يُظهر الهجوم الذي لا اعرف رقمه والذي وقع أمس عند مفترق غوش عتسيون، وانتهى بمقتل أهارون كوهين من كريات أربع وإصابة ثلاثة أشخاص آخرين، إلى أي حد لا يزال خطر تصعيد كبير في الضفة الغربية يُخيّم علينا جميعًا . ربما تُفضّل إسرائيل دفن رأسها في الرمال في أحسن الأحوال بتجاهلها السلطة الفلسطينية وإضعافها، أو المساهمة الفعلية في التصعيد بصمت وبدون منع الإرهاب اليهودي في الضفة الغربية ، ولكن في النهاية، الدخان قد تصاعد بالفعل . عبارة “انتفاضة ثالثة” كتبت وقيلت مرات لا تُحصى (بما في ذلك هنا) منذ نهاية الانتفاضة الثانية، ومع ذلك، فإن الظروف مهيأة لعاصفة عارمة، والحكومة التي يقودها بنيامين نتنياهو لا تتجاهل هذا فحسب ، بل تدفع الامور نحو الانفجار. قد يبدو هذا غريبًا، لكن لنبدأ بإيران . نعم، لا تزال إيران تسعى جاهدةً لزعزعة استقرار الضفة الغربية بكل الطرق الممكنة . تُضخّ إيران كمياتٍ غير مسبوقة من الأسلحة إلى المدن الفلسطينية، سواءً عبر الحدود الأردنية أو عبر سوريا ولبنان. قبل شهر ونصف تقريبًا، أعلن جهاز الأمن العام (الشاباك) والجيش الإسرائيلي عن إحباط عملية تهريب كبيرة للأسلحة، شملت 15 صاروخًا مضادًا للدبابات، وقاذفات آر بي جي، وطائرات مُسيّرة، و29 عبوة ناسفة متطورة (كليمغور)، وغيرها. هذه ليست الأولى، وربما لن تكون الأخيرة، ولا يسعنا إلا أن نفترض أنه حتى لو نجح جهاز الأمن العام (الشاباك) والجيش الإسرائيلي في إحباط معظم عمليات التهريب، فإن بعضها لا يزال ناجحًا، وهناك حاليًا أسلحة في الأراضي الفلسطينية لم نصادفها سابقًا خلال الانتفاضة الثانية، وبالتأكيد ليس خلال الانتفاضة الأولى . يتم تنفيذ عمليات التهريب بتوجيه من وحدة العمليات الخاصة التابعة للحرس الثوري الإيراني ، وليس أقل من ذلك . شخصيات بارزة في الجانب الإيراني تحاول إشعال فتيل الأزمة في الضفة الغربية بعد الضربة القاسية التي تلقاها حزب الله في لبنان.
لكن الوسائط القتالية الأخذة بالتزايد لا تكفي لتهيئة الظروف لعاصفة كاملة . يضاف إلى ذلك التآكل المتزايد في قوة السلطة الفلسطينية ومكانتها . بلغ رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس (أبو مازن) التسعين من عمره السبت الماضي . أما خليفته الموعود ، حسين الشيخ، فلا يحظى بشعبية تُذكر في الضفة الغربية، ويعاني من صورة فاسدة . ولا يُتوقع منه أن يُنقذ الموقف. وعندما حذّر كبار مسؤولي السلطة الفلسطينية في الماضي من أنهم “سيفتقدون أبو مازن”، كانوا مُحقّين في كلامهم. ربما استمر أبو مازن في دفع رواتب للإرهابيين في السجن ، بل وأنكر المحرقة في أطروحته للدكتوراه في أوائل الثمانينيات ، ولايزال ، ولكن السلطة الفلسطينية بقيادته لعبت دورًا نشطًا في الحرب ضد حماس والجهاد الإسلامي وإيران.
وهناك سبب وجيه جدًا لامتناع حكومة نتنياهو – بن غفير – سموتريتش اليمينية عن تفكيك السلطة الفلسطينية وتشتيتها في كل الاتجاهات . صحيح ان نتنياهو لايعترف بذلك ، ولكن مصلحة إسرائيل الواضحة هي أن تستمر السلطة الفلسطينية وأجهزتها الأمنية في الوجود والعمل. وإذا توقفت هذه الأجهزة عن العمل ، فسيكون التصعيد أسرع وأكثر فتكًا . تكمن المشكلة في أن نتنياهو وشركاءه لا يريدون تقوية السلطة الفلسطينية، لأن مطلب إقامة دولة فلسطينية سيصبح حينها أكثر واقعية . وكان هذا أيضًا مصدر التصور الذي رسّخ فشل 7 أكتوبر، والذي قال إن “حماس رصيد” والسلطة عبء . ولنتذكر أنه في عام 2018، كان أبو مازن هو من قرر خفض الميزانيات التي تحولها السلطة الفلسطينية إلى غزة وحماس بشكل كبير، وردًا على ذلك ، لجأت الحكومة الإسرائيلية إلى قطر لطلب مساعدات مالية لغزة ، والتي ذهبت لاحقًا إلى حماس . وبالطبع، لا يمكن تجاهل الإرهاب اليهودي في الأراضي الفلسطينية، وأي كلمة أخرى تُشكل تجاهل لما يحدث هناك . إنه إرهاب ترعاه الدولة، ترعاه الشرطة الإسرائيلية، لا أقل . تتجاهل شرطة بن غفير هذه الظاهرة كسياسة، ولا يستطيع جهاز الأمن العام (الشاباك) وحده التعامل معها، كما أن الجيش قد رفع يده إلى حد ما. وهكذا، تُسجّل يوميًا مذابح صغيرة تتفاقم أحيانًا إلى عنف شديد، تُلحق أضرارًا بالممتلكات في أحسن الأحوال، وبالناس في أسوأها . وكثيرًا ما تُهاجم قوات الأمن الإسرائيلية أو المواطنون الإسرائيليون الذين يحاولون مساعدة الفلسطينيين في قطف الزيتون من قبل مستوطنين ، على سبيل المثال. الخطر الكامن في كل هذا لا يقتصر على أنه يُلهم دافعًا للهجمات؛ فهذا الدافع موجود بالفعل، بل إن الإرهاب اليهودي يُؤججها فحسب . تكمن المشكلة في أنه حتى حادثة “مذبحة مصغّرة” واحدة، تبدو “صغيرة”، يمكن أن تتحول إلى كمين ينصبه مسلحون فلسطينيون ، لضرب أي يهودي يدخل قريتهم بهدف الإضرار بالممتلكات أو الأرواح. ومن هنا وحتى الانفجار الكبير، سيكون الطريق قصيراً، بل قصيراً جداً.
11:08 ص

About The Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *