ابتزاز الناخب الأميركي بإسرائيل

لا يخفي الرئيس دونالد ترامب والحزب الجمهوري هدفهما في جعل المرشّح الديمقراطي لانتخابات مجلس الشيوخ الأميركي عن ولاية ميشيغن عبد الرحمن السيّد “فزاعة” لتحفيز قواعدهم الانتخابية، ضمن مساعيهما إلى الحفاظ على أغلبيتهم في المجلس في الانتخابات النصفية في نوفمبر/ تشرين الثاني المقبل. لا يكتفي ترامب والجمهوريون، بمن فيهم منافس السيّد على مقعد الولاية مايك روجرز، باللجوء إلى خطاب إسلاموفوبي عنصري ضدّه على أساس خلفيته العربية والمسلمة، كما في إصرار ترامب على الإشارة إلى اسمه الكامل “عبد الرحمن محمّد السيّد”، مفترضاً أنّه يهينه بذلك ويُحرِّض عليه، تماماً كما يفعل حتى الآن مع الرئيس الأسبق باراك أوباما، حين يصرّ على نطق اسمه “باراك حسين أوباما”. كما أنّ ترامب والجمهوريين لا يتردّدان في توظيف أكاذيبَ ضدّ الرجل من مثل أنّه “شيوعي” أو “مناهض لأميركا”. لكنّ الأمر لا يقف عند هذا الحدّ، إذ إنّه ينحطُّ إلى حضيض آخر عبر إقحام إسرائيل واليهود في الأمر، وكأنّ الانتخابات ستُجرى في إسرائيل لا في أميركا.
أعلنت “أيباك” أنّها ستضخّ عشرات الملايين من الدولارات لدعم الجمهوري روجرز ضدّ السيّد في الانتخابات العامّة في الخريف المقبل
لم يمضِ وقت طويل بعد نجاح السيّد في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي لمجلس الشيوخ الأميركي (4 أغسطس/ آب الجاري)، حتّى بدأ ترامب بمهاجمته واصفاً إيّاه بأنّه “رجل كراهية” و”مليء بالهراء”. الأهمّ أنّه اتّهمه بأنّه “يكره اليهود. قال لي أحدهم: هذا توصيف قاسٍ بعض الشيء. لا، هو يكره اليهود ويكره إسرائيل”. كرّر الأمر نفسه روجرز. اللافت أنّ هذا الهجوم يأتي متساوقاً مع هجوم متزامن تشنّه الصحافة الإسرائيلية على السيّد عبر الزعم بأنّه يؤيّد “طوفان الأقصى”، العملية التي شنّتها حركة حماس (في 7 أكتوبر/ تشرين الأوّل 2023) ضدّ القوات الإسرائيلية التي تحاصر قطاع غزّة، وتصفها إسرائيل وأنصارها بأنّها “أسوأ مذبحة وقعت في حقّ اليهود منذ الهولوكوست”. وعلى الرغم من أنّ السيّد كثيراً ما اتّهم إسرائيل بممارسة الإبادة والأبارتهايد، لا يوجد تصريح واحد له يؤيّد فيه أو يبارك “طوفان الأقصى”. لكنّ الحقائق هنا لا تعني هؤلاء بشيء، إذ إنّ مجرّد تجرّئه على معارضة إسرائيل يستوجب العقاب، ولهذا ضخَّت اللجان السياسية المرتبطة بلجنة الشؤون العامة الأميركية – الإسرائيلية (أيباك) أكثر من 32 مليون دولار دعماً لمنافِسة السيّد في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي، النائبة هايلي ستيفنز، التي تجاهر بتأييدها إسرائيل. والآن، تعلن “أيباك” بوضوح أنّها ستضخّ عشرات الملايين من الدولارات لدعم الجمهوري روجرز ضدّ السيّد في الانتخابات العامّة في الخريف المقبل.
ليس ترامب والجمهوريون وأنصار إسرائيل في الولايات المتحدة وإسرائيل نفسها وحدهم مَن يصرّون على جعل الدولة العبرية امتحاناً سياسياً عسيراً للسيّد، بل لا يقل الإعلام الأميركي نفسه تواطئاً، إن لم يكن تورّطاً. أحد أبرز الأسئلة التي تُوجّه إلى السيّد في مقابلاته التلفزيونية: “هل تؤمن بحقّ إسرائيل في الوجود”؟ ماذا يعني هذا السؤال للناخب الأميركي؟ تؤكّد استطلاعات الرأي أنّ الناخبين الأميركيين يريدون مرشَّحين يخرجونهم من الضنك الاقتصادي الذي يعيشونه، ومن تراجع مستواهم المعيشي جرّاء تورّط بلادهم في حروب لا نهاية لها، وكان آخرها الحرب في إيران. ويتّهم أغلب الأميركيين إسرائيل بتوريط واشنطن فيها. لكنّ هذا الإعلام، حتّى بعض المحسوبين على الديمقراطيين والليبراليين، يصرّون على أن يجعلوا من إسرائيل، الدولة الأجنبية الطُّفيليّة التي تمتصّ دماء الأميركيين، “بقرة مقدَّسة” ينبغي تأدية طقوس الولاء لها.
تثير البلطجة والابتزاز اللذان تمارسهما إسرائيل ولوبيها وأنصارهما في أميركا امتعاضاً واشمئزازاً أكثر ممّا يثيران تعاطفاً أو خوفاً
صحيح أنّ الانتخابات التي سيخوضها السيّد في نوفمبر المقبل لن تكون سهلةً، فميشيغن ولاية متأرجحة، والجمهوريون وأنصارهم و”أيباك” واللجان السياسية المرتبطة بها سيصرفون عشرات الملايين من الدولارات في محاولة لهزيمته. كما أنّ المؤسّسة الديمقراطية التقليدية المنحازة إلى إسرائيل هي الأخرى متردّدة في دعم السيّد بشكل قوي. إلّا أنّ خلف هذه التحدّيات كلّها حقيقة لا يمكن إخفاؤها: معظم الأميركيين قرفوا من ابتزازهم بإسرائيل ومزاعم معاداة السامية، والغالبية العظمى من القاعدة الديمقراطية لا تحبّ إسرائيل ولا أنصارها في أميركا. وحتّى الحزب الجمهوري يجد نفسه في خضمّ صراع داخلي حول الدعم الأعمى لإسرائيل. تثير البلطجة والابتزاز اللذان تمارسهما إسرائيل ولوبيها وأنصارهما في أميركا امتعاضاً واشمئزازاً أكثر ممّا يثيران تعاطفاً أو خوفاً. وماهي إلّا مسألة وقت حتّى يتحوّل ذلك كلّه إلى ثمن يدفعه كهنة البقرة المقدَّسة: إسرائيل.
عن العربي الجديد