اتــــفاقـــات “ابراهام”: صفقة للتطبيع أم معاهدة سلام

لقد اعتبرت الدول العربية لعقود عديدة بأن إسرائيل دولة عدوة، والتزمت برفض كافة أشكال التعامل والتطبيع معها قبل التوصل إلى حل عادل وشامل للقضية الفلسطينية، وذلك، استناداً لمبادرة السلام العربية التي أقرت في القمة العربية في بيروت عام 2002م، التي رهنت أي اعتراف عربي بإسرائيل بانسحابها الكامل من جميع الأراضي العربية المحتلة عام 1967م، وقيام دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة وعاصمتها القدس الشرقية، والتوصل إلى حل عادل لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين، مقابل قيام الدول العربية بإنشاء علاقات طبيعية في إطار سلام شامل مع إسرائيل. لكن البيت الأبيض في واشنطن كان قد شهد في 15 أيلول/ سبتمبر 2020م مراسم توقيع اتفاقيتي سلام أو تطبيع كامل للعلاقات فيما بين الإمارات العربية المتحدة والبحرين من جهة، وإسرائيل من جهة أخرى.
ما كان لخطوة التطبيع الإماراتي البحريني مع الكيان الصهيوني أن تأخذ هذا المنحى من الإثارة والضجيج لو جرت بهدوء كممارسة سيادية لأي دولة من حقها اقامة علاقات دبلوماسية مع من تشاء من الدول، ودون تحميلها كل ما رافقها من تهويل ومبالغات أظهرتها وكأنها خطوة ستغير وجه المنطقة بل وتاريخ البشرية وهي في حقيقة الأمر أبعد ما يكون عن ذلك. فما ملابسات هذا التلاعب والخلط بالمفاهيم، وما نتائجه؟

أولاً: تأصيل المفاهيم.
ما بين تطبيع العلاقات ومعاهدة السلام في عُرف العلاقات الدبلوماسية الثنائية:
التطبيع: لغة، العودة إلى وضع أو ظرف عادي، واصطلاحاً، فقد ظهر هذا المفهوم لأول مرة في المعجم الصهيوني، وذلك، للإشارة ليهود المنفى الذين يعدهم الصهاينة شخصيات طفيلية شاذة، حيث طرحت الصهيونية نفسها على أنها حركة سياسية واجتماعية ستقوم بتطبيع اليهود، أي بإعادة صياغتهم بحيث يصبحون شعباً طبيعياً مثل باقي الشعوب. ثم برز مفهوم التطبيع مرة أخرى في أواخر السبعينيات من القرن العشرين، بعد توقيع معاهدة السلام بين كل من إسرائيل ومصر، إذ طالبت الدولة الصهيونية بتطبيع العلاقات فيما بين البلدين، أي جعلها علاقات طبيعية عادية مثل تلك التي تنشأ بين أي بلدين. ويمكن وصف التطبيع بأنه: “المشاركة في أي مشروع أو مبادرة أو نشاط، محلي أو دولي، مصمم خصيصاً للجمع (سواء بشكل مباشر أو غير مباشر) بين فلسطينيين أو عرب وإسرائيليين (أفرادا كانوا أم مؤسسات). وأهم أشكال التطبيع هي تلك النشاطات التي تهدف إلى التعاون العلمي أو الفني أو المهني أو النسوي أو الشبابي، أو إلى إزالة الحواجز النفسية”. كما يعد التطبيع “عملية بناء علاقات رسمية وغير رسمية، سياسية واقتصادية وثقافية وعلمية واستخباراتية مع الكيان الصهيوني، والتطبيع في حقيقته تسليم للكيان الصهيوني بحقه في الأرض العربية بفلسطين، وبحقه في بناء المستوطنات وحقه في تهجير الفلسطينيين وحقه في تدمير القرى والمدن العربية، وهكذا يكون التطبيع هو الاستسلام والرضا بأبشع مراتب المذلة والهوان والتنازل عن الكرامة وعن الحقوق.
عموماً، وفي ضوء ما ذكر، يعتبر التطبيع عبارة عن عمل تمهيدي جزئي قياساً بعملية الوصول إلى سلام دائم، وهو أحد مرتكزات عملية الوصول لعلاقات ثنائية رسمية تنهي حالة القطيعة والعداء التي تمنع الالتقاء والتواصل بين الفرقاء، فإذا ما اكتملت هذه العملية – التطبيع – في جميع أشكالها، عندئذ يمكن عقد المعاهدة أو الاتفاقية النهائية بين دولتين أو أكثر لإقامة علاقات دائمة ورسمية. بكلمات أخرى، إن إقامة العلاقات الرسمية بين الدول هي خطوة نهائية لعمليات التطبيع التي سبقت، عبر دمج كل ما تحقق من تطبيع في مناح مختلفة في إطار العلاقات الودية، وانهاء حالة الصدام والصراع التي منعت قيام تلك العلاقات.
معاهدة السلام: في اللغة، السلام اسم من أسماء الله الحسنى لسلامته من النقص والعيب وسيادة الطمأنينة في أجوائه، ويتحقق السلام بين الناس بعد حربٍ مهولة فيسود الهدوء وعدم اللجوء للحرب. ويمكن ان يستخدم مصطلح “المعاهدة” كمصطلح عام دارج، أو مصطلح خاص يشير إلى صك ذي خصائص معينة، فالمعاهدة كمصطلح عام: يشمل جميع الصكوك الملزمة في القانون الدولي والمبرمة بين الكيانات الدولية، بغض النظر عن تسميتها الرسمية. وتؤكد اتفاقية فيينا لعام 1969م واتفاقية فيينا لعام 1986م، كلتاهما هذا الاستخدام العام لمصطلح “المعاهدة”. وتعرف اتفاقية فيينا لعام 1969م المعاهدة بأنها: “الاتفاق الدولي المعقود بين الدول في صيغة مكتوبة والذي ينظمه القانون الدولي، سواء تضمنته وثيقة واحدة أو وثيقتان متصلتان أو أكثر ومهما كانت تسميته الخاصة”. وللتحدث عن “المعاهدة” بمعناها العام، يجب للصك أن يستوفي معايير مختلفة، فينبغي أولاً أن تكون المعاهدة صكاً ملزماً مما يعني أن الأطراف المتعاقدة تعتزم استحداث حقوق وواجبات قانونية. ويجب ثانياً أن تبرم دول أو منظمات دولية تتمتع بالقدرة على إعداد معاهدة هذا الصك. ويجب ثالثاً أن يحكم الصك قانون دولي. وأخيراً، يجب أن يكون الالتزام خطياً. وحتى قبل اتفاقية فيينا لعام 1969م بشـأن قانون المعاهدات، خُصصت كلمة “معاهدة” بمعناها العام للالتزامات المبرمة كتابة بوجه عام.
أما “المعاهدة” كمصطلح خاص: فلا توجد قواعد متسقة عندما تستخدم ممارسات الدول مصطلحات “المعاهدة” عنواناً لصك دولي. لكن يُخصص مصطلح “المعاهدة” عادة لمسائل ذات قدر من الخطورة تتطلب اتفاقات أكثر رسمية. وتُختم توقيعاتها وتتطلب عادة التصديق. وتُذكر من الأمثلة النموذجية على الصكوك الدولية المعروفة باسم “معاهدات” معاهدات السلام، والمعاهدات الخاصة بالحدود، ومعاهدات ترسيم الحدود، ومعاهدات تسليم المجرمين. وقد انخفض استخدام مصطلح “المعاهدة” للصكوك الدولية انخفاضاً ملحوظاً في العقود الأخيرة لصالح مصطلحات أخرى
وترتيباً على ما سبق، يمكن تعريف مفهوم “معاهدة السلام” بأنها: “وثيقة اتفاق بين أطراف متنازعة يعتبر حلاً للنزاع ونهاية الحرب بينها، والامتناع عن الأعمال العدوانية أو تشجيع مثل هذه الأعمال، كما أنها قد تتضمن الانسحاب من المناطق المحتلة وإعادة الأملاك والتعويض ومنح الضمانات للحدود الجديدة التي توافق عليها الأطراف”.

ثانيـــــــــاً: ملابسات خلط المفاهيم
خرج الرئيس الأمريكي يوم 13/ آب أوغسطس/ 2020م ليعلن عبر حسابه على “تويتر” عما أسماه بعقد (اتفاق سلام تاريخي) فيما بين من وصفهما بصديقتيّ الولايات المتحدة، الامارات العربية المتحدة وإسرائيل. حيث أوضح “ترامب” بأن هذا الاتفاق قد تم خلال اتصال هاتفي بينه وبين رئيس الوزراء الإسرائيلي “بنيامين نتنياهو” وولي العهد الإماراتي “محمد بن زايد آل نهيان”. وأضاف “ترامب” بالقول: أشكر قادة اسرائيل والإمارات على شجاعتهم للتوصل إلى هذا الاتفاق الذي سُمّي اتفاق “إبراهام”.
فخلال المحادثات التي أجرتها الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل مع المسؤولين الاماراتيين في الأسابيع الأخيرة قبل مراسم توقيع الاتفاق، ذهبت إسرائيل للمطالبة بتوقيع الوثيقة في واشنطن باعتبارها (معاهدة سلام)، ويشير مسؤولون إسرائيليون وأمريكيون إلى أن الاماراتيين قد وافقوا على هذا الطلب. كما يضيف بعض المسؤولون الإسرائيليون إن معاهدة السلام مع الإمارات يجب أن تتم الموافقة عليها بالتصويت في الكنيست، بهدف جعل العملية أكثر توافقية، على غرار الموافقة على “معاهدات السلام” مع مصر والأردن بالتصويت في الكنيست وحصلت على أغلبية كبيرة.
أما في حالة مملكة البحرين، فما تم التوقيع عليه مع إسرائيل هو عبارة عن (اعلان نوايا لصنع السلام)، ذلك أنه لم يكن هناك وقت كاف للتوصل إلى اتفاق مفصل بين الطرفين، كما حدث مع دولة الامارات العربية المتحدة، حيث أعلن الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” يوم 11/ أيلول سبتمبر/ 2020م، بأن البحرين ستطبع علاقاتها الدبلوماسية بشكل كامل مع إسرائيل”، وقد ذهب إلى وصف هذه الخطوة بـــ (اتفاقية السلام) الثانية بعد الامارات.
ومن المعلوم بأن الإمارات والبحرين لم تخوضا يوماً حرباً مع إسرائيل، لكن الإسرائيليين أصرّوا على أن تُصاغ الاتفاقيتان بوصف كل منهما “معاهدة سلام”، على غرار تلكما الموقعتين مع كل من جمهورية مصر العربية عام 1979م، والمملكة الأردنية الهاشمية عام 1994م. ويعلل مسؤولون إسرائيليون ذلك بأن هذا يعطيهما صبغة أكثر جدّية، ويتطلب التزاماً أكبر من كل الأطراف، كما أنه يبعث رسالة مفادها بأن هاتين الاتفاقيتين طويلتا الأمد، وليستا مجرّد صفقتين مؤقتتين. ولم يتردّد رئيس الوزراء الإسرائيلي “بنيامين نتنياهو” في التأكيد على هذا المعطى، عندما أعلن قبل يوم من مراسم التوقيع أن الاتفاق مع الإمارات سيكون “معاهدة سلام”.
ومن اللافت هنا، أن أطراف هذا الاتفاق قد اتفقوا على تطبيع العلاقات وتبادل سفراء وطرق جوية وعلاقات تجارية، وهو ما يسمونه: (اتفاق سلام)، وذلك، على الرغم من أنهم لم يكونوا يوماً قط في حالة حرب مع بعضهما البعض. وقد جرى الاتفاق من دون أن يستشار الفلسطينيون أو حتى الجامعة العربية التي تبنت مبادرة جماعية للسلام والتطبيع الكامل مع إسرائيل عام 2002م قائمة على مبدأ الأرض مقابل السلام، لكن الإماراتيون يتذرعون بمسألة وقف ضم أجزاء من الضفة، وهو ما يقول عنه معظم المعلقون الإسرائيليون أنه أصلا لم يكن سيجري، سواء بالاتفاق مع الإمارات أو من دونه.
ولقد مثلت الإشارة الواردة في البيان الثلاثي المشترك الصادر في 13/ أغسطس/ 2020م محاولة ركيكة مكشوفة لخلق انطباع يوحي بأن دولة الامارات قد حققت انجازاً في هذا الاتفاق، حيث أشار البيان إلى أن إسرائيل ستؤجل الإعلان عن ضم أراض فلسطينية وفقاً لخطة “ترامب”، علماً أن مسألة تأجيل الإعلان عن الضم كانت قد حسمت سابقاً لأسباب أخرى، تتعلق بالموقف الفلسطيني الرسمي والشعبي الرافض للضم بشدة، والرفض المصري والأردني الصريح، إلى جانب تهديد الاتحاد الأوروبي بفرض عقوبات على إسرائيل، وبالائتلاف الحكومي الإسرائيلي، اضافةً للخلافات الواضحة على الضم داخل إدارة الرئيس “ترامب”
في مقابلة مع صحيفة “يسرائيل هيوم”، قال المبعوث الأميركي السابق للشرق الأوسط، “جيسون غرينبلات”، “إن هناك ما استدعى استخدام الأطراف كلمة (تعليق) في كل ما يتعلق بمخطط الضم، معرباً عن أمله في أن يكون تطبيق المخطط مجرد مسألة وقت، مشيراً إلى أنه يأمل أن السؤال المطروح ليس – هل- سيتم تطبيق مخطط، بل – متى – سيطبق”.
عموماً، يمكن القول: ان صياغة اتفاقات سلام تعد قضية معقدة جداً عندما يكون بين طرفين، ناهيك عن أن يكون بين أربعة أطراف. لذلك فإن الهدف الأسمى في صياغة هذه الوثائق في فترة قصيرة جداً هو الابتعاد عن أي مقولة تثير نقاشات وتحفظات لدى أي طرف من الأطراف. إضافة لهدف آخر من وراء الكواليس كان أن هذه الاتفاقات ستشكل نوعاً من الإطار الثابت حتى بالنسبة للدول الأخرى، في حال انضمت إلى مبادرة التطبيع مع إسرائيل. في ظل غياب تفصيل كبير سيكون بالإمكان نسخ هذه الصياغة لاحقا مثلما هي وهكذا. فالنتيجة التي تم الحصول عليها في نهاية المطاف – حسب تعبير – “نوعا لنداو” هي كومة إعلانات داعمة للسلام العالمي بالأسلوب المتبع بشكل عام في مسابقة ملكة الجمال (ميس يونفيرس)، التي أشرف عليها في السابق نفس الشخص الذي يقود الآن مبادرة السلام، رئيس الولايات المتحدة “دونالد ترامب”. وقد تم التوقيع من قبل جميع الأطراف على “اتفاقات ابراهيم”، لكن هذه الوثيقة لا يوجد لها أي إلزام كاتفاق سلام بين الدول، بل الحديث يدور هنا عن نوع من إعلان نوايا عام ورمزي لوصف الحدث في واشنطن.
من الواضح بأن الولايات المتحدة وإسرائيل، وحتى الامارات العربية المتحدة، قد سعت إلى خلط واسقاط بعض المفاهيم وتكييف سياقها القانوني أو السياسي الصحيح بشكل مقصود، وذلك لتحقيق أهداف أخرى غي معلنة، حيث جرى التوقيع على تلكم الاتفاقات في سياق تشكيل تحالف بين الدول الثلاث وإلحاق مملكة البحرين فيما بعد – إضافة إلى دول أخرى ستلحق – على طريق التطبيع، ويقوم هذا التحالف على بعض من الأسس والأهداف التالية:
1 إعادة تعريف مصادر التهديد والصراع في منطقة الشرق الأوسط بحصرها في إيران وتركيا وحركات الإسلام السياسي.
2. توسيع مناطق نفوذ هذا التحالف في البحر المتوسط والبحر الأحمر والخليج العربي، والتدخل أو التأثير في شؤون دول المنطقة بما يضمن مصالح دول التحالف.
3. تنسيق العمل في واشنطن للتأثير في سياساتها تجاه الإقليم بحيث لا تتكرر الحالة التي صاحبت فترة رئاسة “باراك أوباما”.
4. ترسيخ مبدأ السلام مقابل السلام بدلاً من مبدأ السلام مقابل الأرض كمدخل لتسوية أو حل أي نزاع في المنطقة، بما ينسف مرجعية قرارات الشرعية الدولية ومبادرة السلام العربية.
5. توفير بعض الدعم للرئيس “ترامب” في الانتخابات القادمة، حيث تشير نتائج استطلاعات الرأي إلى أنه متأخر جداً عن منافسه الديمقراطي، بسب المشكلات الداخلية مثل تعامل ادارته الرديء مع جائحة كورونا وانخفاض مؤشر الاقتصاد وارتفاع نسبة البطالة. كما يأمل “ترامب” أن تساهم هذه الاتفاقات في تنفيس غضب أنصار إسرائيل في قاعدته الانتخابية بسبب تعثر مخطط الضم في الضفة الغربية.
6. مساعدة “نتنياهو” لترميم شعبيته التي تراجعت بشكل كبير بسبب بعض المشكلات الداخلية، مثل قضايا الفساد ضده، وعودة انتشار جائحة كورونا، وارتفاع مستويات البطالة، وتخلفه عن الوفاء بوعده بتنفيذ الضم.
من هنا يمكن فهم تصريح رئيس وزراء إسرائيل “بنيامين نتنياهو” بأن ما جرى هو (تحول هائلة في تاريخ إسرائيل والشرق الأوسط).
ثالثــاً: نتائج ما جرى.
ان كل معاهدات التطبيع السابقة، واللاحقة إن جاءت، قد سعى إليها تحالف نتنياهو وترامب وفريقه برئاسة كوشنر لتحقيق ثلاثة أهداف: أولاً، الترويج لصفقة القرن، بكل ما تعنيه من تصفية للحقوق الوطنية الفلسطينية، وترسيخ لنظام الاحتلال والأبرتهايد الإسرائيلي. ثانياً، تهميش القضية الفلسطينية، وعزل الشعب الفلسطيني، والادّعاء بأن التطبيع مع بعض الأنظمة العربية يعوّض عن السلام الحقيقي الذي لن يتحقق إلا بتلبية حقوق الشعب الفلسطيني. ثالثاً، تقديم مسرحية لدعم ترامب المهدّد بالسقوط في الانتخابات الرئاسية الأميركية القادمة، ونتنياهو المهدّد بالمحاكمة في أربع قضايا فساد، وجهت له الاتهامات بها.
ولم يعد بإمكان أحد ادّعاء أن الضم الإسرائيلي لأراضي الضفة الغربية قد توقف، فهو جار على الأرض يومياً، خصوصاً أن معاهدتي التطبيع وقعتا بعد ضم القدس والجولان العربي المحتل، وبعد المباركة الأميركية لذلك الضم، ونقل السفارة الأميركية لدى الاحتلال إلى القدس. ولا علاقة إطلاقاً بين “مسرحية” البيت الأبيض وموضوع السلام، فالنتيجة الأولى، لما جرى كانت تقوية معسكر اليمين الفاشي العنصري المتطرّف في إسرائيل، والذي يمثله رئيس حزب “البيت اليهودي”، نفتالي بينيت، الذي يعتبر نتنياهو المتطرّف معتدلاً مقارنة به. والنتيجة الثانية، تصاعد فور توقيع الاتفاقيتين عمليات الاستيطان الاستعماري في الضفة الغربية، واستشرت الاعتداءات على القدس وكل الأراضي المحتلة
لكن القضية الحقيقية التي ظهرت بالتوازي مع مسرحية التطبيع و”السلام” كانت صفقات السلاح والتسلح الجديدة، والتي ستحقق من ورائها الولايات المتحدة والصناعات العسكرية الإسرائيلية أرباحا كبيرة، والتبشير بتصعيد الصراعات الدائرة في منطقة الخليج وغيرها، بين أطراف عربية، وداخل بلدان عربية، وذلك كله لا يحقق سلاماً، ولا يخدم إلا طموح إسرائيل للهيمنة المطلقة عسكرياً واقتصادياً وسياسياً على المنطقة بأسرها، وأخذ دول عربية عديدة رهينة لمنظومات التجسس والأمن الإسرائيلية.
خاتمة:
تمثل الاتفاقيتان الامارتية والبحرينية مع إسرائيل أو اتفاقات “ابراهام” حسب الوصف الأمريكي تحولاً جوسياسياً كبيراً في المنطقة، وعماد هذا التحول تطبيع وجود إسرائيل وتقبل دورها، بل جعلها محور استراتيجيات دول المنطقة أمنياً وسياسياً واقتصادياً. كما يتضح مغزى البعد الديني من تسمية هاتان الاتفاقيتان بـــــ “ابراهام” نسبةً إلى سيدنا إبراهيم عليه الصلاة والسلام، الذي يعتبر أب الأنبياء وأب الديانات السماوية اليهودية والمسيحية والإسلام، فيسعى لكيّ الوعي العربي وثقافته أو اعادة تشكيله على الاقل بما يسمح بقبول دمج إسرائيل فيه كعنصر طبيعي غير مرفوض، وذلك بدون تكلفة أو تغيير في سلوكها وسياساتها العنصرية تجاه الفلسطينيين.

 

. هاني رمضان طالب، ماجستير علوم سياسية، جامعة الأزهر – غزة

 

Author: هاني رمضان طالب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *