إعادة إنتاج الخوف لدى الصحافيين الفلسطينيين: من أداة استعمارية إلى فعل “مقاومة”

ملخص
تبحث هذه الورقة في مفهوم إعادة إنتاج الخوف لدى الصحافيين الفلسطينيين بوصفه ليس تجربة نفسية عابرة، بل بنية مستمرة من العيش تحت التهديد والاستعمار. فالخوف هنا لا ينشأ عن حدث واحد، بل يعاد توليده يومياً عبر الجسد والذاكرة والممارسة المهنية، ليصبح أداة من أدوات الاستعمار لفرض السيطرة على الصحافة الفلسطينية والتحكم في من يروي القصة وكيف تروى. انطلاقاً من تجربة شخصية وميدانية، ومن شهادات صحافيين وصحافيات في الضفة الغربية وغزة وجنوب لبنان، تجادل الورقة في أن الاغتيال المتكرر للصحافيين لا يقصد به فقط إسكات صحافي واحد، بل خلق أثر ردعي جماعي يحول الخوف إلى سياسة ممنهجة للسيطرة على المجال الإعلامي. وبذلك يصبح جسد الصحافي نفسه وسيلة رمزية لإنتاج الخوف الجماعي، بما ينسجم مع مفهوم “العنف الرمزي” عند بيير بورديو.
لكن على الرغم من ذلك، لا يتحول الخوف دائماً إلى انسحاب، بل كثيراً ما يعاد توجيهه إلى طاقة “مقاومة” واستمرارية في ممارسة العمل الصحافي، عبر التضامن الميداني، والمزاح كآلية دفاع، وتوثيق الخطر كفعل مقاوم. وبناء عليه، تؤكد الورقة أن تجربة الصحافي الفلسطيني تظهر ازدواجية الخوف والاستمرارية في العمل؛ فبينما يعمل النظام الاحتلالي على إعادة إنتاج الخوف كأداة ضبط، يعيد الصحافيون توظيف هذا الخوف كقوة على البقاء، وشكل من أشكال “المقاومة” من خلال الاستمرارية في العمل.
وفي النهاية توصي الورقة بضرورة إدماج الصحة النفسية والحماية النفسية في سياسات العمل الإعلامي، عبر تطوير برامج دعم نفسي، وإدراج التدريب على التعامل مع الصدمات ضمن مناهج كليات الإعلام الفلسطينية. كما تدعو نقابة الصحافيين والهيئات الحقوقية ليس فقط إلى توثيق الانتهاكات النفسية والمهنية، بل إلى مساءلة الجهات المسؤولة عنها للمساهمة في وقفها، وتشجع الصحافيين والصحافيات أنفسهم على بناء شبكات دعم جماعية ومجتمعية للتعامل مع الخوف باعتباره تجربة مشتركة لا عزلة فردية، فيما تدعو المؤسسات الدولية إلى محاسبة المجرم لردعه، وبالتالي حماية الصحافيين والصحافيات.

شهادة ميدانية
منذ اللحظة التي يضع فيها الصحافي الفلسطيني سترته التي تحمل كلمة PRESS، يكتشف أنه دخل في دوامة مواجهة مع منظومة احتلال تتقن استخدام العنف لا لقتل الجسد فحسب، بل لإسكات الصوت. الخوف في حياة الصحافي الفلسطيني ليس حدثاً عابراً، بل بنية مستمرة من العيش تحت التهديد، هو إحساس يعاد إنتاجه كل يوم في الجسد وفي الذاكرة، فالخوف هنا ليس نتيجة الحدث، بل جزء من نظام السيطرة الاستعماري الذي يسعى إلى ضبط مَن يتكلم، وكيف، ومتى، وما الذي يُقال وما الذي يُمحى.
تأتي هذه الورقة في سياق تتصاعد فيه الأخطار التي تواجه الصحافيين الفلسطينيين العاملين في الميدان، ومع استمرار استهداف الصحافة الفلسطينية بوصفها امتداداً للذاكرة الجمعية والرواية الوطنية. فمنذ اغتيال الصحافية شيرين أبو عاقلة في 11 أيار/مايو 2022، [1] وما تلاه من اغتيالات واستهدافات للصحافيين في غزة وجنوب لبنان، بات واضحاً أن العنف الموجه ضد الصحافيين الفلسطينيين ليس حدثاً استثنائياً، بل سياسة ممنهجة تهدف إلى إخضاع الرواية ومنع نقلها.
أذكر جيداً المرة الأولى التي عدت فيها إلى الميدان بعد يومين فقط من اغتيال الزميلة شيرين أبو عاقلة، حيث اقتحمت قوات الاحتلال مخيم جنين مجدداً وحاصرت منزلاً لأحد المواطنين.[2] حينها أصرّيت على التواجد لمواصلة عملي الصحافي، على الرغم من محاولات عائلتي وأصدقائي منعي، لكن حين وصلت إلى نقطة تجمع الصحافيين المطلة على البيت المحاصر، سمعت إطلاق الرصاص قريباً مني، في تلك اللحظة، شعرت بأن رصاص القناص الذي نجوت منه سابقاً بعد أن قتل شيرين وحاول قتلي وأصاب الزميل علي السمودي، سيصيبني حتماً هذه المرة. بدأت أرتجف بقوة حتى لاحظ زملائي ذلك، فنقلوني إلى منطقة “أبعد” عن مكان العملية العسكرية، لا يمكنني القول “آمنة”، لأن الأمان بالنسبة إلى الصحافي الفلسطيني مجرد “فكرة”؛ فحتى في ابتعاده الموقت يظل صوته الداخلي يردد أن الرصاصة التالية ربما تحمل اسمه.
بالنسبة إلينا كصحافيين في الميدان، الخوف لا ينتهي بانتهاء الحدث، بل يعيش بداخله ليتجدد ويعاد إنتاجه مع كل مواجهة وحدث شبيه، وغالباً ما تكون محفزات الذاكرة المحرك الأساسي لهذا الخوف، ليصبح جزءاً من الحياة اليومية للصحافي في الميدان. هذا ما حدث معي وما يحدث يومياً مع الزميلات والزملاء الصحافيين في الميدان، سواء في غزة أو الضفة الغربية أو حتى جنوب لبنان.
لم يتوقف الأمر هنا، تجاوز الخوف حدوده الفردية ليصبح كل مشهد اغتيال لصحافي أو صحافية بمثابة استدعاء متجدد للصدمة الأصلية وإعادة تذكير بما يعيشه الصحافي، ففي اللحظة التي انتشر فيديو اشتعال خيمة الصحافيين بالقرب من مجمع ناصر الطبي في خانيونس في 7 نيسان/أبريل 2025، والذي استشهد فيه الصحافي حلمي الفقعاوي والشاب يوسف الخزندار، وأصيب آخرون بجروح من بينهم الصحافي أحمد منصور الذي استشهد لاحقاً متأثراً بجراحه،[3] وبعد أن تداول المتابعون مشهد احتراق منصور حياً وهو على مكتبه داخل الخيمة ويمارس عمله الصحافي كمحرر لأحد المواقع المحلية، شكلت هذه المشاهد انهياراً نفسياً موقتاً، إذ استحضرت في داخلي تجربة الاغتيال الأولى بكل تفاصيلها الجسدية والعاطفية؛ رأيتُ نفسي في أحمد منصور، كأنني أنا التي تحترق على المكتب. دخلتُ في حالة نفسية سيئة جداً وأُصبت بانهيارات متتالية وشعرت بالغضب على حياة الصحافي التي تبدأ وتنتهي وهو يكتب الخبر. عشتُ تلك الفترة كأنني أعيش استشهاد شيرين أبو عاقلة للمرة الأولى، ولم أستطع الخروج منها بسهولة. لم أكن الوحيدة التي عشت مشاعر شبيهة بعد سماع خبر مقتل صحافي أو صحافية، إذ إن كل صحافي يرى في زميله القتيل صورة ذاته المحتملة، وهكذا، يتحول الخوف من تجربة شخصية إلى ذاكرة جماعية، يعاد إنتاجها يومياً داخل الميدان، وعبر الشاشات، وداخل غرف التحرير.
يمكن قراءة هذا المشهد باعتباره دلالة على أن استهداف الصحافيين الفلسطينيين يتجاوز الطابع العسكري إلى بعد رمزي مقصود، لإعادة إنتاج الخوف لدى الصحافيين الأحياء. فاستهداف صحافي واحد أمام الكاميرا، أو في أثناء ممارسة عمله، يعمل غالباً كآلية ردع جماعي تهدف إلى ضبط الميدان الإعلامي وتقييد الشجاعة المهنية. وهنا يصبح جسد الصحافي القتيل وسيطاً لرسالة التخويف، وجزءاً من منظومة “العنف الرمزي” التي يستخدمها الاحتلال لترسيخ السيطرة على الرواية والمشهد الإعلامي.
وهذا ما حدث تحديداً عقب اغتيال الصحافية شيرين أبو عاقلة، التي كانت من أبرز الصحافيات الفلسطينيات وتعمل في إحدى أهم القنوات العربية؛ اغتيالها لم يكن صدفة ميدانية، بل عملاً رمزياً هدفه السيطرة على السرد، كان قتلاً مضاعفاً: قتل الجسد، وقتل الصوت الذي كان يروي. فقد أحدث اغتيالها أمام الكاميرات صدمة للعالم وللصحافيين على حد سواء، لكنه أيضاً زرع الخوف في زملائها. لاحقاً، تراجعت بعض المؤسسات الدولية والعربية عن التغطية الميدانية في جنين، بحسب ما أكده عدد من الصحافيين العاملين في هذه الوكالات. وبالمثل، فإن اغتيال المصور الصحافي عصام العبد الله في جنوب لبنان[4] أدى إلى منع عدد من الوكالات مراسليها ومصوريها من العمل في تلك المنطقة، ما يعزز فرضية أن الاحتلال يدرك أثر استهداف الفرد في خلق خوف جماعي يعيد إنتاج ذاته عبر الممارسة اليومية، وبالتالي يستخدم القتل كأداة رقابة غير معلنة، لفرض الصمت باسم “السلامة المهنية”.
في صمت المؤسسات الإعلامية والحقوقية الدولية، يعاد إنتاج هذا الخوف كبنية سياسية لا كحالة نفسية. فحين لا تحاسب الجهات القاتلة، وحين يختزل موت الصحافيين في أرقام أو تقارير إعلامية، يغدو الصمت شكلاً من أشكال المشاركة في العنف. إن غياب المساءلة من مؤسسات دولية، كالأمم المتحدة أو بعض شبكات الإعلام الكبرى، يحول الخوف إلى نظام منظم لإسكات الشهود وتطبيع الإبادة المعرفية.
الجسد كذاكرة للصدمة
في الأيام التي تلت استشهاد شيرين أبو عاقلة أدركت إلى أي حد أعيش في صدمة، وبعد رحلة علاج نفسي أخذت مني سنة كاملة- فقط لتقبل الحدث، اكتشفت كمية “الصدمات” المتراكمة المستمرة التي أعيش فيها كصحافية ميدانية، بدأت من أول مشهد اغتيال قمتُ بتغطيته صحافياً والذي نفذه جيش الاحتلال لعدد من الفلسطينيين في 2 نيسان/أبريل 2022، حين كنت أنا وزملائي أول من وصل إلى مكان الحدث ورأينا الدماء وبقايا أدمغة الشهداء بسبب كثافة النيران، وصولاً إلى اغتيال شيرين أبو عاقلة واستمرار تعرضنا كصحافيين ميدانيين لمواقف خطرة في كل مرة نقوم بتغطية ميدانية لعملية عسكرية ينفذها جيش الاحتلال الإسرائيلي.
أنا لستُ نموذجاً فردياً، إذ يعاني الصحافيون الميدانيون في جميع أنحاء العالم جراء ظروف معقدة وضغوط نفسية خلال عملهم على تغطية الأحداث الصعبة في مناطق الحروب والأزمات، إذ تعدُّ التغطية من خطوط المواجهة الأمامية في الصراع المسلح واحدة من أصعب المهمات التي يمكن للصحافيين القيام بها، ما يجعلهم وفقاً لـ CPJ أكثر عرضة للتعرض للصدمات النفسية. ووفقاً لـ McMahon & Lyall (2019) أظهرت الدراسات في الرابطة الأميركية للطب النفسي أن “بين 80 و100٪ من الصحافيين قد تعرضوا لحدث مؤلم يتعلق بالعمل، مع تجارب متكررة يشهدها حوالي 92٪ منهم.” [5] وأنتجت اليونسكو موجزاً حول “سلامة الصحافيين عند تغطية الصدمات النفسية والِمَحن” ذكرت فيه أنه قد يتعرض الصحافيون إلى صدمة نفسية بشكل مباشر أو صدمة نفسية ثانوية “بالإنابة”، إمّا بشكل مباشر فيكون من خلال تغطيتهم الأخبار والأحداث الصعبة، مثل الأخبار المتعلقة بالحروب والنزاعات، أو مشاهدة حوادث الموت، أو مشاهدة الاعتداءات الجسدية والجنسية أو الوقوع ضحيتها، أو الاحتجاز، أو الخطف، أو الكوارث الطبيعية وغير الطبيعية، أو حوادث تحطم وسائل النقل أو الهجمات الإرهابية. كما قد يتأثرون بصورٍة غير مباشرة بما يعد صدمة نفسية ثانوية أو “بالإنابة”، فتكون عادة بسبب الاستماع إلى قصص الناجين أو ضحايا الأحداث الصادمة.
وترى الصحافية الحربية شارون شميكل في كتابها “Reporting War 2007” أن المؤسسات الصحافية تقوم بتدريب صحافيي الحروب على الاستعداد للحرب لكنها لا تهتم في تدريبهم على كيفية التعامل مع الصدمات النفسية بعد أو خلال الحرب؛ “قادة الجيش يبدأون بفهم أنه يمكنهم تعزيز قوة وقدرة القوات على التحمل من خلال التعامل مع ضغوط القتال، حان الوقت لمنظمات الأخبار أن تفعل الشيء نفسه. يوافق مراسلو الحرب على أن التدريب على الأمان والمعدات الواقية هي استعدادات أساسية لمهمة خطرة. لكن منظمات الأخبار لا تقوم بما يكفي لحماية المراسلين والمصورين حتى يتعاملوا أيضاً مع الصدمات النفسية.”[6]
يمكننا تصنيف الصحافي الفلسطيني كمراسل لحرب يومية مستمرة بسبب طبيعة التغطية الإعلامية في فلسطين وحالة “الحرب” الدائمة التي لا تنتهي، ما يجعله لا يخرج من حالة الصدمة (Trauma) وأحياناً كثيرة لا يجد الوقت الكافي لاستيعاب الصدمة التي يعيش فيها. وفي كثير من الأحيان يعتقد الصحافي أنه نجا من كل الأحداث الصعبة التي يمر بها لأنه – جسدياً- بخير، كما حصل معي شخصياً، وقد يظن أنه تجاوزها حتى بعد إصابته وأحياناً لا يظن أنه بحاجة إلى متابعة مع أختصاصي نفسي، لكنه بالحقيقة يخزّن كل هذه الصدمات من دون أن يجد الوقت الذي يجعله يعيش اضطراب ما بعد الصدمة، بل يظل في حالة صدمة مستمرة بسبب الأحداث الصعبة المتكررة التي يعيشها في حياته العملية، كمشاهدة شاب يُقتل أمامه، أو إطلاق رصاص بشكل مباشر نحوه ونحو زملائه، أو مراقبة انهيار والدة فتى قتله جنود إسرائيليون واحتجزوا جثمانه من دون أن تتمكن من توديعه. في كتاب “دراسات في الهستيريا” (1895) يؤكد فرويد وبروير أن “الحدث الأصلي ليس في الصدمة في حد ذاتها وإنما في تذكرها، نظراً إلى أن الحدث الأصلي ما زال يسبب الضرر، فإن العلاج الحديث أو التحرر هو الذي يلزم لفهم آثار الماضي والتحرر من قبضته المسببة للأعراض.”[7] بصورة عامة، يمكن فهم الحدث الصدمي فقط بعد فترة كامنة من العمل المؤجل التي تؤخر تأثيرات ومعنى الماضي، أي بعد أن يستحضر حدث معاصر الحدث الذي كان قد تم قمعه سابقاً فقط يمكن أن يصبح الحدث السابق معروفاً في عملية التذكر. (Balaev, 2017)
يقول عالم النفس بيسِل فان دَر كولك في كتابه “الجسد يحتفظ بالندوب: الدماغ والعقل والجسد في شفاء الصدمة” إن “الخوف في الجسد كالوشم الثابت، ويعاد إنتاجه لا كحالة نفسية عابرة بل يتفاعل مع كل حدث ميداني جدي.”[8] فالصدمة تترك أثراً دائماً في الجسد والعقل معاً، وهذا الأثر لا يُمحى بمرور الزمن، بل يستمر في الذاكرة العصبية والحسية إلى أن يُعالج بطرق تعيد إلى الجسد توازنه وقدرته على التمييز بين الماضي والحاضر. والخوف لا ينتهي بانتهاء الحدث الميداني، كالاقتحام، أو الاغتيال، أو مشهد القتل أو الإصابة، بل ينتقل إلى داخل الجسد الصحافي كذاكرة متجسدة، ومع كل حادثة جديدة يعيشها الصحافي، كصوت إطلاق نار، أو مشهد دم، أو رائحة جثث متفحمة، يُعاد تفعيل “السجل الجسدي للصدمة”، كأن الجسد يعيش التجربة الأصلية مجددا،. أي أن الجسد يحتفظ بسجل الصدمة، إذ تبقى الذاكرة الفيزيولوجية للحدث منقوشة داخله، ويمكن استدعاؤها بعد زمن طويل من خلال محفزات حسية تشبه التجربة الأولى. في هذا المعنى، يصبح جسد الصحافي الميداني أرشيفاً للذاكرة الصدمية، وموقعاً لإعادة إنتاج الخوف في كل مواجهة جديدة مع العنف.
إذا عدنا بالزمن إلى بداية العمل الميداني، فإن الصحافي الفلسطيني لا تتم تهيئته خلال سنوات دراسته الجامعية أو حتى تحضيره للعمل في الميدان، أو لما قد يواجهه في الميدان من صدمات أو صعاب أو عنف، لا نفسياً ولا حتى من خلال تزويده بالأدوات التي يحتاجها، فمثلاً عندما يأخذ طالب الإعلام مساق التصوير يمضي الوقت يتعلم التصوير من خلال تصوير وردة في ساحات الجامعة. وهذا الطالب نفسه بمجرد تخرجه من الجامعة وخروجه إلى العمل الصحافي أول ما يواجهه في الميدان هو جندي بسلاح يصوبه نحوه، أو قنبلة غاز تُطلق في اتجاهه، فبالتالي العنف الأول الذي يتعرض له في الميدان مهما يكن حجمه هو عنف صادم ومفاجئ. وفي كل مرة يتعرض لشيء مشابه يصبح هذا العنف أشد وأقسى وتتراكم هذه التجارب في ذاكرته ويعاد إنتاجها مع كل تجربة صعبة يعيشها هذا الصحافي، وبالتالي يعيش في دوامة عنف لا يخرج منها بل يزداد حجمها مع كل تغطية جديدة، وهذا ما حدث تماماً مع الزميلة الصحافية مشاعل أبو الرب من جنين، التي تعرضت للاختناق بالغاز المسيل للدموع في أول مرة لها في الميدان حين غطت تظاهرات جبل صبيح في بلدة بيتا جنوبي نابلس عام 2021.[9] تقول مشاعل إنه كان بالنسبة إليها كل شيء جديد وغريب ولا تعلم كيف تتعامل معه، وفجأة وجدت نفسها تختنق ولا تعلم ماذا عليها أن تفعل، ولم يكن معها عدة لحماية نفسها من قنابل الغاز، فما كان عليها إلاّ أن تركض إلى حين وصلت طواقم الإسعاف إليها قبل لحظات من أن يُغمى عليها. ووفقاً لمشاعل لاحقها هذا الموقف طويلاً في كل مرة تعاملت فيه مع جنود الاحتلال، فكان مشهد الجنوب بالنسبة إليها هو هروب من قنابل الغاز حتى لو لم يكن هناك قنابل.
لماذا يتابع الصحافي عمله؟
هذا السؤال الذي يُطرح على أي صحافي يعمل في مناطق خطرة: ما السبب الذي يدفع الصحافي إلى مواصلة عمله على الرغم من كل ما يمر به ويعيشه، وما قد مر به أصلاً؟ كان يُطرح عليّ هذا السؤال في معظم اللقاءات الصحافية التي أجريتها في الفترة الأخيرة، وكانت إجابتي مثل إجابة عشرات الصحافيين والصحافيات الفلسطينيات، وهو أننا نعمل بدافع وطني وأخلاقي وإنساني، أنا شخصياً لطالما رأيت زملائي في الميدان يغطون عمليات عسكرية إسرائيلية ضخمة وخطرة من دون أن يتم تكليفهم بمهمة رسمية من الجهة التي يعملون معها، وكان دائماً تعليقهم: “ما قدرت ابقى في البيت”. هذه الجملة البسيطة تُظهر مدى إصرار هذا الصحافي أو الصحافية على التغطية، على الرغم من خطورة الميدان، وتحديداً بعد السابع من أكتوبر، والحالة النفسية الصعبة التي يمر بها. لكن الصحافي هنا يرى نفسه صوت الناس والوسيلة الوحيدة لنقل قصصهم وحكاياتهم، وفضح جرائم الاحتلال الإسرائيلي بحقهم، بالتالي يتجاوز الصحافي الفلسطيني خوفه، أو يطمر خوفه ليخرج في اليوم التالي لمواصلة التغطية، وأحياناً أُخرى في اليوم نفسه. فقد يتعرض الصحافيون لإطلاق النار وتكاد تقتلهم رصاصات الاحتلال، إلاّ إنهم بعد لحظات ينسون الموقف ويبدأون بالضحك والمزاح والفكاهة وينتقلون إلى موقع آخر للتغطية.
ومع أن للخوف حضوراً طاغياً ومسيطراً على الجسد والذاكرة لكنه ليس بالضرورة قوة مسيطرة على الإرادة. فبينما يسعى العنف الرمزي إلى ترسيخ الخوف كأداة للسيطرة، يجد الصحافيون الفلسطينيون في مواجهته والتعايش معه استراتيجيات فردية وجماعية للتأقلم والمقاومة. في الميدان، لا يتحول الخوف دائماً إلى انسحاب، بل غالباً ما يُعاد توجيهه ليصبح طاقة بقاء ودافعاً للاستمرار، إذ يتجسد في أشكال متعددة من الصمود اليومي، مثل التضامن بين الزملاء، والمزاح كآلية دفاع نفسي، وتوثيق الخطر كفعل مقاوم، وتحويل الذاكرة المؤلمة إلى شهادة تحفظ الرواية الفلسطينية من المحو.
بهذه الممارسات، يتحول الجسد ذاته، الذي كان أداة لتجسيد الخوف، إلى جسد مقاوم يستعيد قدرته على المعنى والفعل، ويعيد تعريف الحضور الصحافي في المكان لا كحضور مهدد، بل كحضور يشهد ويصر على البقاء في وجه محاولات الإلغاء والردع. ومن هنا، يمكن فهم تجربة الصحافي الفلسطيني بوصفها تأرجحاً دائماً بين الخوف والمقاومة، حيث تنتج الصدمة أدواتها الخاصة للنجاة، ويصبح العمل الميداني فعلاً يومياً لإعادة تعريف الذات في مواجهة منظومة الهيمنة والعنف.
وبالتالي، وعلى الرغم من سيطرة الخوف على جسد الصحافي وذاكرته في كثير من الأحيان، فإنه لا يلغي عمله في الميدان، بل يتحول في حياة الصحافي الفلسطيني إلى دافع للعمل والبقاء والمقاومة. ويواصل الصحافيون عملهم بكل قوة وجرأة وهم يحملون داخلهم ذكرياتهم المؤلمة والموجعة والمخيفة كدافع لإكمال عملهم، لا كقيد على هذا العمل.
السؤال الذي يُطرح دائماً بين الصحافيين المحليين هو: هل يشعر الصحافيون في مناطق الحرب الأُخرى بما نشعر به نحن؟ وهل الخوف لديهم يشبه خوفنا؟ وجدتُ الإجابة عن هذا السؤال حين عملت مع زملاء من مؤسسات دولية غطوا حروباً في العراق وأوكرانيا وسورية، إذ كانوا يتحدثون عن الخوف بوصفه تجربة موقتة تبدأ وتنتهي مع انتهاء المهمة، بينما في فلسطين لا مهمة تنتهي؛ فالخوف بنية دائمة لأن الحرب نفسها لا تتوقف، والصحافيون لا يغادرون “ساحة المعركة”، لأن الميدان هو حياتهم اليومية. في أماكن أُخرى، الحرب حدث، أما بالنسبة إلى الصحافيين الفلسطينيين فهي حرب وجود، ولذلك يصبح الخوف هنا استعماراً للجسد والذاكرة، لا تجربة عابرة.
إن استمرار استهداف الصحافيين الفلسطينيين جسدياً ونفسياً لا يهدد حياتهم الفردية فحسب، بل يهدد بقاء الصحافة الفلسطينية بوصفها أداة مساءلة وذاكرة جماعية. وفي ظل غياب المحاسبة الدولية وتكرار سياسات الإفلات من العقاب، يتحول الخوف إلى بنية دائمة لإسكات الشهود وتطبيع العنف ضد الكلمة والصورة. من هنا، تأتي هذه الورقة لتقديم مقترحات سياسات عملية تستهدف حماية الصحافيين الفلسطينيين على المستويين النفسي والمهني، وتدعو المؤسسات الإعلامية والأكاديمية والحقوقية إلى اعتماد استراتيجيات واضحة في هذا الاتجاه.
الخاتمة والتوصيات
تُظهر هذه الورقة أن الخوف لدى الصحافيين الفلسطينيين لم يعد مجرد استجابة نفسية للعنف، بل أصبح سياسة استعمارية ممنهجة يُعاد إنتاجها يومياً داخل الممارسة الصحافية الفلسطينية كأداة للسيطرة على الجسد والذاكرة والرواية. فالاستهداف المتكرر، سواء بالاغتيال أو المنع أو الترهيب، لا يهدف فقط إلى إسكات الأصوات، بل إلى إعادة تشكيل المجال الإعلامي الفلسطيني بما يخدم منطق السيطرة الاستعمارية. انطلاقاً من ذلك، توصي الورقة بما يلي: إدماج الدعم النفسي ضمن سياسات السلامة المهنية عبر برامج دائمة للرعاية النفسية بعد التغطيات الميدانية الخطرة، وإنشاء وحدات داخل غرف الأخبار تعنى بمتابعة الصحافيين الميدانيين؛ تبنّي “مدونات سلوك مهنية” تلزم المؤسسات بعدم تكليف الصحافيين بمهمات خطرة من دون تدريب مسبق أو تجهيز مناسب؛ تطوير مناهج تدرّس مفاهيم “السلامة المهنية والصحة النفسية في النزاعات” ضمن برامج البكالوريوس والماجستير؛ إنشاء شراكات مع منظمات مختصة لتدريب الطلبة على التغطية في بيئات عالية الخطورة من خلال محاكاة ميدانية؛ إنشاء قاعدة بيانات وطنية من قبل نقابة الصحافيين وهيئات حقوقية لتوثيق الانتهاكات النفسية والمهنية بحق الصحافيين، وتحديثها دورياً وفق معايير الأمم المتحدة؛ دفع هذه الملفات إلى آليات المساءلة الدولية، وخصوصاً مكتب الادعاء في المحكمة الجنائية الدولية، من أجل وضع حد لسياسة الإفلات من العقاب، وعلى المنظمات الدولية إنشاء آلية رصد علنية لحالات استهداف الصحافيين الفلسطينيين، ونشر تقارير فصلية تربط الاعتداءات بالمسؤولية القانونية للدول القائمة بالانتهاك؛ تمويل برامج إقليمية للحماية النفسية والتأهيل بعد الصدمات للصحافيين المحليين؛ تعزيز شبكات الدعم الزملائي والمجتمعي عبر مجموعات تضامن مهنية، وتوثيق التجارب الميدانية بوصفها شهادات جماعية تحفظ الذاكرة وتعيد امتلاك السردية؛ دمج ممارسات الرعاية الذاتية ضمن العمل اليومي، وتحويل الخوف إلى وعي مهني بالمخاطر لا إلى شلل أو انسحاب، ذلك بأن مواجهة الخوف تتطلب رؤية سياساتية شاملة تعتبر الحماية النفسية جزءاً لا يتجزأ من منظومة الحماية المهنية والقانونية. فالدفاع عن الصحافيين الفلسطينيين ليس دفاعاً عن فئة مهنية فحسب، بل هو دفاع عن الذاكرة والرواية والحق في الوجود الفلسطيني ذاته.
[1] “استشهاد الزميلة شيرين أبو عاقلة وإصابة الصحفي علي السمودي برصاص الاحتلال في مخيم جنين“، وكالة الأنباء والمعلومات الفلسطينية “وفا”، 11/5/2022.
[2] “الاحتلال يقصف منزلاً في مخيم جنين بـ القذائف ويصيب 13 شاباً بالرصاص ويعتقل آخر“، وكالة الأنباء والمعلومات الفلسطينية “وفا”، 13/5/2022.
[3] “أحرَقه القصف الإسرائيلي حياً — استشهاد الصحفي أحمد منصور في غزة“، “الجزيرة نت”، 8/4/2025.
[4] “Reuters journalist killed in Lebanon in missile fire from direction of Israel,” Reuters, 14/10/2023.
[5] C. McMahon & K. Lyall, LEADING RESILIENCE A Guide for Editors and News Managers Working with Freelancers Exposed to Trauma, (Columbia: University, Dart Center for Journalism and Trauma, NYC, 2019).
[6] S. Schmickle, “Reporting war,” Dart Center for Journalism & Trauma, 2007.
[7] M. Balaev, Trauma studies, In, A companion to literary theory, edited by D. H. Richter (John Wiley & Sons, Ltd. 2018), pp. 360–371.
[8] B. Van der Kolk, The body keeps the score: Brain, mind, and body in the healing of trauma (New York: Viking, 2014) pp. 3, 14-211.
[9] باسل رزق الله، “من العرمة إلى صبيح: بيتا لا تنزل عن الجبل“، موقع “حبر”، 23/6/2021.
1
عن المؤلف:
شذا حنايشة: صحافية فلسطينية، تتابع حالياً دراسة الماجستير في دراسات الإعلام في الجامعة الأميركية في بيروت، بدعم من منحة شيرين أبو عاقلة التذكارية. في عام 2024، حصلت على جائزة رندا بدير في المساواة الجندرية (Gender Equity Award) من الجامعة عن أفضل ورقة بحثية بعنوان “المسارات غير المرئية: إلى أين تذهب طالبات الإعلام الفلسطينيات بعد التخرج”.
عن ورقة سياسات – مؤسسة الدراسات الفلسطينية