استكمالا للنقاش حول معنى الصمود مع د. سري نسيبة…

أثارت مقالة د. سري نسيبة: ” البديل هو أن ننسى الحلول وننسى المفاوضات…البديل هو الصمود” (موقع ملتقى فلسطين، 12/10، https://wp.me/pbemW1-1Bf) نقاشا حيويا وواسعا، بيد إنها أثارت بعض الالتباس، أحياناً، رغم أن ما كتبه جاء في سياق الاعتراض على خياري السلطة (الحلول الوهمية والمفاوضات غير المجدية)، وتأكيده أن الخطاب الوجداني ـ الشعاراتي لا يفيد عمليا في تغيير الواقع، وهو بالطبع انحياز متعين في الظروف والمعطيات الراهنة، سيما باعتباره أن تمكين الشعب في أرضه في الظرف الراهن هو شكل من أشكال المقاومة، “لتحسين ظروف الحياة والصمود والكفاح في وجه النظام الاستعماري الاستيطاني العنصري” وصولا إلى قوله: “نتمسك بوحدة شعبنا وهويته وروايته وبمنظمة التحرير بعد إعادة بنائها…”…مع ذلك فإن فكرة الصمود لوحدها، كما يأتي على ذلك أخرون في الساحة الفلسطينية، سواء كفصائل أو كمثقفين مستقلين، تستحق السجال، لما تثيره من التباسات.

في الحقيقة، لا توجد حالات متطابقة في التاريخ، ولا تطورات تكرّر نفسها في الحيز الاجتماعي، لكن ذلك لا يعني عدم التعلم من حالات ماضية، او حالات حديثة ومتشابهة. الحالة الفلسطينية متميزة، لكنها ليست فريدة، وتوجد عشرات، بل مئات الحالات “الوطنية” التي لم تستطع التعامل مع التحديات الداخلية والخارجية، وافضت الى فناء الحالة او على الأقل هزيمتها. الحالة الفلسطينية لم تصل الى ذلك بفضل تضحيات وصمود شعبنا، والدعم العربي والعالمي، وان كان ثمة كثرا يقللون حاليا من تأثير الابعاد العربية والعالمية بسبب ما وصلنا اليه، لكننا، مثلا، لا نستطيع فهم الصمود الفلسطيني وبناء المؤسسات الوطنية حتى الانتفاضة الأولى من دون دعم مالي واحتضان سياسي من تلك الجهات.

الصمود إذاً هو الوسيلة الأهم في نضالاتنا، بداهة، فهو يعني بقاء الشعب في بلده وأرضه وبيته وعدم فسح المجال للسيطرة عليها وتهويدها أو أسرلتها، وهو يتم بتضحيات كبيرة من الناس، بيد أن الصمود لا يكفي لوحده إذ يتطلب ذلك وجود حركة وطنية قوية وداعمة، وتحمل مشروعا وطنيا جمعيا، على الأقل رمزيا، حتى يصبح صمودا مستمرا ومبشرا ويمكن استثماره. هكذا فإن الصمود وحده لم يكن هو محرك الوضع الفلسطيني، على الأقل في سنوات الصعود الوطني الذي تكلل في الانتفاضة الأولى. فالناس لم تكن لتصمد لولا توفر الشعور الوطني الجامع، ولولا دعم منظمة التحرير، الرمزي والمالي من جهة، ولولا الاعتقاد الذي ساد خلال العقدين السابع والثامن من القرن الماضي، بان انتهاء الاحتلال وشيك، وان الدولة هي في مرمى حجر، أو قاب قوسين أو أدنى.

في الفترة الأخيرة يدعو البعض الى الصمود، وخصوصا على ضوء تقييمهم –الذي اتفق معه- بانه لا يوجد حل قريب، ولا يعتقد بعض هؤلاء بضرورة وضع مشروع سياسي يجند الناس من خلفه، لكنني أعتقد بأن تلك الدعوة تتطلب أيضا حثّّ الجهود لصوغ مشروع وطني جامع، وإعادة بناء البيت الوطني الجامع (منظمة التحرير)، إذ برأيي لا يوجد صمود لذاته، لا على مستوى البيت والوحدة الاجتماعية الصغيرة، ولا على المستوى الوطني، وهذا ما يحاول “ملتقى فلسطين” الاشتغال عليه، مع مبادرات أخرى مماثلة، وهذا هو مبرر وجوده.

فالاعتقاد بأن الفلسطينيين هم وحدة وطنية واحدة، وان صمودهم هو ذاته في بلدان اللجوء والضفة والقدس وغزة وأراضي ال-48، هو تبسيط، واستنتاج غير كاف، ولن يمكن من الاستثمار فيه، في واقعنا السياسي المشتّت، سيما في زمن أضحت فيه منظمة التحرير، بوضعها الراهن، لا تعبر عن مشروع واحد ومشترك، وهو مسار بدأ من خطة “النقاط العشر” (د. 12 للمجلس الوطني، 1974)، وهو ما تفاقم بعد توقيع اتفاق أوسلو (1993)، والتحول من حركة تحرر إلى سلطة، وكل ذلك أدى إلى تشتت وأفول القضايا “الوطنية-الجمعية” للمجتمعات الفلسطينية: ففلسطينيو الضفة والقطاع يتطلعون شعبيا ونخبويا، وأعني عموما، الى التعبير عن هويتهم الوطنية من خلال الاستقلال والدولة، واللاجئون يتطلعون الى العودة كمشروعهم الوطني الجماعي، والفلسطينيون في ال-48 يريدون مكانة الأقلية القومية المتكافئة والمساواة المدنية. وهذا الانقسام هو الامر الجدي في السياسة وليس خطابات الوحدة الوطنية والهوية المشتركة التي لا تصمد في واقع الحال. هذا الانقسام يتم التعبير عنه في توجهات جدية، تحول الحركة الوطنية الفلسطينية الى مشارب ومسارات مختلفة، وبعض مركباتها متناقضة، وقد تكون مهمة التوفيق بين الرؤى امر صعب جدا، ان لم يكن من المستحيلات، لكنها المهمة الوطنية الأولى قبل طرح “أي حل” وكيفية تحقيقه.

في النقاشات الفلسطينية الأخيرة برز توجهان رئيسيان:

التوجه الأول، الذي يقبل عمليا ورسميا تقسيم الشعب الفلسطيني، وترتكز أفكاره –عموما- على وقائع تم تجاوزها بالأساس بفعل ممارسات اسرائيلية وقبول عملي فلسطيني بهذا الواقع، وهو يرتكز عموما على الأفكار أدناه:

-القضية الفلسطينية لم تتقدم بشكل اساسي، وربما حصري، بسبب الممارسات الاسرائيلية وداعميها الغربيين والعرب. والمسؤولية الفلسطينية عن هذا الاخفاق هي قليلة، او حتى يذهب البعض الى كيل المدائح لأفكار ومبادرات وعمل “القيادة الحكيمة”.

– يقول هؤلاء اجمالا بان المفاوضات مع اسرائيل والسلطة، التي هي اهم نتائج المفاوضات، هم انجاز فلسطيني ملموس، يجب الحفاظ عليه والبناء عليه نحو الاستقلال وبناء الدولة الفلسطينية في الضفة والقطاع، كتعبير عن حق تقرير المصير للفلسطينيين.

– وبناء عليه مشروع اقامة الدولة الى جانب اسرائيل هو اهم مركب في بناء المستقبل الفلسطيني، ولا زالت الاوضاع تمكن الفلسطينيين من القيام بذلك، حتى من خلال تبادل اراضي او القبول بعدم امكانية رجوع اللاجئين الى مدنهم وقراهم التي دمرت خلال النكبة.

– منظمة لتحرير هي شراكة بين الفصائل، وحل الاشكالات العالقة، هي بإعادة بناء هذه الشراكة، ويرفض هؤلاء ضمنيا موضوع انتخابات فلسطينية عامة بمشاركة عموم الفلسطينيين لمجلس وطني ديمقراطي يمثل عموم الفلسطينيين مباشرة. ويدعي البعض، بعكس الحقيقة، ان انتخابات عامة ليست ممكنة في الظروف الحالية.

التوجه الثاني (اجمالا طبعا)، هو للذين يقولون بان تجربة الفلسطينيين حتى الان لم تنجح بإحراز انجازات جدية للفلسطينيين بسبب عوامل داخلية وخارجية، وان الاسباب الداخلية، من أداء القيادات والنخب وانعدام الديمقراطية والفساد والمحاصصة، الخ.. كله اسباب ساهمت جديا في الفشل الفلسطيني، ولذلك من المهم القطيعة مع التجربة السابقة والعمل على بناء فكري وسياسي جديد.

حسب هؤلاء، وانا منهم، فان الشرط الأساسي لأي مشروع مستقبلي يبدأ بمواجهة جدية لبناء أسس الهوية الفلسطينية الجمعية، التي أضحت تعاني من إعطاب أساسية بينّا بعضها أنفا، وذلك من خلال اعادة الاعتبار للقيم الرئيسية الجامعة للهوية الفلسطينية، كما كانت، نظريا على الاقل، حتى النكبة، مع اضافة القيم التي تراكمت منذ ذلك الوقت، واهمها معاني النكبة واللجوء والعودة والمساواة الفردية والجماعية، والتعويض، واقامة مؤسسة فلسطينية جامعة –على نفس الاساس النظري لمنظمة التحرير، مع عدم الوقوع في فخ استثناء مجموعات جدية من الشعب الفلسطيني كما فعلت المنظمة عمليا(في شأن فلسطينيي 48)- تنفّذ عمليا من خلال انتخاب قيادة فلسطينية مباشرة من عموم الفلسطينيين، وذلك ممكن جدا وسهل اليوم اكثر من اي وقت مضى.

وفي ما يخضّ اعطاب الهوية الفلسطينية يجب ان تجري مراجعة جدّية لما يسمى مسار السلام واقامة دولتين، فلسطينية واسرائيلية، كتعبير عن حق تقرير المصير للشعبين، الفلسطيني والاسرائيلي-اليهودي. والاعتقاد هنا هو أن اقامة دولة فلسطينية كاملة السيادة وحل مشكلات الحل الدائم على خلفية حل الدولتين اصبح غير ممكن، وأنه من اجل مواجهة المشاريع الإسرائيلية، في استمرار السيطرة الفوقية او في السعي لاستمرار الانقسام الفلسطيني او حتى في مشاريع تبدو بعيدة مثل الترانسفير أو التضييق وإجبار الفلسطينيين على مغادرة وطنهم تدريجياً، لا بد من السعي الى طرح البديل المتمثل في الدعوة الى اقامة دولة واحدة في فلسطين، بمعنى الكفاح في أرض فلسطين كلها من أجل الحقوق الوطنية كلها، وليس من أجل حل في جزء من الأرض لجزء من الشعب في جزء من الحقوق. مثل هذا التصور لمشروع سياسي، وهو ما يتمثله ملتقى فلسطين مثلا، سوف يشكل اداة لتجنيد عموم الفلسطينيين لدعم مشروع جمعي موحد، وليس مشاريع مختلفة، وجزئية وناقصة، يجحف أحدها بالأخر، وهو ما يشكل مخرجا للفشل السياسي للحركة الوطنية الفلسطينية بشكلها الراهن.

باختصار نحن إزاء توجهين، توجه ينادي ببناء دولة والتنازل ضمنيا عن وحدة الفلسطينيين في حركة وطنية واحدة، والتوجه القائل بان المستقبل الفلسطيني يجب ان يأسس على الوحدة الوطنية لكل الفلسطينيين. طبعا هنالك مبادرات تقول بان القضية عربية او سلامية ولا يستطيع الفلسطينيون البت بها لوحده، لكننا لا نستطيع تفصيل ذلك هنا.

التوجهات المختلفة، قد تتفق في بعض المركبات وقد تختلف، لكنها تفترق في مسالتين مركزيتين: الاولى في تعريف فلسطين، اي اين فلسطين؟ وهل هي دولة او سلطة الضفة الغربية وقطاع غزة (والقدس)، ام انها ما يعرف شعبيا “فلسطين التاريخية”. والثانية من هم الفلسطينيون؟ بمعنى كونهم شعب واحد له حق تقرير مصير واحد، فالتوجه الاول يقبل بأن الفلسطينيون اقوام وشعوب مختلفة وحق تقرير المصير يختلف جذريا بين من هم في الضفة والقطاع، وبين من هم في اسرائيل، بين من هم في إسرائيل والضفة والقطاع من جهة وبين اللاجئين من الجهة الاخرى. بينما يقول التوجه الثاني، بانه لا توجد طرق سهلة او مختصرة، وان الإصرار على وحدة الأرض والشعب والقضية هو الأساس، وأن الفلسطينيين جميعا كشعب لهم حق تقرير المصير وهم الأساس في اي مستقبل.

برأيي أعلاه قدمنا للخط الفاصل الرئيسي بين توجهات الفلسطينيين في مسالة مستقبلهم، وليس الخلافات التكتيكية حول استراتيجيات النضال والحقوق هنا وهناك، رغم أهمية هذه القضايا ومركزيتها بالنسبة للناس.

بالنسبة للذين يعتقدون “بتطابق الأرض والقضية والشعب والانتماء الوطني، هنالك حاجة لنقاش جدي في الاسئلة المتعلقة بالسؤال “ما العمل؟” اي ما هو المشروع، كيف يتم التعبير عنه، ما هي الطريق لذلك، وكيف يساهم ذلك في حل سياسي حقيقي مع اليهود الاسرائيليين؟ كل هذه الاسئلة تطفو هنا وهناك عشرات، بل مئات، الاجابات عليها، لكنها لا تلتقي في جهد مركز واحد. وهنا ارى ضرورة عقد مؤتمر بجلسات مفتوحة، مركزها في القدس، لكنها تجري في كل اماكن الوجود الفلسطيني، لوضع تصور متكامل يشكل عمودا فقريا لهذا التوجه ومرشدا للمستقبل. قد يشارك في هذا المؤتمر وجلساته، عشرات او مئات النشطاء والمثقفين، وقد يستغرق شهرا او سنة او أكثر، لكنه مطالب بالوصول الى بناء هذا التصور الذي يجيب على الاسئلة اعلاه. استمرار حالة التشتت، في حالة دعم –ولو محدود- فلسطيني ودولي وإسرائيلي وعربي، للتوجه الذي يريد اغراق الفلسطينيين في اختلافات داخلية، يحتم التشديد على ضرورة وجود خيارات استراتيجية جامعة وكلية، قد يتم تفصيلها لتكتيكات وطرق عمل مختلفة، لكنها ملتزمة جوهريا بالمبادئ ادناه.

أولا: الفلسطينيون شعب واحد وقضيتهم واحدة أينما أقاموا وأياً كانت الجنسيات التي يحملونها، بما فيهم أهل القدس شرقها وغربها وأهل الضفة الغربية وقطاع غزة وعلى جانبي ما يسمى الخط الأخضر واللاجئون في بلدان اللجوء والشتات في المخيمات وخارجها.

ثانياً: للفلسطينيين جميعاً بدون استثناء القول الفصل في قبول أي حل لقضيتهم أو رفضه، ولا يمكن لأية جهة كانت أن تفرض عليهم حلاً دون الرجوع إليهم على اختلاف أماكن إقامتهم.

ثالثاً: إن أية منظمة أو فصيل فلسطيني إنما يستمد شرعيته وصفته التمثيلية من الشعب الفلسطيني كله، والشعب الفلسطيني وحده هو من يملك أن يمنح هذه الصفة أو يمنعها أو يسحبها، ولذلك فإننا ندعو الى اجراء انتخابات عامة ونزيهة لكل ابناء الشعب الفلسطيني لاختيار قياداتهم التي سوف تكون مخولة للسير قدماً لأجل نيل الحقوق الفلسطينية.

رابعاً: لا بد من احترام إرادة الشعب الفلسطيني المعبر عنها بأشكال الممارسة الديمقراطية أياً كانت.

خامساً: لا يتنازل الفلسطينيون بعضهم عن حقوق البعض الآخر، أينما أقاموا، فلا يقبل حل تضيع فيه حقوق جزء من الشعب الفلسطيني ثمناً لحصول جزء آخر على حقوقه.

سادساً: الصهيونية واسرائيل عدو لا شريك، والفلسطينيون إخوة على اختلاف انتماءاتهم السياسية، ولا يجوز أن يقع صدام بينهم مهما كان الاختلاف بينهم حول الرؤى والمستقبل.

سابعاً: الاحتلال والاستيطان والنفي والتفرقة العنصرية والدينية التي تمارسها إسرائيل هي عنفٌ وهي مصدر كلّ عنف في الصراع العربي الإسرائيلي، وتتحمل إسرائيل وحدها مسؤولية العنف الموجه ضدها كما تتحمل مسؤولية العنف الذي تمارسه على الفلسطينيين والعرب في ماضي الصراع وحاضره ومستقبله.

ثامناً: للفلسطينيين الحق في مقاومة الظلم التاريخي الواقع عليهم حتى ينتهي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *