إلى الراحل حاتم علي  .. التغريبة الفلسطينية مستمرة

رحل الممثل والمخرج السوري، الفلسطيني الإنسان حاتم علي قبل أيام؛ تاركاً إرثاً تلفزيونياً درامياً وتاريخيا وازناً؛ وكان من أهم أعماله إخراج مسلسل التغريبة الفلسطينية لكاتبه وليد سيف  في عام 2004 . وقد روى المسلسل على مدار ثلاثين حلقة قصة أُسرة فلسطينية فقيرة تُكافح مِن أجل البقاء في ظل الانتداب البريطاني ثمّ خِلال الثورة الفلسطينية الكبرى، وفي خِيم اللجوء بعد النكبة، ولخصت الأحداث التي مرت بها هذه الأسرة حقبةً تاريخية هامة في حياة الفلسطينيين امتدت ما بين ثلاثينيات وستينيات القرن العشرين مروراً بالعديد من الأحداث الهامة، حتى نكسة  حزيران /يونيو عام 1967م، وكيفية صمود أفراد الأسرة على الرغم مما واجهوه من أخطار الحرب، وقد نجح  طاقم العمل تجسيد الشخصيات وتوثيق المعاناة بشكل يلامس الواقع إلى حد كبير.

فصول التغريبة

يبدو أن توصيف التغريبة لا ينطبق فقط على حالة التشرد التي حلت بالشعب الفلسطيني أثناء وبعد نكبة عام 1948 ، حيث يعتبر المشهد الذي يمر به الفلسطينيون في هذه الأيام فصلاً من فصول التغريبة التي لم تتوقف أصلاً . واللافت أن الفلسطيني الذي يحمل وثيقة سفر أو جواز سفر، أو هوية مؤقتة تشي بأنه عربي فلسطيني، بات عرضة للإهانة والسباب والابتزاز المالي والنفسي والطرد، وصولاً إلى إطلاق النار عليه عندما يحاول الهروب والفرار من هذا البلد العربي إلى آخر، أو من الدول العربية التي باتت معابرها موصدة – إلا من رحم ربي – إلى بلد أوروبي كملجأ آمن.

ويلاحظ المتابع بشكل جلي بأن رحلة الرحيل القسري لا تزال تلاحق الشعب الفلسطيني داخل فلسطين التاريخية وفي منافيه العربية. وهذا يقودنا إلى الحديث عن أهمية سياسة طرد العرب الفلسطينيين من وطنهم فلسطين ، حيث تعتبر تلك العملية من ركائز المشروع الصهيوني ، وفي هذا السياق أكد رئيس الوزراء “الإسرائيلي” الأسبق مناحيم بيغن في مذكراته بأن المنظمات الصهيونية العسكرية قد قامت بطرد العرب وهي التي نظمت عملية القتل و الطرد، وتشير الدراسات إلى أن عدد المذابح التي أمكن تسجيلها وصل إلى /34/ مذبحة منها/24/ في منطقة الجليل وخمس مذابح في وسط فلسطين وخمس مذابح في منطقة الجنوب، وثمة سبع عشرة مذبحة نفذت في ظل وجود القوات البريطانية قبل عام 1948، ودون تدخل يذكر منها وسبع عشرة بعد إنهاء الانتداب البريطاني، ومن أشهر المذابح دير ياسين، ومجزرة الطنطورة وقرية بلد الشيخ، والصفصاف، وعيلوط، وعرب المواسي، لكن أكبرها كانت مجزرة الدوايمة، وتبعاً لتلك المجازر تم طرد 850 ألف فلسطيني في عام 1948، أصبح مجموعهم في نهاية عام 2020  أكثر من ستة ملايين ونصف المليون  لاجئ فلسطيني ، وتكرر مشهد الترانسفير “الإسرائيلي” ضد الفلسطينيين المباشر وغير المباشر في حزيران من عام 1967 أثناء احتلال الجيش “الإسرائيلي” للضفة الغربية وقطاع غزة، حيث تم طرد 460 ألف فلسطيني من المنطقتين، أصبح مجموعهم الآن في نهاية  عام 2020مليوناً وثمنمائة ألف نازح فلسطيني، ولهذا يمكن القول أن سياسات الترانسفير الصهيونية أدت إلى طرد نحو ثلثي الشعب الفلسطيني .

ومن أهم تداعيات النكبة الكبرى قبل أكثر من اثنين وسبعين عاماً  ، بروز قضية اللاجئين وتغير الخارطة الديموغرافية للشعب الفلسطيني وتكشف الحقائق والمعطيات حجم القضية الناشئة نتيجة الطرد القسري الصهيوني لنحو نصف الفلسطينيين في العام 1948، وفي هذا الإطار تشير المعطيات الإحصائية إلى أن عدد سكان فلسطين قد بلغ في نهاية الانتداب البريطاني (2،1) مليون نسمة، بينهم (30،9) في المائة من اليهود، و(69،1)  في المائة أصحاب الأرض الأصليين من العرب الفلسطينيين، أي كان هناك /1454/ ألف عربي، في مقابل /650/ ألف مستوطن يهودي حتى عشية النكبة في الخامس عشر من ايار 1948 ، وقد لوحظ وجود ميل سياسي في أثناء تقدير اللاجئين تبعاً لخلفية الباحث أو الجهة التي أعدت تقديراً حول اللاجئين، وقد راوح التقدير بين 960 ألف لاجئ فلسطيني بحسب وكالة الأمم المتحدة لإغاثة اللاجئين وتشغيلهم عام 1949، و/940/ ألفاً بحسب الجامعة العربية، و/726/ ألفاً بحسب معطيات الأمم المتحدة.‏

وإذا أخذنا أقل التقديرات للاجئي العام 1948، فإنه من بين مجموع الشعب الفلسطيني في عام 1949 البالغ /1466/ ألف فلسطيني، ثمة /726/ ألف لاجئ ، أي أصبح أكثر من 50 في المائة من سكان فلسطين العرب لاجئين، استأثرت الضفة الغربية بنحو 38 في المائة، في حين تركز 25.1 في المائة من اللاجئين في قطاع غزة الذي لا يتعدى مساحته /365/ كيلو متراً مربعاً، واضطر 13.6 في المائة من اللاجئين الذهاب إلى لبنان، وإلى سورية 11.5 وإلى الأردن 9.5 في المائة، وفرت أعداد قليلة إلى مصر لا تتعدى واحداً في المائة من إجمالي مجموع اللاجئين الفلسطينيين، واستحوذ العراق أيضاً على نحو 0.5 في المائة من إجمالي مجموع اللاجئين الفلسطينيين ، وغالبية الذين تركزوا في العراق من مثلث حيفا الساحلية، أي من قرى عين غزال وقرية عين حوض، وقرية جبع وغيرها من قرى عروس الساحل الفلسطيني.‏ وحصلت عملية ترانسفير كبيرة لغالبية فلسطينيي العراق بعد الغزو الأمريكي للعراق في ربيع عام 2003 ، حيث تمّ ارتكاب مجازر بحقهم على يد قوات مقتدى الصدر الشيعية ، ليصبحوا لاجئين في أكثر من أربعين دولة أوروبية وأسيوية وعربية . ويشار إلى أنه لا يوجد خدمات للأونروا بين تجمعات اللاجئين الفلسطيني الذين تركزو في العراق بعد نكبة عام 1948.

حال اللاجئين:

تشير سجلات الاونروا في عام 2020  إلى أن عدد المسجلين من اللاجئين الفلسطينيين تجاوز ستة ملايين لاجئ فلسطيني ،وثمة/41/في المائة منهم يتركزون في المملكة الأردنية الهاشمية، و/22/ في المائة في قطاع غزة الذي يضم ثمانية مخيمات بائسة، في حين تستحوذ الضفة الغربية على /16/ في المائة من إجمالي مجموع اللاجئين الفلسطينيين المسجلين في الاونروا، في مقابل ذلك تستأثر سورية على 10.5/ في المائة وكذلك هي الحال بالنسبة للبنان.‏ ويلحظ المتابع لقضية اللاجئين بأن عمليات ترانسفير كبيرة طالت أعداد كبيرة من اللاجئين الفلسطينيين في لبنان منذ بداية الحرب الأهلية في عام 1975 ، وكذلك اللاجئين الفلسطينيين في سوريا منذ تموز عام 2012 ، حيث بات أكثر من مائة  وعشرة الاف لاجئ فلسطيني من سوريا في مناطق لجوء جديدة عربية وأوروبية ؛ في وقت يعاني اللاجئون الفلسطينيون الذين نزحوا من مخيمات سوريا إلى دول عربية ، مثل لبنان والأردن ومصر من تعامل غير إنساني على الإطلاق . وفي ظل استمرار التغريبة الفلسطينية بصور مختلفة في الزمان والمكان ، يبرز سؤال برسم الإجابة ، هل الشعب الفلسطيني ضلع قاصر في زمن التغاريب ، وما هي السبل حتى ينال معاملة إنسانية في المنافي القريبة ، فهل من جواز سفر للفلسطيني جديد يخوله عبور القارات في جهات الأرض الأربعة فهو إنسان في الدرجة الأولى قبل إطلاق الشعارات القومجية .

رحم الله الفنان المخرج حاتم علي ؛سيبقى حاضراً فينا رغم مرارة التغريبة التي رسخ بعض فصولها وملامحها في ذاكرة  ووجدان المشاهد العربي .

 

 

 

 

 

Author: نبيل السهلي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *