الأرض ليست وعدًا توراتيًا: معركة القانون في وجه اللاهوت السياسي

لم تكن تصريحات السفير الأمريكي لدى إسرائيل مايك هكابي مجرد زلة لسان أو انزلاق لغوي في مقابلة إعلامية مع توكر كارلسون ، بل جاءت محمّلة بدلالات سياسية وأيديولوجية عميقة. وبالتالي فإنه حين يُقال إن لدولة الاحتلال الإسرائيلي الحق في “الاستيلاء على الأراضي الموعودة في التوراة من الفرات إلى دجلة”، فنحن لا نكون أمام رأي شخصي عابر، بل أمام خطاب يعيد تعريف الصراع بلغة دينية توسعية، تتجاوز حدود القانون الدولي وتعصف بأسس النظام العالمي المعاصر.


والمشكلة لا تكمن فقط في مضمون التصريح، بل في موقع قائله. فالسفير يمثل دولة تُعدّ الراعي الأكبر للعملية السياسية في المنطقة. وعندما يستند في حديثه إلى مفهوم “الأرض التي وهبها الله”، فإن السياسة تتحول إلى لاهوت، والدبلوماسية إلى وعظ عقائدي . هنا يتراجع ميثاق الأمم المتحدة، وتغيب القرارات الدولية، ليحلّ محلها تفسير ديني مفتوح على جغرافيا بلا حدود.
والحديث عن أرض تمتد من العراق إلى البحر المتوسط ليس مجرد توصيف توراتي ، بل هو خطاب سياسي يضرب فكرة الدولة الوطنية في الصميم، ويضع سيادة دول عربية قائمة — كالأردن وسوريا ولبنان بالاضافة الى فلسطين — في دائرة التساؤل النظري . حتى وإن قُدّم الكلام في صيغة افتراضية، فإنه يمنح شرعية رمزية لمشاريع الضم والاحتلال ، ويغذي تيارات ترى في القوة حقًا إلهيًا لا يخضع للمساءلة .


بالطبع ردود الفعل وبشكل خاص الفلسطينية والأردنية على هذا التصريح لم تأتِ من فراغ ، فهي تدرك أن الكلمات في هذا السياق ليست حيادية، بل تُستخدم لتشكيل وعي سياسي جديد، يُطبع فيه التوسع باعتباره قدرًا مقدسًا. أما الإشارة إلى موقف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ، فهي محاولة للفصل بين خطاب أيديولوجي متطرف وبين الموقف الرسمي المعلن، لكن الفاصل بين الاثنين يبدو أحيانًا أرقّ مما يُتصور.
الأخطر في هذه التصريحات أنها تحول الصراع إلى مربع ديني خالص، بعد عقود من محاولات تأطيره سياسيًا وقانونيًا . فعندما يصبح النزاع “وعدًا إلهيًا”، فإن أي تسوية سياسية تتحول إلى تنازل عن إرادة السماء، وأي حدود دولية تُختزل إلى خطوط مؤقتة بانتظار اكتمال “الخطة المقدسة”. وهنا يختفي النقاش حول حل الدولتين، وتتآكل فكرة التسوية، ويتعزز منطق الضم والاستيطان.
وهنا ليس جديدًا أن تتقاطع الصهيونية الدينية مع التيار الإنجيلي الأمريكي . لكن الجديد هو انتقال هذا الخطاب من هامش الوعظ الديني إلى قلب المؤسسة الدبلوماسية الامريكية . هذا التحول يعكس مزاجًا سياسيًا أوسع في بعض الدوائر الأمريكية ، يرى في الشرق الأوسط وبالاخص الدول العربية المحيطة بفلسطين مسرحًا لتحقيق سرديات توراتية، لا فضاءً لشعوب ذات حقوق وطنية وسيادة قانونية.


في لحظة إقليمية ملتهبة، ومع استمرار الاستيطان الاحتلالي وتراجع أفق التسوية السياسية ، تأتي مثل هذه التصريحات لتضيف طبقة جديدة من التعقيد . فهي لا تعلن حربًا، لكنها تُشرعن مناخ الحرب . ولا تُغيّر الحدود على الخريطة، لكنها تمهد نفسيًا وسياسيًا لتغييرها على الارض .
إن أخطر ما في الخطاب الديني حين يدخل في عالم السياسة هو أنه لا يعترف بالتسويات ، ولا يقبل بأنصاف الحلول. فبين الفرات ودجلة، لا يكمن فقط امتداد جغرافي متخيّل، بل اختبار حقيقي لقدرة المجتمع الدولي على حماية مبدأ أساسي : إن الأرض تُحكم بالقانون والحق ، لا بالأسطورة، وبإرادة الشعوب، لا بتأويل النصوص اللاهوتية.
بعد كل ما قلناه فإن الرد الفلسطيني على مثل هذه التصريحات يجب ألا يكون انفعاليًا ، لأن المشكلة لاتكمن في عبارة عابرة، بل في محاولة إعادة تعريف الصراع مع المحتل بلغة دينية تُشرعن الاحتلال والتوسع. وهنا تكمن الحاجة إلى رد يعيد المعركة إلى ملعب القانون والسياسة، لا إلى ساحة العقائد.
يجب ان يسير الرد الفلسطيني في أربعة مسارات متكاملة:


أولًا: إعادة تثبيت المرجعية القانونية :
يجب أن يوضح الرد الرسمي الفلسطيني بأن أي حديث عن “حق ديني” في أرض فلسطين التاريخية يتعارض مع القانون الدولي . فميثاق
الامم المتحدة يحظر الاستيلاء على الأراضي بالقوة وقرارات مجلس الأمن تؤكد عدم شرعية الاحتلال والضم والاستيطان. أي أن المعركة هنا ليست لاهوتية، بل قانونية. وأي انجرار إلى سجال ديني يمنح الخطاب المقابل أرضية يبرع فيها.
ثانيًا: مخاطبة المجتمع الأمريكي نفسه :
بما أن التصريح صدر عن سفير أمريكي، فالرد لا يجب أن يوجَّه لإسرائيل فقط، بل للرأي العام الأمريكي حيث يجب التأكيد على أن دعم الاحتلال الاسرائيلي لا يعني دعم التوسع والاحتلال ، كما أن خلط الدين بالسياسة الخارجية يضر بالمصالح الأمريكية. كما يجب التواصل مع الكنائس والتيارات المسيحية التي تؤمن بالسلام والعدالة ، لا بالهيمنة الدينية بهدف عزل الخطاب الأيديولوجي داخل أمريكا، لا الاكتفاء بإدانته.


ثالثًا: تحريك المسار العربي والدولي :

الرد الفلسطيني يجب أن يتحول إلى تحرك دبلوماسي عربي منسق، خاصة مع الأردن ومصر من أجل :
. إثارة القضية في الأمم المتحدة.
. تفعيل المحاكم الدولية في حال ترافق الخطاب مع خطوات عملية نحو الضم. وهنا ينبغي القول بأن التصريحات وحدها قد لا تغيّر الواقع، لكن الصمت عليها يطبعها.


رابعًا: البعد الداخلي الفلسطيني :
هنا تكمن النقطة الأهم. الرد الفلسطيني يجب أن لا يكون فقط ببيان شجب، بل بتعزيز عناصر القوة الداخلية أولاً ، الرد الفلسطيني لا ينبغي أن يدخل في سجال ديني، لأن الانجرار إلى هذه الساحة يمنح الخصم تفوقًا رمزيًا. المعركة ليست حول تفسير نص، بل حول مبدأ: هل تُدار العلاقات الدولية بالقانون أم بالأساطير؟ وهل تُحدد الحدود بإرادة الشعوب أم بتأويلات عقائدية؟
الخطوة الأولى في الرد يجب أن تكون تثبيت المرجعية القانونية. فلسطين ليست مطالبة بالدفاع عن نصوص دينية، بل بالتمسك بميثاق الأمم المتحدة وقرارات الشرعية الدولية التي تحظر الاستيلاء على الأرض بالقوة. إعادة النقاش إلى هذه الأرضية تسحب البساط من أي خطاب توسعي يختبئ خلف مفردات مقدسة.
كما قلنا فإن الرد الأقوى على أي خطاب توسعي ليس في الكلمات، بل في توحيد الصف الفلسطيني، وتعزيز الشرعية الوطنية، وإنهاء الانقسام الذي يُضعف القدرة على المواجهة. كل خطاب يتحدث عن “أرض كاملة” يستفيد من واقع فلسطيني منقسم . وكل وحدة فلسطينية تسحب من هذا الخطاب جزءًا من قوته.
إن الرد الفلسطيني الأمثل هو أن يقول ببساطة ووضوح: نحن لسنا طرفًا في حرب دينية، بل شعب يسعى إلى حريته واستقلاله على أرضه التاريخية وفق القانون الدولي. الأرض ليست وعدًا غيبيًا، بل حقًا سياسيًا وقانونيًا لشعب يعيش عليها ويدافع عنها منذ الاف السنين .


وبين الأسطورة والقانون، يجب أن تختار فلسطين موقعها بوعي. وكلما تمسكت بالقانون ، ووحّدت بيتها الداخلي ، وخاطبت العالم بلغة الحقوق لا الانفعال، تحوّل الخطاب التوسعي من تهديد فعلي إلى عبء أخلاقي وسياسي على أصحابه.
وخلاصة القول يجب أن نوضح بأننا لسنا في نزاعٍ على تفسير كتابٍ ديني، بل في صراعٍ على حقٍ واضح: حق شعبٍ في أرضه وكرامته وحريته. من يتحدث عن “أرضٍ وُهبت” يتجاهل شعبًا حيًّا يعيش على هذه الأرض منذ قرون ، منذ ماقبل الوعد الالهي المزعوم ، ويبني فوقها بيته وتاريخه ومستقبله. الحقوق لا تُستمد من الأساطير، بل من القانون الدولي ومن إرادة الشعوب ومن الحق التاربخي .


نحن لا ننازع أحدًا على معتقده الديني ، لكننا نرفض أن يُحوَّل الدين إلى أداة لشرعنة الاحتلال و الضم أو مصادرة الأرض . فلسطين ليست فكرةً في نص ، بل واقعٌ سياسي وإنساني تعترف به الأمم المتحدة ، وتدعمه قرارات الشرعية الدولية ، والشرعية التاريخية.
ردّنا ليس صراخًا، بل ثباتًا: نتمسك بالقانون لا بالانفعال، وبالحق لا بالشعار، وبالوحدة الوطنية لا بالانقسام. ومن يتحدث عن خرائط تمتد من الفرات إلى دجلة، عليه أن يتذكر أن الأرض لا تُرسم بالخيال، بل تُحسم بإرادة الشعوب التي تعيش عليها. نحن هنا، كنا هنا ، وسنبقى هنا، لا بوعدٍ غيبي، بل بحقٍ ثابت لا يسقط بالتقادم.

About The Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *