إلا محمود…

كم اشعر بالملل و الرغبة في انهاء الحديث او القراءة عندما يتصل بى احدا ما على التليفون  يريد ان يشرح لى قصة و شكوى طويلة او يرسل لى احدهم رسالة مكتوبة  لاشياء تتعلق بعملى ..بعد ٣٠ سنة من العمل يصبح الامر عملا مرهقا و ليس ممتعا عندما يهاجمك احدهم وانت مسترخى على السرير فى البيت او تقرأ صحفا او كتابا ما ..ليس ممتعا على الاطلاق …الا مع محمود

محمود اعالجه منذ ربع قرن من نوبات اكتئاب كبرى لا تتوقف الا بخلطة من عدة مضادات اكتئاب قوية ..محمود اقترب من ٨٠ عاما و لديه كل تعقيدات الشيخوخة و التعقيدات طويلة المدى  للكم المهول من الادوية التى اعطيها له وهو يرفض العلاج لامراض الشيخوخة كالضغط و السكرى و الوهن و مشاكل البروستات  عند اى طبيب سواى  بل و يرفض ان عرضت عليه الذهاب  مجانا  لأصدقائي الاطباء المختصين بهذه الامراض.

محمود لو اتصل بى حتى الساعة ٣ صباحا يمكن ان استمر بالاستماع له و ارد عليه بلا توقف   الى ان يقرر هو و ليس انا انهاء الاتصال.

عندما زارني لأول مرة في اواسط التسعينات في البداية  كان كبقية المرضى  لكن مع الوقت اكتشفت انني امام بطل مجهول  كان من أوائل الفدائيين  و من اوائل المعتقلين  بل حدثنى عن معرفته  في السجن في العام ٦٨ مع اخي ابو احمد ومع وليم نصار و  قضى ١٥ سنة فى السجون و ضاع شبابه فى السجون  ..يعمل مزارعا  و ليس له علاقة  لا بالسلطة ولا بأي جهة  ولا اى مصدر دخل سوى عمله كمزارع و لا يطلب مكافئة  و لا حتى شكرا من احد  و لا يستعرض ماضيه  لاحد ..  لا يطلب شيئا  ..الابطال  لدينا ناس عاديين يمشوا فى الشوارع كبقية الناس  لا احد يعرف عنهم شيئا و لا هم مهتمين باستعراض او المطالبة بثمن تضحياتهم …منذ ربع قرن و انا اعتبر ان محمود  بالنسبة لى مسؤولية اخلاقية خاصة و ان لم يهتم به احدا  فانا من يجب ان اعطيه كل الاهتمام

الا  انت يا محمود ..اسمع لك صاغرا

Author: فاضل عاشور

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *