إعادة إنتاج خطاب الكراهية والعنصرية تجاه الفلسطينيين

تحت عنوان “مفهمة فلسطين الحديثة – هرب إلى الأمام”، وصفت فاطمة الجمل في مقال نشره الملتقى الفلسطيني، البحث الذي أجراه الباحث في جامعة بيرزيت أشرف بدر بعنوان “الاشمئزاز كآلية استعمارية” والمنشور في الكتاب المذكور، بأنه يقدم تفكيكًا لأساليب الهيمنة النفسية التي يمارسها الاحتلال تجاه الفلسطينيين، كونه يعرض مفهوم “الوعي المزدوج” وكيفية إعادة إنتاج خطاب الكراهية والعنصرية النازي تجاه الفلسطينيين، استنادا إلى فرانز فانون في مقولته: “يريد الأسود أن يكون أبيض، والرجل الأبيض يستعبد من أجل الوصول إلى مستوى إنساني… الأبيض منغلق على بياضه، والأسود منحبس في سواده”.

وتتابع قائلة، يستفيض الباحث في الحديث عن هذا الجانب النفسي المشوه لدى المحتل، والذي يجعله يغرق فيما سمّاه “الخداع الذاتي”، من خلال تبنّي مجموعة من الأكاذيب بشأن الفلسطيني لإظهارها كحقائق أمام العالم.

وينطلق المستعمِر هنا من مرحلة الاختلاف الديني، فلما لم يعد مجديًا، انتقل إلى العنصرية المبنية على أسس علمية تعتبر الفلسطيني في مرتبة أقل جينيًا من الإسرائيلي، أو الأوروبي عمومًا (بما يشبه كثيرًا فكرة هتلر عن العرق الآري)، إلى نظرية العامل الثقافي، وأن الفلسطيني، فكرةً وسلوكًا وثقافةً، مخلوق متخلف ومثير للاشمئزاز وحامل للأمراض.

ويندرج بحث أشرف بدر الذي جاء تحت عنوان “الاشمئزاز كآلية استعمارية – الاستعمار الاستيطاني الصهيوني نموذجا” ضمن كتاب “مَفهمة فلسطين الحديثة: نماذج من المعرفة التحررية” لمجموعة من الباحثين والباحثات، وأشرف عليه وحرّره د. عبد الرحيم الشيخ، وذلك ضمن برنامج الدكتوراه في العلوم الاجتماعية بجامعة بيرزيت.

وهو كما يقول الكاتب، محاولة لتفكيك البنية النفسية للمستعمر الصهيوني عبر توضيح العلاقة بين اشمئزازه من المستعمر الفلسطيني واستباحة قتله وسفك دمه، وينطلق من الافتراض أن الاشمئزاز آلية من آليات الاستعمار، وتجيب من خلال منهجية متعددة الحقول باستخدام منهج التحليل النفسي وتحليل الخطاب وأدوات بحثية أخرى كالإثنوغرافيا والمقابلة، على سؤال كيف انعكس الاشمئزاز من الفلسطيني على البنية النفسية للمستعمر الصهيوني؟ ولمَ يتبنى ضحايا العنصرية والعداء للسامية سلوك وخطاب جلاديهم؟

وتجادل الورقة في أن خطوات نزع الصفة الإنسانية عن الفلسطيني المستعمَر تسلسلت من الأخذ بالمقولات الاستشراقية عن الانحطاط الشرقي “الفلسطيني”، إلى تنميطه ووصمه بصفات غير بشرية وتشبيهه بالحشرات والجرذان بهدف الوصول إلى حالة الاشمئزاز من الفلسطيني و”استقذاره”، وبالتالي عدم التعاطف معه، ثم إلى تأطير ذهني للفلسطيني يقود إلى استسهال فكرة التخلص منه، كونه من جنس آخر غير البشر الأسوياء ويتصف بالقذارة والانحطاط ولذلك من الطبيعي إبادته والقضاء عليه.

وتتميز الورقة في تأصيلها للظاهرة المبحوثة على مستوى الأسرى، وفي اعتمادها على مقابلات عايشوا تجربة الاحتكاك المباشر مع المستعمر الصهيوني، وهم الأسرى المحررون وعائلاتهم، حيث قام الباحث بإجراء مقابلات شخصية مع 16 أسيرا وأسيرة من مناطق مختلفة في الوطن.

للإضاءة على هذا الموضوع كان هذا اللقاء مع الباحث في جامعة بيرزيت أشرف بدر.

عرب 48″: تقاطع في مقالك سؤالان حاولت الإجابة عليهما، الأول هو سؤال ما اسميته بـ”الاشمئزاز” أو الحط من آدمية الفلسطيني لتبرير قمعه وتهجيره وقتله، والثاني، سؤال تبني ضحايا العنصرية والعداء للسامية (اليهود الصهاينة) سلوك وخطاب مضطهديهم الأوروبيين والنازيين؟

بدر: في البداية أود الإشارة إلى أن مشروع الكتاب هو امتداد لمساق في برنامج دكتوراه بالعلوم الاجتماعية بجامعة بيرزيت، تحت مسمى “مفهمة فلسطين”، بإشراف الدكتور عبد الرحيم الشيخ ومشاركة مجموعة من المحاضرين بينهم سليم تماري ونادرة شلهوب وغيرهم، وهو يهدف إلى إنشاء معرفة تحررية بالاعتماد على مصادر ميراثية.

في نهاية المساق كان مطلوبا منا تقديم أوراق بحثية، كعادة كل المساقات، ومنذ البداية كان هناك توجه لنشر هذه الأبحاث، وقد أبدت إدارة الجامعة استعدادا لدعم المشروع ماديا وجرى التواصل مع مؤسسة الدراسات الفلسطينية التي كانت مهمتها الأساسية، التحكيم والتحرير والنشر وقد استغرق هذا المشروع سنة ونصف تقريبا.

أما بالنسبة لمقالي فهو عبارة عن بحث ميداني يعتمد على مقابلات شخصية مع أسرى محررين (16 مقابلة) تدور فكرته الأساسية حول سؤال، كيف يتقمص المضطَهَد شخصية المضطَهِد (بكسر الهاء)، بمعنى أن يتم استنساخ نفس الممارسات التي استعملت ضد اليهود في أوروبا وتقمصها عندنا في فلسطين من خلال الممارسات الاستعمارية الصهيونية.

وبطبيعة الحال جرى خلال البحث مراجعة الأدبيات المرتبطة بهذا الموضوع، ووجدت أن هناك ثغرة معرفية في هذا الجانب – المتعلق بتفسير السلوك والنفسية الإسرائيلية، وبناء عليه كانت محاولة الربط، سلوك المستعمِر الصهيوني تجاه المستعمَر الفلسطيني يبدأ بعملية نفسية مبنية على “الاشمئزاز” تقود إلى عملية تأطير يتم خلالها إخراجنا من دائرة التعاطف، تترافق مع فكرة نزع صفة الإنسانية عن الفلسطيني، من خلال وصف الفلسطينيين بالحشرات وأصناف دُنيَا من الحيوانات.

عرب 48″: طبعا هذا السلوك ليس اختراعا صهيونيا بل هو سلوك استعماري مارسته دول وحركات استعمارية ضد الشعوب المستعمَرة، وحركات وأنظمة فاشية ضد إثنيات معيّنة، ولكن المفارقة في الحالة الصهيونية هو أن هذا الأسلوب تم ممارسته بشدة ضد اليهود في أوروبا؟

بدر: هذا الأسلوب استعملته فرنسا في الجزائر وبريطانيا في السودان، ناهيك عن الاستعمار القديم في أميركا وكندا وأستراليا، وهو أسلوب يقوم على نزع صفة الإنسانية عن الشعوب المستعمَرة من خلال اللجوء إلى مفاهيم “علمية” كالادعاء بأن هؤلاء تركيبتهم الجينية أقل وعقولهم أدنى مستوى وهذا مبرر لاستعبادهم واستعمارهم.

تطرقت بشكل خاص إلى الرجل الأبيض (الغربي) الذي يعتبر نفسه أعلى مرتبة وأكثر فهما وذكاء، ولذلك تقع عليه مهمة رعاية الأقل ذكاء وفهما، وهم الشرقيون بشكل عام والسود بشكل خاص وصولا إلى ميكانيزم “الاشمئزاز” والتأطير.

وقد جرى في هذا السياق تبني ما ذهب إليه داروين في أن الشرقيين يمثلون البقايا المنحطة لعظمة سابقة، وذلك بهدف تبرير احتلال الشرق واستعماره، وهذا ما التقطه منظرو الصهيونية وبنوا عليه الفكر الاستعماري الاستيطاني الصهيوني.

وقد استندت الصهيونية إلى نظرية داروين حول التفاوت بين الأجناس مع ربطها بنظريته التي تنص على البقاء للأقوى وذلك بهدف تبرير استعمار الصهيونية للأرض الفلسطينية.

عرب 48″: ولكن الصهيونية دمجت هذا التوجه مع التراث التوراتي الذي يكرس فكرة “الأغيار” ويتحدث عن “الشعب المختار”؟

بدر: نعم لقد دمجت الصهيونية الفكر الاستعماري الغربي الاستعلائي مع الفكر التوراتي اليهودي وصولا إلى استباحة القتل دون تأنيب ضمير، والتي عبر عنها بشكل واضح الراف عوفاديا يوسيف في الفهم التوراتي بالقول إن هؤلاء ثعابين وصراصير وحشرات يجوز سحقهم.

إن هذا التقاطع أنتج حالة من استباحة الدم الفلسطيني، بحيث باتوا لا يشعرون بأي تأنيب ضمير في حال قتل الفلسطيني وقد تجسد ذلك في كثير من الأحداث، منها قضية قتل الفلسطيني الجريح من قبل جندي إسرائيلي وهو ملقى على الأرض، وما جرته من تعاطف واسع في الشارع الإسرائيلي مع الجندي القاتل عوضا عن التعاطف مع الفلسطيني.

عرب 48″: وما هو التفسير لظاهرة تقمص ممارسات اللاسامية والنازية الأوروبية ضد اليهود من قبل الحركة الصهيونية واستعمالها ضد الشعب الفلسطيني؟

بدر: لقد أطّر ابن خلدون لهذه الظاهرة، في أن المغلوب مولَع على الدوام بالاقتداء بالغالب في شعاره وزيه ونحلته وسائر أحواله وعوائده، والسبب في ذلك في أن النفس تعتقد الكمال في من غلبها وانقادت إليه، فيصبح قدوة لها.

وقد تعمقت آنا فرويد في الإجابة عن هذا السؤال في نظريتها عن التماهي مع العدوان كآلية دفاع لا شعورية يكتسب فيها الشخص خصائص لشخص يرتبط فيها بمشاعر انفعالية قوية، وذلك بهدف السيطرة على القلق الذي ينتاب المعتدى عليه من خلال التمثل بصفات المعتدي واستدخالها.

لقد انعكست الممارسات العنصرية التي تعرض لها اليهود على بنيتهم النفسية، الأمر الذي دفعهم إلى تطوير آليات دفاعية للتغلب علي هذا الهاجس، من خلال التماهي مع المعتدي وذلك عبر ممارسات عنصرية ضد الفلسطينيين، ترجمت بوصفهم بالصراصير والتعامل معهم باشمئزاز كما عاملهم العنصريون الأوروبيون.

وقد اعتبر خطاب هتلر العنصري، اليهود أسوأ من البكتيريا التي تجلب الأمراض، وعبر هتلر عن ذلك بقوله إن “اكتشاف الفيروس اليهودي هو واحد من أعظم الثورات التي حدثت في العالم، وأن المعركة التي نخوضها اليوم هي المعركة نفسها التي خاضها باستور وكوخ (عالما جراثيم) في القرن الماضي. كم من الأمراض لها أصلها في الفيروس اليهودي”.

وهذا ربما ما يفسر لجوء هتلر إلى فكرة المحرقة في تخلصه من اليهود.. فهو يعتقد أنهم ملوثون قذرون يحملون جراثيم ملوثة وأمراض معدية، لذلك يجب التخلص منهم بالحرق.

ويمكننا تفسير السلوك الإسرائيلي استنادا إلى بعض الدراسات في علم النفس التطوري التي أثبتت وجود علاقة بين الاشمئزاز من الآخر وبين وانعدام التعاطف معه، وبين الاشمئزاز والموقف السياسي الأيديولوجي ونشوء أنظمة محافظة استبدادية، وكذلك دراسات تربط بين الاشمئزاز من الآخر واستقذاره وبين تجريده من إنسانيته، حيث تجادل هذه الدراسات في أن استقذار الآخرين والاشمئزاز منهم يقود إلى النظر اليهم أنهم ليسوا بشرا ويستحقون الإبادة والتخلص منهم والتعامل معهم كما يتم التعامل مع الحشرات.

عرب 48″: وكيف يترجم ذلك في دراستك الميدانية على الأسرى الفلسطينيين؟

بدر: يتبدى ذلك جليا، وفق ما أفاد به الأسرى الذين أجريت معهم مقابلات لغرض البحث، في كل المحطات التي يمر بها الأسير في السجن، ابتداء من الاستقبال المذل والتفتيش العاري الذي يجريه السجان وهو يلبس القفازات، إلى الرش بالماء والمواد المنظفة (الكيماوية) والتي توحي جميعها أن التعامل يتم مع مخلوق غير نظيف يجب تنظيفه، والتي تجري جميعها وسط نظرات الاشمئزاز من قبل السجانين.

وقد وثقت ذلك من خلال شهادات الأسرى الذين قابلتهم وروايتهم لحوادث عينية تشير إلى نظرات وممارسات الاشمئزاز والعنصرية التي تعرضوا لها في السجن، كأن تترافق عملية الرش بالماء والمواد المنظفة بنظرات توحي بالتعامل مع ” عربي قذر” وهو مصطلح دارج في القاموس الشعبي والسياسي الإسرائيلي، أو وضع السجانين لأيديهم على أنوفهم عندما يدخلون غرف الأسرى.

ومن الجدير بالذكر أن مصطلحات مثل “التطهير والتنظيف” هي مصطلحات عسكرية، استعملتها المنظمات الصهيونية سابقا وما زالت تستخدمها إسرائيل عندما يتعلق الأمر باخلاء مناطق معينة من العرب.

أشرف عثمان بدر: محاضر في قسم الفلسفة والدراسات الثقافية بجامعة بيرزيت، مرشح لنيل لقب الدكتوراه في العلوم الاجتماعية من جامعة بيرزيت، عنوان أطروحته للدكتوراة “منظومة التحكم والسيطرة للحكم العسكري الإسرائيلي في مناطق 1967 في الفترة ما بين 1967 – 1981 الزراعة كمدخل”.

حاصل على درجة الماجستير في تخصص دراسات إسرائيلية، نشرت أطروحته بالماجستير عام 2016، في كتاب من إصدار مركز الزيتونة، تحت عنوان: “إسرائيل وحماس: جدلية التدافع والتواصل والتفاوض (1987-2014)”. شارك في تأليف عدة كتب، وله أوراق منشورة في عدة مجلات محكمة.

حاصل على جائزة مسابقة فلسطين الثقافية في دورتها الرابعة للعام 2015، المقدمة من مؤسسة فلسطين الدولية (جائزة أحمد الشقيري حول قضية فلسطين والقانون الدولي)؛ وذلك عن بحث بعنوان: “السياسات الإسرائيلية ونظام الفصل العنصري في فلسطين”. مهتم بالاجتماع السياسي، الحكم العسكري الإسرائيلي، ومفهوم الاستعمار الاستيطاني في فلسطين.

تحرير: طارق طه

عن عرب 48

Author: حوار مع أشرف بدر- حاوره: سليمان أبو إرشيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.