ابو زيد لم يشرب القهوة بعد

اقتحم مفتاح السجان رتج باب مهجعنا في سجن فرع أمن الدولة، في حي الحلبوني بدمشق، وزج بقامة شاب طويل وممتلئ، ليكون النزيل الثالث عشر في مساحة ١٢ مترا.

اعاد السجان إغلاق الباب، بينما النزيل الجديد يبحلق بوجوهنا، وكأننا كائنات من عالم آخر.

اسم ابو زيد هو ماأطلقته عليه، ذلك انه بعد أن يئس من استدعاء رئيس الفرع له ليشرب فنجان القهوة، شرع في نثر الحكايات، وبمهارة كان يسرد علينا سيرة بني هلال، ونحن تصغي… ونصغي، فليس اجمل من الحكايات في وقت هو بالنسبة لنا خارج الوقت.

لكن ما جعله يتفرغ للحكايات، ويغادر قلقه وتوتره، أن موعده الغرامية الأول، في الساعة السادسة، في يوم دعوته الفنجان قهوة، قد مضى، وكان يصارحني بإظهار حرجه من موقفه مع من واعدها، ومن بساطته وطيبته، كان يوشوشني:

(ياخوي لتقوم تفكر اني ضحكت عليها وكذبت بالموعد)!

وعندما جرى نقلي من الفرع، كان قد مضى على انتماء ابو زيد لمهجعنا أكثر من ثلاثة اشهر، و فقد امله بالقهوة، كما فقد موعده الأول مع الفتاة الاولى في حياته.

وكنت قبل النقل، أحاول أن احصنه من أساليب المحققين، رغم ثقتي ببراءته التامة من اي تهمة سياسية، أما وهو من أبناء الضفة الغربية، ويعود في العطلة إلى فلسطين، فمثله كان المحققون يستغلون وضعه لتجنيده، بعد اتهامه زورا بالتعامل مع الاحتلال. وبعد مرمطة هؤلاء، يطلب المحقق من الموقوف إثبات عدم عمالته، بان يقوم بالتعامل مع مخابرات ” النظام الوطني القومي”. لصاحبه حافظ اسد.

واتمنى ان يكون ابو زيد قد أفشل لعبتهم، كما واتمنى ان يكون قد خرج والتقى بحبيبته التي انتظرته في محطة الساعة السادسة.

أما القهوة عند المحقق فغير مأسوف عليها.

(دمشق في شتاء ١٩٧٤.)

About The Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *