استهداف الخصوبة في حرب الإبادة: محاولة لتدمير مستقبل فلسطين

نبذة مختصرة:
تهدف جريمة الإبادة التي يرتكبها جيش الاحتلال في حقّ الشعب الفلسطيني إلى تدمير مستقبله وحاضره وماضيه. وتتناول المقالة استهداف الاحتلال للخصوبة، أو ما يسمّى الإبادة الإنجابية، من خلال عرض وتحليل الأفعال الممنهجة لتدمير مرافق الصحة الإنجابية، واستخدام العنف الجنسي سلاحاً في الحرب، وفرض محيط حيوي للإبادة يهدف إلى تعطيل إمكانات المستقبل الفلسطيني. وتضع المقالة الأفعال هذه في سياق تواطؤ المنظومة الإنسانية الدولية في جرائم الاستعمار لتستخلص ما يترتب على الباحثين والمهنيين لتحدي هذا الواقع وتحقيق العدالة الإنجابية ضمن تحرر الشعب الفلسطيني ككل.
النص الكامل:
مقدمة
انتشر بين صفوف جيش الاحتلال خلال العدوان على قطاع غزة في كانون الأول / ديسمبر 2008 وكانون الثاني / يناير 2009، قميص يحمل رسماً يُظهر امرأة حامل، يُفترض أنها فلسطينية، في هدف القناص، مسطّرة بشعار: “طلقة واحدة، قتيلان اثنان”. وفي 5 أيار / مايو 2025، ظهر مقطع مصوّر لجنود من جيش الاحتلال يفجرون منزل فلسطيني في غزة، وعند انبعاث دخان أزرق من الانفجار، يصرخ أحد مجرمي الحرب منهم “إنه ولد” (في إشارة إلى طقوس “الكشف عن جنس الجنين”) ليشتد ضحك الجنود الآخرين. وبين سنتَي 2008 و2025، تجدد هوس جيش الاحتلال بالخصوبة، وبتدمير خصوبة الفلسطينيين، ولا عجب في ذلك، لأن الاستعمار الإحلالي يهدف بشتى الطرق إلى منع المجتمع الأصلي من الاستمرار، سواء بتخفيض أعداده بالقتل والتهجير، أو في هذه الحالة بالتحديد، منعهم من التكاثر.
تتناول هذه المقالة سياسات وممارسات الاحتلال في تدمير الخصوبة خلال حرب الإبادة التي يشنّها على الفلسطينيين منذ 7 تشرين الأول / أكتوبر 2023، وتضعها في السياق الأوسع لحرب الإبادة التي تهدف إلى خلق محيط حيوي للإبادة، يدمّر المستقبل الفلسطيني من خلال محاولة فرض ظروف معيشية تمنع الحياة من أن تستمر، وذلك بعد وقف إطلاق النار. وتعرض المقالة نهاية دور المنظومة الإنسانية العالمية في التماشي مع الإبادة بدلاً من تحديها.
تدمير الخصوبة: فعل ممنهج
في 15 آذار / مارس، أصدرت لجنة تحقيق دولية مستقلة، بتفويض من مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، تقريراً عن العنف الجنسي والإنجابي الذي تمارسه قوات الاحتلال الإسرائيلية منذ بدء حرب الإبادة.[1] وخَلُصت اللجنة إلى أن استخدام قوات الاحتلال المنهجي لهذا العنف لا يمكن تفسيره إلّا على أنه يكشف نيّة تدمير الفلسطينيين كمجموعة تحت تعريف معاهدة روما واتفاقية الإبادة الجماعية، وبالتحديد نظراً إلى الأفعال التالية: إلحاق ضرر جسدي أو عقلي جسيم بالفلسطينيين، وإخضاعهم لظروف معيشية يراد بها تدميرهم كجماعة كلياً أو جزئياً، وفرض تدابير تستهدف الحؤول دون إنجاب أطفال فلسطينيين. ويضاف هذا التقرير إلى مجموعة كبيرة من التحقيقات والأبحاث القانونية التي توثّق تورّط كيان الاحتلال في جريمة الإبادة في حقّ الشعب الفلسطيني، لكنه يتميز بتسليطه الضوء بصورة خاصة على العنف الذي يمارسه الاحتلال لتحقيق فعل “فرض تدابير تستهدف الحؤول دون إنجاب الأطفال داخل الجماعة”، والذي لم يكن قد تعمّق في تحليله أي تقرير قانوني حتى صدور التقرير المذكور، باستثناء تقرير أصدرته “هيومن رايتس ووتش” في كانون الثاني / يناير 2025.[2]
والتأخر في تسليط الضوء على هذا الجانب من جرائم الاحتلال لا يعني عدم ارتكاب الاحتلال هذه الجريمة حتى صدور التقريرَين: الأُممي، والآخر الصادر عن “هيومن رايتس ووتش”، إذ استهدفت قوات الاحتلال العديد من مرافق الصحة الإنجابية في قطاع غزة منذ بداية الحرب. فقد قصفت قوات الاحتلال في 1 تشرين الثاني / نوفمبر 2023، مستشفى ثروت الحلو المختص بالصحة الإنجابية والمجاور لمجمع الشفاء الطبي، بعد أن حُوِّلت إليه جميع خدمات التوليد من مجمع الشفاء الطبي بسبب اكتظاظ المجمع لاستقباله أعداداً كبيرة من الجرحى والنازحين، وحاصرت دبابات الاحتلال مستشفى الحلو في 14 تشرين الثاني / نوفمبر 2023 مانعة عنه الطعام والماء والوقود إلى أن خرج عن الخدمة في 16 تشرين الثاني / نوفمبر.[3] وقصفت قوات الاحتلال أيضاً مستشفى مهدي للولادة في مدينة غزة، وهو مركز اختصاصي للولادة في 12 تشرين الثاني / نوفمبر 2023، مرتكبة مجزرة في حقّ عائلة مهدي التي استشهد فيها اثنان من أبرز أطباء النساء والتوليد في قطاع غزة، الأخوان باسل ورائد مهدي، وكان الدكتور باسل يشغل منصب مدير قسم النساء والتوليد في مجمع الشفاء الطبي أيضاً.[4] وشكّل قصف قوات الاحتلال لوحدة الأجنة في “مركز البسمة للإخصاب وأطفال الأنابيب” استهدافاً واضحاً لخصوبة الفلسطينيين في قطاع غزة، والذي أدّى إلى القضاء على مخزون أكثر من 4000 جنين، و1000 عيّنة من الحيوانات المنوية والبويضات غير المخصبة.[5]
وحدث هذا كله بالتزامن مع استهداف أغلبية مستشفيات مدينة غزة ومنطقة شمال غزة وإخراجها عن الخدمة، وهو ما أدى إلى توقف نسبة كبيرة من الخدمات الطبية عامة، واكتظاظ المرافق التي استطاعت تقديم الخدمة بشكل جزئي، كما لم يسلم من هذا الضرر أقسام التوليد، والمتابعة ما قبل الولادة وما بعدها. وفرضت هذه الظروف على مستشفيات قطاع غزة إخراج النساء بعد الولادة القيصرية بعد 4 ساعات من إجرائها فقط بسبب عدم توفر عدد كافٍ من الأسرّة.[6] وتجدر الإشارة إلى أن ثمة نساء حوامل لم يستطعن الوصول إلى المرافق الصحية، فاضطررن إلى الإنجاب في الطرقات وأماكن النزوح مثل الخيم والمدارس المكتظة التي تفتقر إلى المتابعة الطبية، أو حتى إلى المياه والمعدات النظيفة وإمكان التعقيم والتنظيف، وصولاً إلى المستويات اللازمة خلال العمليات الطبية. وإلى جانب ذلك، هناك الحصار الذي يمنع من وصول المعدات الأساسية للصحة الإنجابية مثل الحاضنات وأجهزة الأشعة فوق الصوتية، وأدوية تنظيم الحمل ودعم الخصوبة والفيتامينات، والموارد الرئيسية لتشغيل المرافق الصحية من وقود ومياه وطعام، الأمر الذي أدى إلى وفاة العديد من المرضى، وخصوصاً الأطفال الخُدج، مثلما جرى في مجمع الشفاء الطبي ومستشفى النصر.[7]
ويضاعف الاستهداف المباشر لمرافق الصحة الإنجابية الضرر الناتج من الأوضاع المعيشية التي يفرضها الاحتلال لجعل قطاع غزة منطقة غير قابلة للعيش، فالتقرير الأُممي يشير إلى أثر هذه الأوضاع المضاعف في النساء، وتحديداً الحوامل، والتي تشمل سياسات التجويع، والنزوح القسري، والإبادة، والعقاب الجماعي، إذ قدّرت دراسة لـ “هيئة الأمم المتحدة للمرأة” في آذار / مارس 2024 ونيسان / أبريل 2024، ازدياد الإجهاض التلقائي في قطاع غزة بنسبة 300%، وإصابة 76% من النساء الحوامل بفقر الدم، ومواجهة 99% منهن تحديات في الحصول على المنتوجات والمكملات الغذائية الضرورية، كما تواجه 99% منهن صعوبات في تأمين ما يكفي من حليب الثدي.[8] وصرّح أطباء من قطاع غزة بأن ثمة ازدياداً حادّاً في نسب العيوب الخلقية خلال حرب الإبادة،[9] فقد ربطت دراسات إحصائية سابقة هذه العيوب بالتعرّض للمعادن الثقيلة الناتجة من الأسلحة المستحدثة في الحروب المتتالية على قطاع غزة.[10] واستنتجت اللجنة الأُممية أن هذه السياسات تمثل نمطاً متعمداً من استهداف لقدرة النساء الفلسطينيات على الحمل والولادة في ظروف آمنة.
وصنّفت الباحثة حلا شومان هذه الممارسات مجتمعة تحت مصطلح “الإبادة الإنجابية” (reprocide أو reproductive genocide) كفعل يتميز من غيره من أفعال الإبادة زمنياً باستهدافه الحاضر والمستقبل معاً.[11] وهذه السياسة هي امتداد لسياسات تستهدف الصحة الإنجابية في فلسطين منذ عقود، سواء في الضفة الغربية والقدس أو الداخل المحتل، حيث ترى دولة الاحتلال في الخصوبة الفلسطينية “قنبلة ديموغرافية موقوتة” منذ سبعينيات القرن الماضي.[12]
العنف الجنسي
علاوة على استهداف الخصوبة، ذكر التقرير الأُممي بتفصيل استخدام العنف الجنسي بشكل ممنهج ضد الفلسطينيين، سواء خلال الاعتقال، أو في أثناء مرورهم من الحواجز العسكرية التي أقامتها قوات الاحتلال خلال اجتياحها البري لقطاع غزة.[13] ويهدف هذا العنف إلى إذلال الفلسطينيين وإخضاعهم ضمن محاولات الاحتلال المستمرة لإرضاخهم كأفراد ومجموعة. وهذا العنف الجنسي يؤدي إلى مشكلات إنجابية مثل الالتهابات، وانخفاض وزن المولود عند الولادة، والولادة المبكرة، وفقدان الأجنة سواء من الإملاص (stillbirth) أو الإجهاض، فضلاً عن المشكلات النفسية التي قد تنتج من العنف الجنسي، وتؤثر سلباً في الصحة الإنجابية.
ويُفضح العنف الجنسي الذي يمارسه قوات الاحتلال، والتحريض الذي يسطّر هذا العنف، تورّط كيان الاحتلال في كثير ممّا يُتهم الفلسطينيين به. فادعاءات الاحتلال أن فصائل المقاومة الفلسطينية استخدمت العنف الجنسي سلاحاً في عملية طوفان الأقصى، شكّلت جزءاً رئيسياً في حشد الدعم من المجتمعات الغربية لحرب الإبادة وتصنيع الموافقة عليها. وأتت هذه الادعاءات على خلفية البروباغندا الممارسة منذ عقود ضد المجتمعات العربية بأنها ذكورية وعنيفة ضد المرأة، وأنه بناء على ذلك، فإن الحداثة الغربية تمتلك الحقّ في استعمار العرب لتحرير المرأة العربية من عنف الذكور العرب. غير أن ممارسة الاحتلال للعنف الجنسي بشكل ممنهج فضحت أن مَن يمارس العنف ضد المرأة في السياق الفلسطيني هو بشكل رئيسي الاستعمار.
والعنف الجنسي ذو سوابق تاريخية في سياق الإبادة الاستعمارية، فهو كان سلاح المستعمرين الأوروبيين ضد الشعوب الأميركية الأصلية، كأداة للسيطرة وتفكيك الهوية الأصلية،[14] تماماً كفعل إسرائيل في حرب الإبادة الحالية.
المحيط الحيوي للإبادة: تدمير المستقبل
يمكننا فهم السياسات الصهيونية الرامية إلى تدمير الخصوبة ضمن السياق الأوسع للصراع الفلسطيني – الصهيوني عامة، وحرب الإبادة الحالية خاصة، وذلك من خلال المفهوم الذي نظّر له الدكتور غسان أبو ستة منذ سنة 2017 تحت مسمى “المحيط الحيوي للحرب”[15] (ومؤخراً “المحيط الحيوي للإبادة”). ويهدف هذا المحيط الحيوي باختصار إلى خلق بيئة تكمل أهداف الحرب بعد وقف إطلاق النار،[16] وذلك بفرض سياسات وتدابير مثل قطع المياه وتلويثها، والتجويع، وتدمير المأوى، وإلحاق عدد هائل من الإصابات المعقدة والخطرة خلال الحرب، واستمرار الأذى الناتج من القذائف غير المتفجرة، لتؤدي هذه العوامل مجتمعة إلى قتل الفلسطينيين وإصابتهم بأمراض حادة ومزمنة، من دون أن يستطيع القطاع الصحي التعامل مع هذا الكمّ من الحاجات بسبب تدمير الاحتلال الممنهج للمرافق الصحية وقتله الكوادر الطبية. فقد أُخرجت مستشفيات قطاع غزة عن الخدمة مرة واحدة على الأقل خلال حرب الإبادة، والعديد منها خرج عن الخدمة أكثر من مرة، واستشهد نحو 1200 من الكوادر الطبية، بينهم كثيرون من الاختصاصيين الذين يمضون ما لا يقل عن 10 أعوام لبناء الخبرة اللازمة، وهو ما أكّده التقرير الأُممي باستنتاجه أن دولة الاحتلال ارتكبت سياسة مدبرة لتدمير القطاع الصحي في قطاع غزة، والذي ربما يؤدي إلى أضرار تستمر إلى عقود وتهدد نجاة الفلسطينيين في غزة.[17]
وتحاجج الباحثة ستيفاني لاط عبد الله في أن تدمير الاحتلال للأرض وكل ما يجعل الحياة ممكنة، إلى جانب تدمير الإرث الثقافي والتاريخي في قطاع غزة، والذي من المفترض أن يحمل الذاكرة الفردية والجمعية للقرون المقبلة، هي حرب إبادة ليس لتدمير حاضر غزة فقط، بل مستقبلها أيضاً.[18]
تواطؤ المنظومة الإنسانية
على الرغم من وضوح منهجية هذه الاستهدافات ووتيرتها، ولا سيما أن مسؤولي الاحتلال يصرحون بشكل واضح نيّتهم ارتكاب الجرائم قبل ارتكابها، فإن عدة تقارير حقوقية وإعلامية وبحثية تتجنّب في كثير من الأحيان تسمية المجرم والجريمة. وهذه ميزة أُخرى للتقرير الأُممي الذي يسلّط الضوء بشكل واضح على أن استهداف قوات الاحتلال للخصوبة، واستخدامه العنف الجنسي ضد الفلسطينيين، هما جزء من سياسات ممنهجة ومتعمدة. ويستخدم التقرير في أجزائه كلها لغة مباشرة في وصفه وتحليله للأحداث والسياق من أجل إدانة سياسات الاحتلال، فلا يتردد في البوح بصورة واضحة بأن استهداف الاحتلال لمرافق الصحة الإنجابية والجنسية كان استهدافاً متعمداً، وكذلك الأمر بالنسبة إلى فرض الحصار وقطع الموارد عن القطاع الصحي وتدميره وقتل كوادره، مستخلصاً أن هذه الممارسات تشكّل خروقات لمعاهدة روما واتفاقية الإبادة الجماعية.
ويكشف هذا التباين بين التوجهين دينامية تطورت خلال مسار القضية الفلسطينية منذ نشأتها، وتعززت خلال حرب الإبادة، وهي انهيار المنظومة الإنسانية الدولية. فهناك مشكلتان رئيسيتان في مبادىء هذه المنظومة وأفعالها هما: تجزئة القضايا، والحياد.
فتجزئة القضايا هي نتاج “التخصص” بالاستجابة لما يسمى الكارثة الإنسانية، والتي لديها في الواقع أسس ومحركات سياسية تجعلها تتعامل مع كل قضية على حدة، وغالباً على حساب التكاملية في العمل. فالصحة الإنجابية ورعاية الأمراض المزمنة والأمن الغذائي وتوفير المياه والطاقة تحتاج إلى توفير شروط بُنيوية واقتصادية واجتماعية مشتركة. إلّا إن تجزئة القضايا يمنع المنظومة الإنسانية من فهم التحديات التي تواجه الشعب الفلسطيني، ومن التعامل معها كجزء من مشروع استعماري متكامل يهدف إلى تحقيق الإبادة من خلال مسارات وطرق متنوعة، لكن في الوقت ذاته متصلة.
وبالنسبة إلى الحياد، فإن المؤسسات الإنسانية، وعلى رأسها الصليب الأحمر الدولي، تدّعي أن تحلّيها بالحياد يمكّنها من القيام بواجباتها مثل إيصال المساعدات وأداء دور الوسيط بين أطراف النزاع. ودفع خوف العديد من المؤسسات من منع الاحتلال لها من إرسال بعثات طبية أو مساعدات إلى قطاع غزة، إلى أن تتبنّى النهج ذاته من الحياد، فاشترطت عدة مؤسسات على موظفيها وأعضاء بعثاتها عدم التصريح باسمها بأي إدانات واضحة للاحتلال، والاكتفاء بوصف الحالة الكارثية التي يعانيها المدنيون في غزة من دون البوح بالأسس السياسية التي تسببت بهذه المعاناة.[19] وأدى هذا الجبن، على سبيل المثال لا الحصر، إلى أن تطلب جمعية “العون الطبي للفلسطينيين” من الدكتور غسان أبو ستة الذي كان أحد أعضاء مجلس الأمناء فيها، الاستقالة من منصبه، بعد إدانته قوات الاحتلال في المؤتمر الصحافي في ساحات المستشفى الأهلي المعمداني بعد المجزرة المروعة في 17 تشرين الأول / أكتوبر 2023، دحضاً لادّعاء الاحتلال أن الفلسطينيين هم الذين تسببوا بالمجزرة.[20] وفي النهاية، وعلى الرغم من هذا كله، فإن حكومة الاحتلال ما زالت تفرض المعايير التي تلائمها، بناء على اعتباراتها السياسية والاستراتيجية، وذلك من دون أي اعتبار للمفاهيم الإنسانية والقانونية، فتمنع إدخال الوفود والمساعدات إلى قطاع غزة، وتستمر في منع جميع المساعدات من الدخول منذ 2 آذار / مارس 2025، وتبلّغ أعضاء الوفود الطبية بقبولها أو رفضها قبل ساعات قليلة من موعد دخولها، من دون توضيح المعايير أو أسباب الرفض، بل تفتش المعدات التي تُدخلها الوفود، الأمر الذي يؤدي أحياناً إلى إتلافها قبل دخولها.
خلاصة
لقد نجح النظام الاستعماري في ترويض المنظومة الإنسانية لتتعامل مع الإبادة كواقع تحاول التخفيف من وطأته، بتوفير مساعدات طارئة أو ترميم بعض المرافق المدمرة، بدلاً من الحديث عن وقوع الإبادة أساساً، أو احتمال حدوثها، وهو ما يؤسس لتواطؤ المنظومة الإنسانية الدولية في الإبادة.[21] وهذا العمل كله يستوجب، استناداً إلى أسس واضحة، ردّاً على الإبادة الإنجابية والعنف الجنسي اللذين يمارسهما الاحتلال ضمن حرب الإبادة المستمرة.
ويتعيّن على الباحثين والحقوقيين والمهنيين التمسّك بخطاب واضح يضع الجوانب المتنوعة التي تكوّن جريمة الإبادة الجماعية التي يرتكبها الاحتلال ضمن سياقها الصحيح، وهو الاستعمار الإحلالي الذي يقوم عليه كيان الاحتلال، ويستغل لخدمته استراتيجياته السياسية والعسكرية والدبلوماسية كافة. ولهذا يترتب على الذين يعملون في مجال الصحة الإنجابية في فلسطين على سبيل المثال، تأكيد أن الحلول التقنية لا تستطيع ضمان الحقوق الإنجابية، فالعدالة الإنجابية تتعدى الحقوق الفردية لترتبط بحقوق سياسية واجتماعية تتعلق بتحرر الشعب الفلسطيني ككل، ولا سيما أن استهدافها هو استكمال الاعتداء على وجود الشعب الفلسطيني ككل.
المصادر:
[1] “‘More than a Human Can Bear’: Israel’s Systematic Use of Sexual, Reproductive and Other Forms of Gender-Based Violence since 7 October 2023”, UN Human Rights Council: Independent International Commission of Inquiry on the Occupied, Palestinian Territory, including East Jerusalem, and Israel, 13 March 2025.
[2] “‘خمسة أطفال في حاضنة واحدة’: انتهاكات حقوق النساء الحوامل أثناء الهجوم الإسرائيلي على غزة”، هيومن رايتس ووتش، 28 كانون الثاني / يناير 2025، في الرابط الإلكتروني.
[3] يُنظر: “مستشفى الحلو الدولي”، منصة توثيق استهداف وتدمير القطاع الصحي في قطاع غزة، في موقع مؤسسة الدراسات الفلسطينية، في الرابط الإلكتروني.
[4] باسل يوسف عبد الله مهدي، منصة توثيق استهداف وتدمير القطاع الصحي في قطاع غزة، في موقع مؤسسة الدراسات الفلسطينية، في الرابط الإلكتروني.
[5] “‘More than a Human Can Bear’…”, op. cit.
[6] “‘خمسة أطفال في حاضنة واحدة’…”، مصدر سبق ذكره.
[7] مجمع الشفاء الطبي، منصة توثيق استهداف وتدمير القطاع الصحي في قطاع غزة، في موقع مؤسسة الدراسات الفلسطينية، في الرابط الإلكتروني.
مستشفى النصر للأطفال، منصة توثيق استهداف وتدمير القطاع الصحي في قطاع غزة، في موقع مؤسسة الدراسات الفلسطينية، في الرابط الإلكتروني.
[8] “تعاني 557,000 امرأة في غزة من انعدام حادّ في الأمن الغذائي”، هيئة الأمم المتحدة للمرأة – الدول العربية، 27 حزيران / يونيو 2004، في الرابط الإلكتروني.
[9] “Israeli Attacks Leading to Increase in Birth Defects”, The Electronic Intifada, 10 November 2024.
[10] Hans Husum & Paola Manduca, “The War We Do Not See”, New Weapons Research Group, 21 December 2023.
[11] Nicola Pratt, Afaf Jabiri, Ashjan Ajour, Hala Shoman, Maryam Aldossari & Sara Ababneh, “Why Palestine is a Feminist Issue: A Reckoning with Western Feminism in a Time of Genocide”, International Feminist Journal of Politics, vol. 27, no. 1 (2025).
[12] Rhoda Ann Kanaaneh, Birthing the Nation: Strategies of Palestinian Women in Israel (Oakland, California: University of California Press, 2002).
[13] ‘More than a Human Can Bear…”, op. cit.’
[14] Robin Whyatt, “Violence Against Native Women Has Colonial Roots”, The Progressive Magazine, 2 March 2023.
[15]Andre Vltchek, “Middle Eastern Surgeon Speaks About ‘Ecology of War’”, Counter Punch, 28 April 2017.
[16] “المحيط الحيوي للحرب: محاضرة للطبيب غسان أبو ستّة”، مؤسسة الدراسات الفلسطينية / المدونات، 22 / 2 / 2024، في الرابط الإلكتروني.
[17] “‘More than a Human Can Bear’…”, op. cit.
[18] “À Gaza, futuricide en cours–Entretien avec Stéphanie Latte Abdallah, Géographies en movement, 17 April 2025.
[19] James Smith, Sara el-Solh, Layth Hanbali et al, “Realising Health Justice in Palestine: Beyond Humanitarian Voices”, “Conflict and Health”.
[20] “A State of Passion: Ghassan Abu Sittah”, Film by Carol Mansour and Muna Khalidi (2024).
[21] Smith et al., op. cit.
السيرة الشخصية:
ليث حنبلي: باحث في مؤسسة الدراسات الفلسطينية، والمشرف على منصة توثيق استهداف وتدمير القطاع الصحي في قطاع غزة.
عن مجلة الدراسات الفلسطينية العدد 143- صيف 2025
👍