعمل على تفتيت الدول وتحطيمها خدمة للكيان الصهيوني في غياب لدور مصر. حاولت السعودية أن تتدخل في مشروع وساطة بدعم أمريكي لكنها فشلت. توصل الطرفان إلى اتفاقية لوقف إطلاق النار لمدة سبعة أيام بواسطة منظمة الإيغاد، لعلها تؤدي إلى انفراج قريب بعد أن تأكد الطرفان أن الحسم العسكري غير ممكن.
السودان الآن يضم أعلى عدد للنازحين داخليا في العالم، نحو 7.1 مليون شخص، بمن فيهم 3.3 مليون طفل. وزاد عدد القتلى عن 9500 عدا الجرحى. وتأجج التوتر بسبب شحن الأسلحة على طول الخطوط القبلية، فضلا عن تدفق المقاتلين والأسلحة والذخيرة من خارج البلاد، ما يهدد بانتقال الصراع إلى المنطقة برمتها.
حرب الإبادة على غزة: الفيتو المكرر
التطور الأكبر هذا العام كان حرب الإبادة على غزة التي شنها الكيان الصهيوني وحلفاؤه الأمروأوروبيون بعد أن قامت حركات المقاومة الفلسطينية وخاصة حركة حماس بهجوم مفاجئ في ساعات الصباح الأولى ليوم 7 تشرين الأول/ أكتوبر على مستوطنات غلاف غزة استمر نحو ست ساعات، تمكنت قوى المقاومة من تدمير عدد من القواعد العسكرية واقتياد نحو 240 رهينة بين مدني وعسكري. بعد هول الصدمة شنت إسرائيل هجوما شاملا على كل قطاع غزة وقطعت الماء والكهرباء والدواء عنه، وبقيت تقصف القطاع لغاية 21 من نفس الشهر بدون انقطاع ثم بدأ بعدها الهجوم البري.
لقد تسابق كل مسؤولي الأمم المتحدة صغارهم وكبارهم، وأولهم الأمين العام، ما عدا فرانشيسكا الأبانيز، المقررة الخاصة لحقوق الإنسان في الأرض الفلسطينية المحتلة، بإدانة حماس واعتبارها تنظيما إرهابيا وإدانة العملية «الإرهابية». من جهة أخرى هبت الولايات المتحدة وحلفاؤها الأوروبيون وطاروا، واحدا تلو الآخر، للتضامن مع الكيان الصهيوني، الذي اعتبر الدعم ضوءا أخضر ليفعل ما يشاء. مدفوعا بغريزة الانتقام بدأت القوات الجوية تقصف الشعب الغزي في كل مكان. لم تبق مدرسة أو مستشفى أو وكالة دولية أو عيادة طبية أو مجمع حكومي أو دور حضانة أو مراكز إيواء أو مستودعات وكالة إغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «أونروا» إلا وتعرضت للقصف وبدأت أعداد الضحايا ترتفع يوما بعد يوم. كذلك تم تصعيد الاقتحامات وعنف المستوطنين في الضفة الغربية والقدس بشكل غير مسبوق منذ عام 2005.
عجزت الأمم المتحدة أن تردع إسرائيل بسبب مظلة الحماية التي شكلتها الولايات المتحدة للكيان. استخدمت الولايات المتحدة الفيتو مرتين وفشلت روسيا مرتين في تمرير مشروعها لوقف إطلاق النار. القرار الوحيد الذي اعتمده مجلس الأمن هو مشروع القرار المالطي (2712) الذي اعتمد يوم 15 تشرين الأول/نوفمبر والذي يدعو إلى هدنة إنسانية لإيصال المساعدات. الجمعية العامة اعتمدت قرارين الأول يوم 26 تشرين الأول/أكتوبر يدعو إلى هدنة إنسانية والثاني يوم الثلاثاء 12 كانون الأول/ديسمبر يطلب وقف إطلاق النار فورا. لكن الكيان الصهيوني لم يكترث للقرارات وكأنها لم تكن. كان هناك توقف لمدة سبعة أيام لتبادل الأسرى إلا أن الإبادة استؤنفت بشكل أكثر ضراوة. وما زالت الولايات المتحدة ترفض وقف إطلاق النار.
الكوارث الطبيعية
شهد عام 2023 كوارث طبيعية كبرى أهمها زلزال تركيا وسوريا يوم 6 شباط/فبراير ومركزه كهرمان مرعش بقوة 7.8 بمقياس رختر، ولحق به زلزال ثان بقوة 7.5 ومركزه إيكين أوزو. وأدى الزلزالان إلى قتل أكثر من 56000 في تركيا ونحو 5000 في سوريا وجرح أكثر من 120000 وتركا خسائر فادحة تقدر بمئات المليارات أصابت مناطق شاسعة ونحو عشرين مليون إنسان من الطرفين. وشكلت هذه الكارثة الكبرى تحديا كبيرا للأمم المتحدة وبرنامج مساعدات الطوارئ وخاصة في سوريا حيث تخضع لحصار واسع إضافة إلى وجود مناطق متضررة خارج سيطرة الحكومة من جهة ومن جهة أخرى تصدع طرق الإمدادات. وقد أطلقت الأمم ندائين للاستجاية الإنسانية بقيمة 400 مليون دولار لسوريا ومليار دولار لتركيا.
ضرب زلزال بقوة 6.8 يوم 8 أيلول/سبتمبر منطقة الحوز بمراكش مخلفا نحو 3000 ضحية و 5500 جريح. وأدى إلى تصدع الكثير من المباني التاريخية، وهو الأقوى منذ زلزال أغادير عام 1960. تضرر من الزلزال نحو 300000 مواطن. وقبل المغرب المساعدات الإنسانية من أربع دول فقط: إسبانيا وبريطانيا والإمارات العربية وقطر. لكن الشعب المغربي بكامله أظهر تضامنه مع المتضررين وانتشرت حملات شاملة لتقديم المساعدة.
وبعد أيام من زلزال المغرب، وفي يوم 10 أيلول/سبتمبر تعرضت مدينة درنة الليبية إلى فيضانات بسبب إعصار دانيل دمرت المدينة تقريبا بالكامل، وتركت آلاف الضحايا بلا مأوى. وقدرت المنظمات الإنسانية ان 8 في المئة من سكان المدينة قتلوا أو فقدوا أي ما يزيد عن 11000 شخص. وقامت وكالات الأمم المتحدة وشركاؤها في المناطق المتضررة في غضون ساعات من الفيضانات، بتوفيرَ مياه الشرب واللوازم الطبية ومستلزمات النظافة واللوازم المدرسية والبطانيات والمواد الغذائية وخدمات الإسعافات الأولية النفسية والاجتماعية للناس، فضلا عن تقديم الدعم لإنشاء ستة مستشفيات ميدانية. وأطلقت الأمم المتحدة نداءً طارئاً للمطالبة بمبلغ 71.4 مليون دولار، وتم تخصيص مبلغ 10 ملايين دولار من صندوق الأمم المتحدة المركزي للإغاثة في حالات الطوارئ لدعم المتضررين من الفيضانات.
تصريحات:
الأمين العام غوتيريش في الاجتماع الوزاري لأعضاء مجلس الأمن يوم 24 تشرين الأول/أكتوبر لمناقشة الأوضاع في غزة. قال: «إن هجمات حماس لم تأت من فراغ، حيث تعرض الشعب الفلسطيني لـ 56 عاما من الاحتلال الخانق، يشاهد خلالها أرضه تأكلها المستوطنات، ويتعرض للعنف، يخنق اقتصاده. ويشرد مجتمعه؛ وتهدم منازله وتتلاشى آماله في التوصل إلى حل سياسي. ومع ذلك، فإن مظالم الشعب الفلسطيني لا يمكن أن تبرر الهجمات المروعة التي شنتها حماس. وهذه الهجمات المروعة لا يمكن أن تبرر العقاب الجماعي للشعب الفلسطيني.»
هذا الإقتباس أخرج ممثل الكيان الصهيوني، جلعاد إردان، عن أطواره وطالب باستقالة الأمين العام.
راحلون:
بلغ عدد ضحايا المنظمة الدولية نحو 160 شخصا منهم 135 من وكالة إغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «أونروا». وهي أكبر كارثة تعرضت لها الأمم المتحدة في تاريخها.
عن القدس العربي