استثمار انتصار المقاومة أم الالتفاف عليه؟


اشترك معنا في قناة تلغرام: اضغط للاشتراك حمل تطبيق الملتقى الفلسطيني على آندرويد: اضغط للتحميل

لا نريد أن نبالغ كغيرنا في حجم الانتصار، ولا نريد أن نقلل منه. الأهم من هذا وذاك أن يتم استثمار الانتصار لصالح القضية الوطنية، وليس لصالح فصيل أو جماعة. فالشعب الفلسطيني انخرط في المواجهة بكل فئاته وتجمعاته داخل فلسطين التاريخية وخارجها. يجب ألا نتوقع أن ثمرات هذا الانتصار سنحصدها غدا أو بعد غد، ولكن علينا أيضا ألا نتراخى في تثبيتها على الأرض، كي تأتي أكلها في المستقبل على المديين المتوسط والبعيد. إن مرحلة جديدة من النضال الوطني الفلسطيني بمعطيات جديدة قد بدأت، وعلينا أن نستعد لها لكي تصبح المواجهات والانتصارات عملية تراكمية، تبني على ما قبلها وتنطلق نحو مرحلة أعلى، وصولا إلى الهدف الاستراتيجي: تقرير حق المصير على أرض فلسطين التاريخية لكل الشعب الفلسطيني. هناك أربع نتائج إيجابية رئيسية واضحة قد لا يختلف عليها أحد، ونريد أن نبني عليها ونحميها من حقول الألغام المزروعة أمامنا.. أهم تلك الإنجازات:
– انتصار غزة للقدس، الذي يعتبر إيذانا بدفن أحلام كل من راهن على انفصال غزة عن بقية فلسطين، وابتعادها عن الجسم الفلسطيني، وتشكـّل وعي مختلف في غزة بعد نحو 15 سنة من حكم حماس. إن تلبية غزة لنداء القدس وربط أطراف القضية الفلسطينية ببعضها بعضا: من يعيش تحت الاحتلال، ومن يعيش تحت الحصار، ومن يعيش تحت نظام الفصل العنصري، يعني بدون لبس ولا ضبابية أن قضية فلسطين واحدة وشعبها واحد وعدوها واحد.

– النقطة الثانية المهمة التفاف الشعب الفلسطيني حول المقاومة. هذه المرة لم تصدر أصوات تضع اللوم على المقاومة، بل على العكس كان الالتفاف شاملا في كل بقعة في فلسطين، خاصة في غزة حيث طفح بهم الكيل بعد كل سنوات الحصار الطويل الموجع والدموي والظالم. لقد راهن العدو على أن الوضع الشعبي سيتحول ضد المقاومة، ويحملها مسؤولية الآلام والضحايا، واكتشف العكس أن المقاومة صارت الورقة الأخيرة التي تستحق الرهان عليها، بعد تهافت أصحاب نهج المفاوضات، لقد ثبت بالدليل أن المفاوضات هي العبثية وليس صواريخ المقاومة.
– النقطة الثالثة، التضامن العالمي غير المسبوق مع الشعب الفلسطيني. فلم يحدث في التاريخ الحديث أن خرج هذا العدد من المظاهرات بهذا الكم من البشر في هذا العدد الهائل من مدن العالم خلال أسبوعين. وقد شهدت المدن الكبرى مسيرات عظيمة مثل مظاهرات لندن وباريس وشيكاغو ونيويورك وساوباولو وسيدني وغيرها المئات. لقد هبت الجماهير العربية بشكل عفوي في معظم المدن، التي يسمح فيها بالتظاهر، لينتصروا لإخوتهم وأخواتهم في فلسطين، من الكويت إلى نواكشوط، ومن عمان واليمن إلى الرباط والجزائر. ولو استمر ذلك العدوان الإجرامي على غزة وفلسطين لانفجرت الأوضاع في الأردن ولبنان خاصة، وكسروا الحدود ليقفوا مع إخوتهم في الميدان. لقد بعثت تلك الجماهير رسالة بليغة لحكومات التطبيع، أن لا مكان لهم عندما يتعلق الأمر بالمواجهة مع هذا النظام العنصري. فليختبئ المطبعون في جحورهم صاغرين مدحورين مذمومين.
– النقطة الرابعة، عودة القضية الفلسطينية إلى مركز اهتمام الكون، بعد أن ظن ترامب وكوشنير ونتنياهو وأتباعهم العرب أن القضية الفلسطينية، انتهت إلى غير رجعة، وأن مرحلة صفقة القرن ستدهم كل من يعترض سبيلها، وليس للعرب خيار آخر غير الالتحاق بقطار التطبيع، الذي سيتوقف في أكثر من محطة لالتقاط مزيد من الركاب وعليهم حجز مقاعد لهم في الرحلة المتجهة نحو تل أبيب. لكن فوجئ الجميع بما تمثله القضية الفلسطينية، خاصة قضية القدس، للعرب والمسلمين وأنصار الحرية والعدالة والحق في العالم. لقد تحركت بعض الدول بشكل جاد وأوصلت رسائل لواشنطن أن المساس بالقدس خط أحمر، وأنها قد لا تستطيع ضبط قواتها المسلحة إذا استمر هذا العدوان على القدس.
المخاوف والألغام الكبرى
الأمور لن تستقر بهذه السهولة لجني ثمار الصمود والمقاومة، فحتى خلال المواجهات، كانت هناك جهات عربية وأجنبية تفكر وتخطط كيف يمكن تفريغ هذه المواجهة النوعية من نتائجها ومضامينها. وعلى طريقة الربيع العربي، الجزء السهل من الثورات كان إسقاط النظام. فرحت الملايين التي انتفضت في الشوارع والساحات، وعادوا جذلين إلى بيوتهم، ثم بدأت المؤامرات تحاك لإجهاض الثورات جميعها مرة بالمال ومرة بالعسكر ومرة بالتدخل المباشر أو غير المباشر. ونود هنا أن ننبه، لا عن شك في غفلة من ننبههم، ولكن للتذكير فقط. «قال بلى ولكن ليطئن قلبي»:
– إعمار غزة: إن مدخل جمع الأموال لإعمار غزة قد تحمل هدايا مسمومة تحت غطاء إيجاد فرص عمل ورفع مستوى المعيشة وتأمين بعض الاحتياجات الأساسية، التي من المؤكد أن سكان القطاع بأمس الحاجة إليها، لكن الذي أثار الشك هو تصدر النظام المصري مشهد الإعمار على غير عادته، وإعلان تبرعه بنصف مليار دولار. وهذه هي المرة الأولى على حد علمنا يقوم أي نظام مصري بالتبرع نقدا لغزة، أو لغير غزة، لأن مصر بحاجة إلى هذه الملايين، بل في أمس الحاجة إليها. وتزيد شكوكنا عندما تأكدنا أن هذا المبلغ ستدفعه دولة الإمارات لمصر، لعلمها إن الفلسطينيين لن يقبلوا تبرعاتها بعد أن طعنتهم في الظهر، وكما أعادوا إليها طائرتها المحملة بمواد طبية هبطت في مطار تل أبيب، لتغطي تطبيعها مع الكيان، سيعيدون هذه المبالغ إلى أصحابها. أما إن أتت عن طريق مصر، فالأمر أصعب، لأن مصر تمسك بخناق غزة ولا تستطيع حركة أو فصيل أو قيادة في غزة أن تستعدي مصر. إذن «كوّشت» مصر على ملف الإعمار، والذي سيقوم بالإعمار الشركات المصرية بالتعاون والتراضي والتوافق مع إسرائيل. وشركات البناء والإعمار يملكها الجيش المصري، إذن من سيدخل غزة للقيام بالإعمار على الأقل جزئيا هو الجيش المصري وسيتسلل من خلاله أجهزة ومخبرون وجماعات بأجندات مشبوهة. فحذارِ حذارِ .
– ضخ الدماء في السلطة الفلسطينية: أثبتت المواجهات أن لا مكان للسلطة الفلسطينية في صنع القرار، لقد جلست في رام الله معزولة لا أحد يعيرها أي اهتمام. بل أرسل الشعب الفلسطيني بكاملة رسالة بليغة، لا مجال للشك فيها، أن هذه السلطة لم تعد تمثل الشعب الفلسطيني لا في الداخل ولا في الخارج. هي التي أوصلت شعبنا إلى هذا المأزق الوجودي وأصبح وجودها عبئا على هذا الشعب ومشروعه الوطني، وأفضل ما يمكن أن تقوم به الرحيل. لقد تلقت السلطة ضربتين متعاقبتين: إلغاء الانتخابات خوفا من الهزيمة، ثم تهميشها تماما أثناء المواجهات. لكن المعسكر المضاد ما زال يراهن على السلطة، وليس غريبا أن يؤكد نتنياهو أنه سيعزز علاقته مع السلطة، وكذلك بايدن ردد المقولة نفسها قائلا «يجب الاعتراف بقيادة محمود عباس للشعب الفلسطيني». وبعث للمنطقة وزير الخارجية أنطوني بلينكن ليلتقي عباس، ويؤكد دعم الإدارة الأمريكية لقيادته. من جهته أكد عباس على أن «التنسيق الأمني مستمر» وأن شروط تشكيل حكومة وحدة وطنية هو الاعتراف بقرارات الشرعية الدولية، أي جر المقاومة لمربع المفاوضات، وتجريدهم من السلاح، ثم زجهم في السجون الإسرائيلية والسلطوية. هذا فخ خطير يقصد منه توسيع شقة الخلاف وتوكيل مهمة القضاء على المقاومة للطرف الفلسطيني، بعد فشل الطرف الإسرائيلي.. فحذارِ حذارِ.
– استمرار مخططات طرد سكان الشيخ جراح وسلوان ـ كما كانت تفعل إسرائيل مرارا، عندما تكون هناك ضجة كبرى على مخطط ما، فإنها تختار التهدئة لتمر العاصفة، ثم يمررون مخططاتهم بهدوء بعيدا عن الأضواء. هذا ما فعلوه في جبل أبو غنيم، تريثوا قليلا إلى أن هدأت العاصفة ثم أقاموا مستوطنة «هار حوما» وهكذا فعلوا في النفق تحت المسجد الأقصى. تريثوا بعد المواجهات التي خلفت أكثر من 70 شهيدا ثم فتح النفق. وهكذا عملوا في الحرم الإبراهيمي حيث استغلوا المجزرة عام 1994 وقاموا بتقسيمه. في الخان الأحمر ولشدة الضغط الدولي، تراجعوا قليلا، لكن المخطط لم يتغير. وهذا ما نخشاه أن يتم التراخي عن متابعة عمليات الطرد المتعمد من الشيخ جراح وسلوان، فتهدأ العاصفة ثم يتم ترحيل العائلات بالتدريج، وبدون ضجة. وكذلك سيعاود المستوطنون، وهم جزء أساسي من القوة المتوحشة للكيان، اقتحامات الأقصى بشكل يومي حتى تصبح هذه الاقتحامات خبرا عاديا لا يثير اهتمام أحد، ثم يفتعلون حادثة تبرر التقسيم.. فحذارِ حذارِ .
نحن نثق بأن المقاومة ورجالها ونساءها وجماهيرها على أهبة الاستعداد للنزول إلى الميدان مجددا، لكننا نخشى المفاجآت. نحن أمام مرحلة مقبلة جد خطيرة فإما أن تتحول الإنجازات إلى مغانم، أو إلى مغارم. والحصيف من اتعظ من الماضي البعيد والأكثر حصافة من اتعظ من الماضي القريب.

عن القدس العربي

اشترك معنا في قناة تلغرام: اضغط للاشتراك

حمل تطبيق الملتقى الفلسطيني على آندرويد: اضغط للتحميل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *